همزة الوصل بين الزوجين
5 ربيع الأول 1440
أميمة الجابر

تشكو بيوتنا كثيرا من جفاف العلاقة الزوجية بين الزوجين , وذهاب المحبة والمودة التي دائما ما تحدث الناس عنها , ولايجد الزوجان رابطا يربطهما – بعد سنين من الزواج – غير رابط الأولاد الذين هم بينهما , وقد تظل معاناة الزوجين فترات طويلة على المستوى النفسي والواقعي بلا حلول يمكنها أن تزيل تلك المعاناة 
وقد بنى الإسلام الأسرة المسلمة بناية متينة على أساس لايبلى ولا يفتر , ذاك الأساس هو المودة المتبادلة بين الزوجين والقائمة على إرضاء الله سبحانه .

 

فأراد الإسلام منهجا يعمل به على ذاك الأساس , وشكلا للعلاقة الزوجية تقوم على نبت المودة والرحمة بينهما , قال تعالى: {وجعل بينكم مودة ورحمة}, فيتولد الحب الحقيقي بين الزوجين حينما تحسن العشرة بينهما وتنبت المودة والرحمة والرفق وحسن السلوك .

 

ونختلف كثيرا مع مقولة " إن الزواج يقتل الحب " وهي مقولة منتشرة بين الناس وهي ولاشك مستوردة من الخارج الغربي الذي يعتمد في العلاقة بين الرجل والمرأة على الحرية المطلقة التي تأبى أن تتقيد بالزواج .

 

فالإسلام عين ما ينبت المودة بين الزوجين وينعشها , فجعل التكافؤ والتفاهم وسيلة مهمة لتقوية الروابط بينهما , وحدد للمرأة طرقا لكسب قلب زوجها وتزويده بالمودة والرحمة , ونبهها لطاعة زوجها بقول النبي صلى الله عليه وسلم :" لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " ..

 

وعلى الجانب الآخر فقد وجه الزوج نحو كل معاني الرحمة والرفق , فالمرأة عندما تتزوج تنخلع من بيت أبيها وأمها وإخوتها وهؤلاء يمثلون لها نوعا من الرحمة والأمن , فالله تعالى جعل الزوج بديلا لكل هؤلاء لكن بعدما تنشأ المودة التي يمكنها أن تكون بديلا حقيقيا.

 

وبيّن الإسلام أن العنف أو الإضرار أو الأذي بين أفراد الأسرة سواء عنف الزوج أو العكس يؤدي إلى تدهور الحياة الأسرية وتحول المودة والرحمة إلى الشقاء والإضرار , مما يزيد الكراهية بين الزوجين , وقد تبين أن ذلك يسبب عدم الاحترام بين الزوجين , فكما يحتاج الإنسان إلى الطعام والشراب والرعاية فهو كذلك يحتاج إلى حقه في الاحترام والتقدير الشخصي وهو من أسرار دوام المحبة الزوجية واستمرار الاستقرار العائلي .

 

وقد ينشأ الزوج في بيئة أسرية تهين حق الزوجة أو تعاملها بسوء أو بإسهانة فيقلد الزوج بيئته فيتحول سلوكه إلى سلوك بغيض للزوجة , وتتحول محبتها له إلى كراهية , وعلى الجانب الآخر تبدي بعض الأمهات سيطرتها على زوجها وإهانتها له ببعض الألفاظ والافعال أمام بناتها فتتطبع البنت بطابع أمها فيعاني منها زوجها اشد المعاناة فيفتقد الطرفان نعمة الاحترام .

 

كذلك فقد بيّن الإسلام أن شكل تلك العلاقة بين الزوجين قائم على العطاء بينهما , وجعل التعاون من الأسباب لتمتين الروابط الزوجية , ورغب فيه وجاء بالنصوص الكثيرة في ذلك , ومن أشكال ذلك التعاون آداء العبادة كالصدقة والصيام وفي المستحبات كقيام الليل وغيره يقول صلى الله عليه وسلم :" رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء " أخرجه مسلم  .

 

 وكذا التعاون في شئون البيت , ومخطىء من ظن أن التعاون في بعض شأن البيت نقص في قوامته فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله وكان يخصف نعله ويرقع ثوبه ويعاون زوجه .
وكذا التعاون من جانب الزوجة إذ توفر للزوج جو الراحة وتهىء طعامه وثيابه وشأنه , فيشعر بنوع من الاستقرار ويستطيع ممارسة أعماله دون إرهاق , وكذا يتم التعاون بينهما في تربية الأبناء إذ هي مسئولية مشتركة بينهما لقوله صلى الله عليه وسلم: "الرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها" , وكلما أخلص الشريكان في تربية الأبناء وتعاونا على ذلك وقام كل واحد منهما بدوره نضج نبت الاسرة وخرج الأبناء مستقيمين صالحين ناجحين .

 

وكذلك مما يزيد المودة بينهما ما نسميه العطاء بين الطرفين , فعندما يكون احدهما أنانيا لايهتم إلا بشأن نفسه فيبين الخلل ويتوسع وينهار البيت , ومن ذلك ما يظهر عندما تمنح الزوجة زوجها كل الحب والعرفان والجهد فتقابل بالتجاهل والنكران , فيولد ذلك إحباطا نفسيا لديها مما يوقف قدرتها على العطاء , وقد قال صلى الله عليه وسلم " خيركم خيركم لأهله " أخرجه الترمذي , وقد تستمر الحياة بعطاء من طرف واحد لكن هذا يكون تنازلا من أجل الأبناء أو من أجل ألا يهدم البيت , وهنا يظهر أثر الخلل الذي كان مختبئا عبر السنين .

 

فعندما تتعقد الحياة وتكثر المشكلات ويتمنى كل طرف أن ينفصل عن الآخر إذ لايشعر تجاهه برابطة , تظهر رابطة الأبناء كهمزة وصل ورابط يربطهما فيفكران كثيرا قبل الانفصال .

 

ونحن ههنا نرفع إشارة تنبيه لكل زوجين حتى لا يصل الحال بينهما أن تنعدم الروابط أو تصير هي رابطة الأبناء فحسب , فالإسلام – كما ذكرنا – أوضح لنا سر تلك السعادة التي تملأ جو البيت المسلم عندما بين فضل المسامحة والعفو وغض الطرف عن أخطاء الآخر , مع محاولة الإرشاد والنصح بهدوء مع اعتماد الرفق والرحمة , فذلك يثمر توطيد العلاقات ويدعم روابط المحبة القلبية التي تبقى طوال رحلة الزواج , وقد أشار كثير من الخبراء أن السعادة والحياة الزوجية أمران لا ينفصلان , فالسعيد هادىء البال هو الأكثر استقرارا في بيته خصوصا بعدما كفل التشريع الإسلامي حياة آمنة مستقرة حينما بين لكل زوج وزوجة مالهم من حقوق وما عليهم من واجبات , فأنشأ المودة وبذر الرحمة وأعلى شأن الرفق .

6 + 0 =