يوم الغنيمة
7 ذو الحجه 1439
د. عامر الهوشان

هو يوم ليس كباقي أيام العام بل ينفرد ويمتاز عنها بكثير من الخصال والمزايا والفضائل , يوم ساعاته بل دقائقه بأشهر وأعوام , يوم عظيم مبارك مشهود , فيه من الخيرات والبركات والهبات والرحمات والعفو والمغفرة والعتق من النار ما لم يجتمع في يوم غيره .

 

إنه يوم عرفة الذي جعل الله تعالى فيه من الغنائم والمنح والعطايا ما لو حصّل بعضها المؤمن كانت له تطهيرا لسجل أعماله و زادا وحصنا لقابل أيامه و وقودا ومحركا إيمانيا نحو المزيد من الخضوع لله وحسن عبادته بقية حياته .

 

لا يملك المطلع على فضائل هذا اليوم الأغر وحجم المنح والعطايا التي جعلها الله تعالى فيه ....إلا أن يزداد يقينا بلطف وعظيم رحمة الله تعالى بعباده , وأن رحمته سبقت غضبه , وأنه أرأف بعباده من الأم بولدها ....وأن يذوب خجلا من عدم مقابلة هذا الإحسان بمزيد من الشكر والامتنان بالعمل والعبادة لا بمجرد القول باللسان .

 

كثيرة هي الأسماء التي استحقها هذا اليوم المبارك , فهو يوم العتق من النار ويوم اندحار وذل الشيطان ويوم الدعاء و يوم ركن الحج الأعظم .... إلا أن كثرة الغنائم التي أكرم الله تعالى بها عباده في هذا اليوم يجعل من اسم "يوم الغنيمة" اسما جديرا بالذكر والاهتمام .

 

أولى غنائم هذا اليوم لغير الحاج أن صيامه يكفر ذنوب سنتين كاملتين , ففي الحديث عَنْ أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ ( يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ ) صحيح مسلم برقم/2804 

 

أما الغنيمة الثانية للحاج ولغير الحاج على حد سواء فهي أن الدعاء فيه أفضل الدعاء ومرجو الإجابة من الله تعالى , فقد ورد في الحديث الصحيح عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة و أفضل ما قلت أنا و النبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ) سنن الترمذي برقم/5385 وحسنه الألباني .

 

قال الزرقاني في شرحه على الموطأ:  قال الباجي : أي أعظمه ثواباً وأقربه إجابة . وقال ابن قدامة في المغني : يستحب الإكثار من ذكر الله تعالى ، والدعاء يوم عرفة ؛ فإنه يوم ترجى فيه الإجابة .

وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول : انظروا إلى عبادي ، أتوني شعثا غبرا) رواه أحمد وصححه الألباني في الجامع برقم/1868 

 

وعن ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس ابن مالك قال : وقفَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بـ (عرفات) وقد كادت الشمسُ أن تؤوبَ، فقال: ( يا بلال! أَنصِتْ لي الناسَ ) . فقام بلال فقال : أَنْصِتوا لرسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنصتَ الناسُ فقال صلى الله عليه وسلم :

( معاشرَ الناسِ! أَتاني جبرائيل آنفاً، فأقرأني من رَبي السلامَ، وقال: إنَّ الله عز وجل غفرَ لأهلِ عرفاتٍ، وأَهل المَشْعَر، وضَمِنَ عنهم التبعاتِ ) . فقام عمر بنُ الخطاب رضي الله عنه فقال : يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال : ( هذا لكم، ولمن أتى من بعدِكم إلى يوم القيامة ) . فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : كثرَ خيرٌ الله وطابَ . صحيح الترغيب والترهيب للألباني برقم/1151

 

من غنائم هذا اليوم كثرة إعتاق الله تعالى الرقاب من النار , ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدأ من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟) صحيح مسلم برقم/3354 

 

ومن غنائمه أنه اليوم الذي أكمل الله به الدين وأتم به النعمة على المسلمين ففيه نزل قوله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناً } المائدة/3 , ففي الحديث عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا . قَالَ : أَيُّ آيَةٍ ؟ قَالَ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا } قَالَ عُمَرُ : قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ . صحيح البخاري برقم/45 

 

العاقل الفطن من يتعرض لنفحات هذا اليوم ويغتنم غنائمه ولا يدعها تفوته , وإذا كان الحاج قد استأثر بفضل المكان والزمان والموقف على صعيد عرفات فإن الله تعالى لم يحرم باقي عباده - الذين منعهم من الحج مانع - من غنائم وأجر وفضل هذا اليوم العظيم .

 

وليكن حسن الظن بالله واليقين بشمول رحمته وعموم فضله على عباده هو الشعور الغالب على الحاج وغير الحاج المقبل على الله في هذا اليومبالدعاء وطلب العفو والصفح والمغفرة .

 

قال عبد الله بن المبارك : جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه ، وعيناه تذرفان فالتفت إلي ، فقلت له : من أسوأ هذا الجمع حالاً ؟ قال : الذي يظن أن الله لا يغفر له .

2 + 2 =