إنه يدعوهم.. ويدعو لهم
13 جمادى الثانية 1440
همام عبدالمعبود

تقتضي عملية الدعوة إلى الله من الداعية أن يكون مخلصًا متجردًا لله (عز وجل)؛ وأن يكون واعيًا ومدركًا لما يدعو الناس إليه، وأن يوافق قولُه عملَه، فضلا عن حرصه على تنويع وابتكار وتطوير الوسائل الدعوية التي يبذلها لإقناع واستمالة من يدعوهم إلى الله.

 

ولا بد أن ينظر الداعية إلى المدعو على أنه جالب الخير، وحامل الأجر له، وأن نجاحه في دعوته قد يكون سببًا في دخوله الجنة، وهذا ما يفهم من قوله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) عن سهل بن سعد الساعدي (رَضِيِ اللَّهُ عَنْهُ) أن رَسُول اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) قال لعلي بن أبي طالب (رَضِيِ اللَّهُ عَنْهُ) يوم خيبر:"... فوالله لأن يهدي اللَّه بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" متفق عَلَيْهِ.

 

فالحقيقة التي يغفلها كثير من الدعاة هي أن: الداعية أحوج إلى المدعو من حاجة المدعو إليه أليس المدعو هو الذي يحمل للداعية حسناته (لكونه سببًا في هدايته) إلى يوم القيامة بلا مقابل، أليس هذا المدعو (بما سيفعله من خير بسبب هدايته، وبما سيدعو غيره إلى ما دُعي إليه من الخير) سببًا في تكاثر أجر الداعية إلى يوم القيامة.

 

فعن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري (رَضِيِ اللَّهُ عَنْهُ) قال: قال رَسُول اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم): "من دل على خير فله مثل أجر فاعله". رواه مُسْلِمٌ، وعن أبي هريرة (رَضِيِ اللَّهُ عَنْهُ) أن رَسُول اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا". رواه مُسْلِمٌ.

 

لذا فإن العلاقة بين الداعية إلى الله والمدعو يجب أن تقوم على أساس الحب في الله، لأن هذا الحب هو الذي سيجعل كلا منهما صابرًا على الآخر، مضحيًا في سبيل الآخر؛ فعلى الداعية أن يبذل من وقته وجهده وعلمه في سبيل تبليغ المدعو دعوة الله بأفضل وأيسر السبل، وأن يحسن اختيار الزمن والمكان المناسبين للدعوة، وعلى المدعو أن يُقبل على الداعية، وأن يوله سمعه وبصره، وأن يستقبل كلامه بالاحترام والتوقير، وأن يكون عازمًا على التغير والاستجابة.

 

والداعية إلى الله مصلح اجتماعي؛ يبدأ أول ما يبدأ بإصلاح نفسه، ويجتهد ما وسعه الجهد لإصلاح الآخرين؛ فهو مثلا: كالطبيب؛ يكره المرض ويسعى لاستئصاله؛ لكنه يحب المريض ويتمنى له الشفاء العاجل، إذ لا يعقل أن يُقدم داعيةُ على التواصل مع أحد المدعويين وهو له كاره؛ فضلا عن أن الحب في الله هو الذي يجمع بين الداعية والمدعو، ويربط بينهما، ويوثق صلتهما.

 

ولهذا يجب على الداعية أن يخلص في دعوته أيما إخلاص؛ ويجتهد في تجويد أساليبه، وتجهيز أدواته، وأن يأخذ بالأسباب المتاحة له، وفوق هذا كله أن يتوجه إلى الله بالدعاء، ويبتهل إليه بالرجاء؛ في جوف الليل، يدعو ربه أن يلين قلب المدعو لتقبل دعوته، كما يدعو له بصلاح الحال.. نعم يدعو له بالليل؛ ويدعوه بالنهار؛ فهذا هو ديدان الدعاة إلى الله؛ رهبان بالليل فرسان بالنهار، وما جعلهم فرسانًا بالنهار إلا رهبانية الليل؛ يستمدون من قيام الليل زادًا يعينهم على المضي في الطريق، ومن القرآن طاقة كبيرة تدفعهم للأمام، ومن البكاء من خشية الله علامات مضيئة للسير، وما أجمل ما وصفهم الشاعر بقوله:
إذا جن المساء فلا تراهم *** من الإشفاق إلا ساجدينا

