العودة الى التربية القرآنية.. الترف وآثاره المدمرة
10 جمادى الأول 1440
د. محمد العبدة

جاء ذكر الترف والمترفين في ثمانية مواضع في القرآن الكريم ، كلها تشنع على هذه الظاهرة أو على هذا المرض الاجتماعي الذي تقع فيه فئة من الناس ، حين يعيشون حالة من الرفاهية التي تجعلهم يصدون عن اي دعوة إصلاحية تريد خير الانسان، إنهم يفضلون بقاء الوضع السياسي الذي يناسبهم مهما كان ظالما أو فاسدا ويتحالفون مع الفئة السياسية التي تحقق لهم أغراضهم قال تعالى : ( وكذلك ما ارسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها ان وجدنا آبائنا على أمة وانا على اثارهم مقتدون) الزخرف (23)

 

وقال تعالى واصفا حالهم ( فلما أحسو بأسنا اذا هم منها يركضون ، لا تركضوا وارجعوا الى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون ) الانبياء (13)
واذا كانت الآيات تتحدث في الغالب عن المشركين الذين بطروا معيشتهم واترفوا في الحياة الدنيا ولكن هذه الظاهرة نجدها عند فئات اخرى من الناس وقد يصاب بها بعض المسلمين الذين يحرصون اشد الحرص على الرفاهية الزائدة ، فهذا صنف من الناس يجد المتعة في الاقتناء (لمجرد الاقتناء) في الاشياء الثمينة بل يشترون اي بضاعة باهظة الثمن ليرصدوا الاعجاب في اعين اصدقائهم ومن حولهم ، انهم بذلك يجمدون دورة المال الذي يجب ان ينتفع به اكثر الناس .

 

المترفون تدفعهم ثروتهم للعيش في نمط مختلف من الحياة ، نمط له طبائعه ولغته وطرائقه الخاصة لإضفاء بعض الفضائل على المال وبذلك يندرج المترف مع (علية القوم) ويحسب على طبقتهم .
يعيش المترفون حياة تافهة ، يريدون قضاء الوقت باي شكل من الاشكال وينصرفون عن الاعمال المنتجة لأنها تتطلب من صاحبها جهدا شخصيا وحرمانا من الشهوات ، فالترف يجفف ينابيع البطولة والسخاء وتتحول عند المترف قيم الشجاعة الى قيم البذخ ويحل حب السهولة عنده محل حبه للأخطار والمغامرة، وكل الكمالات الزائدة تصبح ضرورية ، ويتوهم انه لو تخلى عنها فسوف يحل به الموت الزؤام ، والامن عنده ليس الامن الاجتماعي ، بل أمنه الخاص ، اما الوطن فلا اهمية له ، انه لقيط لا ينتمي الا لنفسه ومعبوده المقدس الرفاهية.

 

تحتوي شبكة المعلومات (الانترنت) على لعبة تسمح باحتساب عدد القرون التي يتوجب على فرد محدود الدخل ان يعيشها ليصل الى مستوى سنة واحدة عاشها احد الافراد الاكثر ثراء ورفاهية .
هناك فرق بين الرفاهية واليسر، اليسر المقبول ربما يوفر ظروفا ملائمة تسمح للإنسان ان يبني نفسه باطمئنان دون ان يبدد قواه ، بناء يمنحه القوة والحماية ويضاعف امكاناته ويعطيه القدرة على التخلص من العوامل الخارجية الضاغطة عليه. الاسلام لا يطلب ان يكون الناس متساوون في تملك المال او الاشياء ، فهذا امر غير طبيعي لتفاوت الناس في العمل و الذكاء ولحكمة الله سبحانه وتعالى في تقدير الرزق، ولكن الاسلام يحارب الترف والسفه وانفاق الاموال الطائلة على التنعم في الحياة الدنيا ، وان من اسباب ضعف المسلمين ذهاب الاموال على الترف ، فقد جاء في كتاب (مروج الذهب) للمسعودي ان عضد الدولة البويهي انفق على بستان له خمسة الاف الف (خمسة ملايين ) درهم ، وعندما خطب الخليفة العباسي المعتضد بالله ( قطر الندى) ابنة خمارويه بن احمد بن طولون حاكم مصر، تفنن خمارويه في تجهيزها وانفق خزائن الدولة حتى تضعضعت حالة مصر المالية !!

 

ان من يشاهد حيا من احياء المترفين وينظر الى طريقة حياتهم فسوف يدرك لماذا شنع القرآن الكريم على الترف والمترفين ، وذلك لأنه أول مظاهر الفساد في الأمة.
واذا كان الفقر المدقع يضعف الشعب فكذلك الثراء، وان من السنن التي تنطبق على جميع العصور ان الثراء الذي يوجد المدنية هو الذي ينذر بانحلالها وسقوطها وان السكوت عن المترفين او مطاوعتهم في أهوائهم هي خطوة الى الهاوية ( واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ، ففسقوا فيها فحق عليه القول فدمرناها تدميرا) الإسراء (16)
وفي قراءة (أمِّرنا )، ومن معانيها :كثرّنا.

11 + 2 =