لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه
15 محرم 1440
أميمة الجابر

عجبا لأمر قلوبنا , فشأنها غريب , فأحيانا تقبل على الخير وإذا بها أرق ما تكون لله تعالى , فلو سئلت أن تبذل نفسها في سبيله سبحانه لبذلت وضحت , ولو سئلت أن تنفق أموالها جميعا لوجه الله سبحانه لبذلت ..

 

ثم هناك لحظات تقسوا وتجف , كما تجف الورقة الخضراء , فتنكر الحق , وتبعد عن الخير , وتبخل بالعطاء ..

 

إنها قسوة لم تأت من فراع , ولكن تأتي بظلم الإنسان نفسه , عندما يستصغر المعصية فيتبعها بأخرى ويتمادى في التعدي على حدود الله –تعالى – حتى يغطي قلبه الران الذي ذكره الله في كتابه فقال " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " .

 

فحينئذ لا تسمع لناصح ولا تتأثر بتذكرة من حولها , وهذه مشكلة يجدها كثير من الدعاة عندما يقدم النصح والتذكرة للبعض , فيطالب بفعل الصالحات وترك المنكرات فيجد التراخي وعدم الانقياد والاستسلام

 

والسبب أنه لم يصلح الداخل حتى يصطلح الخارج والظاهر , فكان ينبغي أولا اصلاح القلب وتنظيفه لأن صلاحه عائد على صلاح الظاهر .
 

وقد وضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عندما قال " ألا وان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله , ألا وهي القلب " .

 

فالخشوع محله القلب , فإذا خشع خشعت الجوارح لخشوعه , وكما في الاثر " لو خشع قلب هذه لخشعت جوارحه " .

 

وقد يشتكي البعض جرأتهم على حدود الله تعالى وإتباع جوارحه في تلك الجرأة , فلا تتوقع أن يأتيك الخشوع بين يوم وليلة لكن الأمر يحتاج إلى تدريب مستمر حتى ينتقل القلب تدريجيا من القسوة إلى اللين .

 

ومن الأمور التي تلين القلوب :

1- أن يعرف العبد ربه , فقد يكون أعظم سببا للين القلوب أن يعرف العبد ربه بأسمائه وصفاته , يعرفه بتأملاته وتفكره , فما من شيء في هذا الكون إلا ويذكره به سبحانه , فما من عبد عرف الله تعالى إلا وجدته خاشع القلب , سباقا إلى الخير , مشمرا في الطاعات , متمتعا بفعلها , وما من عبد عرف ربه إلا وجدته أبعد ما يكون عن معصيته .

 

2- المحافظة على الصلوات في مواعيدها , فلا يأتي ظهر على عصر ولا مغرب على عشاء , فهي الصلة بينه وبين ربه , وهي المنهية عن الفحشاء والمنكر , وهي الدافعة إلى الصالحات

 

3- ذكر الله تعالى دائما , فمن كان لاهيا عن ذكر الله تعالى طوال اليوم فمن الصعب أن ينتقل فجأة إلى الخشوع , فالذكر باب الخشوع , وهو المهيىء النفسي والقلبي له , "قال رجل للحسن : يا أبا سعيد ,أشكو إليك قسوة قلبي , قال : أذبه بالذكر "

 

4- قراءة القرآن ايضا من المطهرات الآكدة للقلب العائدة أثرها على الجوارح لقوله تعالى " الله أنزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله , ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد " الزمر 23

 

5- تذكر الموت من الأمور التي تلين القلوب وتذهب قسوتها , وطريقة ذلك التفكر في الراحلين , واتباع الجنائز , وزيارة القبور ..

 

6- كثرة الاستغفار والتوبة , فهي باب عظيم لنظافة القلب ولينه ورقته , فمهما كان كبر المعصية فالله تعالى يدعو عبده للعودة من جديد .

 

ولا شك أن صلاح القلب بقوة تقواه , ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فقال " التقوى ههنا وهو يشير إلى صدره وهو موضع القلب " رواه مسلم .
ولنتأسى وننظر كيف كانت القلوب الفريدة ..

 

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعبد الله بن مسعود : اقرأ عليّ القرآن , فقال : أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني أحب أن اسمعه من غيري , فقرأ وعندما وصل لآية " فكيف إذا جئنا من كل أمه بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " فقال صلى الله عليه وسلم : حسبك .. فإذا عيناه تذرفان .

 

ولما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه , قال لأهل بيته أن يأمروا أبا بكر ليصلي بالناس , فقالوا يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف إذا قرأ القرآن بكى . فقد اختاره النبي صلى الله عليه وسلم للخلافة بعده لتلك الصفات الفريدة وحياة قلبه ورقته .

 

أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه , عندما سمع قوله تعالى " إن عذاب ربك لواقع " سقط على الأرض مريضا وأصبح أصحابه يعودونه

 

وهذا أبو حنيفة رضي الله عنه كان يقوم الليل ويردد آية طوال الليل يقول : " بل الساعة موعدهم والساعة أدهي وأمر " .

 

فلنحاول أن نأخذ بزمام أنفسنا ونخلص قلوبنا من قسوتها , تلك القسوة التي باعدت بين العباد وبين الانقياد والاستسلام لطاعة الله تعالى , وباعدت بينهم وبين الخشوع لله سبحانه , والتي تنفر الأولاد من أبيهم , والطالب من أستاذه , والعامل من رئيسه والصاحب من صاحبه ,,,

8 + 5 =