 

فلا شك أن إحساس المدعو بحب الداعية له، وإشفاقه على حاله، وشعوره بصدقه معه، من أهم أسباب نجاح الداعية في دعوته، فالدعوة إلى الله ليست كلمات تقال أو دعوة تلقى وينصرف كلٌ إلى حال سبيله، وإنما هي عملية طويلة الأمد؛ تبدأ بتهيئة التربة وتجهيزها ثم انتقاء البذرة الصالحة، وغرسها في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، وبالطريقة الصحيحة، وعندما يأذن الله سبحانه وتعالى لهذه البذرة بالنمو؛ ويكتب لها الحياة، يتعهدها الداعية بالري والسقاية، ويولها العناية اللازمة، والرعاية الواجبة حتى يكبر العود ويستوي ويشتد، فيؤتي أكله بعد حين.

 

فالدعوة إلى الله إذن هي رحلة شاقة؛ تحتاج إلى الوقت والجهد والصبر والجميل، لكنها تستحق التعب من أجلها لأن جزاءها عند الله كبير، وأجرها عظيم؛ قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت/33].

 

ومن أكبر الآفات التي يُمنى بها الدعاة إلى الله آفة الاستعجال؛ استعجال قطف الثمار قبل نضجها، وهذا يرجع إلى عدة أسباب منها: نقص التربية لدى بعض الدعاة، وعدم وعيهم بسنن الله الكونية، ونقص الخبرات الدعوية، افتقاد الداعية إلى موجهين ومرشدين مخلصين، عدم إدراكهم لطبيعة العملية الدعوية.

 

كما يجب على الداعية أن ينظر إلى الدعوة من منطلق ما يمكن تسميته بمشروع المدعو الواحد، وذلك وفق نظرية المتواليات العددية، فعندما ينجح الداعية في مهمته فإنه يكون قد أضاف إلى الدعوة داعية جديدا ؛ فلو افترضنا أن حركة إسلامية ما بدأت طريقها في الدعوة إلى الله بعشر دعاة، ونجح كل منهم في ضم داعية واحد في خلال عام، فإن هذه الحركة تكون قد زادت خلال عام واحد بنسبة 100 %، والدعاة العشرة أصبحوا 20، وهكذا..؛ فإنه بعد مضي 10 سنوات سيصبح عدد الدعاة 200 داعية، أنظر إلى هذا العدد الكبير من الدعاة الذي تكون على مدى عقد واحد (10 سنوات).

 

إن هذا العدد من الدعاة بإمكانه – بعد توفيق الله – أن يصلح دولة بأكملها، إذا ما تم تأهيله وتدريبه وصقله بالمعارف والعلوم الشرعية؛ من قرآن وحديث وفقه وسيرة وتفسير، وترقيته إيمانيًا وتربويًا، وتهذيبه سلوكيًا وأخلاقيًا، وإعداده ثقافيًا وفكريًا، وهكذا يجب أن ينظر الدعاة إلى الدعوة على أنها مشروع حياة، ومستقبل أمة، وأن يأخذوا الأمر على محمل الجد، فيهبوا بداية بفرز وانتقاء أفضل المدعويين خلقًا وأحسنهم سلوكًا وأقربهم استجابة، وألينهم طبعًا، وأكثرهم رغبة؛ ثم يضعوا لهم برنامجًا شاملا للتهيئة والإعداد والتجهيز؛ ليكونوا مؤهلين لتحمل تبعات الدعوة والقيام بمهامها على أكمل وجه.ـ

3 + 14 =