2 شعبان 1440

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أنا طبيبة ومتزوجة منذ 5 سنوات من رجل له وظيفة مرموقة وميسور الحال، ولى منه طفلان، وقد سبق له أن تزوج قبلي بأربعة وطلقهن، وله من زوجته الأخيرة ولد يناهز عمره 9 سنوات، ومشكلته أنه سريع الغضب وضيق الصدر معي بالذات، وأبسط مشكلة تحدث بيننا يخاصمني ويحرمني من حقي الشرعي، ويهجرني فلا يكلمني ولا يسلم علي، كما أن من عادته أن لا ينفق علي إلا بمزاجه فيما يتعلق باحتياجاتي الخاصة، أما فيما يخص النفقة على البيت فيقوم بذلك، كما أنني اكتشفت أنه يعانى من فقدان الرغبة الجنسية، وهذا هو سبب تغيُّر مزاجه وأخلاقه، ولكنني لا أستطيع أن أساعده بشيء، وهو يهينني ويحتقرني وأخاف علي أطفالي أن يؤثر عليهم هذا الوضع، وهم متعلقون بابيهم جدا ولا أستطيع أن أفصلهم عنه، ولا أنا أنوي الانفصال عنه، ولكن هذا الوضع يؤذيني، وقد أثر سلبيا على دراستي، فتأخرت في دراسة التخصص 5 سنوات، ولم أكمل لغاية الوقت الحالي، وأشعر بأن نفسيتي محطمه، فهل أقبل بالعيش على هذا المنوال بقية عمري، وحاليا أصبحت آخذ من ماله خلسة وأشتري كل ما يلزمني، ويلزم البيت والأولاد، وأشعر بأنني أخونه ولكن كلما شعرت بالظلم والغبن آخذ المال منه حتى أسعد نفسي، فأفتوني في هذا الأمر، وأعينوني على إيجاد الحل..

أجاب عنها:
د. صفية الودغيري

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 

أما بعد: أختي السائلة الكريمة، بداية أشكرك على رسالتك، وعلى ثقتك بموقع المسلم وطرحك لاستشارتك، أما بالنسبة لمشكلتك فألخصها في أمور منها:
ـ إهمال زوجك لحقوقك المادية والمعنوية وتقصيره في تلبية طلباتك الخاصة.
ـ غضبه الزَّائِد، وانفعالاتُه المتكرِّرة، وعصبيَّته المفرطة لأتفه الأسباب.
ـ تحوُّل خلافاتكما في أغلب الأحوال إلى شجار، وهَجْرِك في الفراش، وقَطْعِ أسباب التواصُل بينكما..
ـ تدهور حالتك النفسية والعصبية، وعدم قدرتِك على السَّيطرة على الوضع، وتأثيرُها السِّلبي على تفوُّقِك الدِّراسي..

 

أما النصائح والإرشادات التي أقدمها لك أختي الكريمة فهي كما يلي:
أولا: حاولي أن تمتلكي مفاتيح شخصية زوجك، فلكلِّ رجل مفتاح سِرِّي لوُلوجِ قلبه وعقله، وكيانِه بالكامل، والزوجة العاقلة هي التي تكتشف مواطِنَ القوَّة والضعف في شخصية زوجها، وعلى أساسها تختار ما يناسِبُه كأسلوب في الحديث والتَّعامُل معه..

 

ثانيا: اكْسِري الأقفال والحواجز التي تفصل بينكما، وقرِّبي المسافات البعيدة التي تبثُّ النُّفور والكراهِيَّة، والعَداء، وانْشُري الفرح والسُّرور، وازْرَعي فَسِيلة المَحبَّة، والمَودَّة، والسَّكَن الحقيقي، والمعاني السَّامية التي تحقِّق مقاصِدَ الزَّواج وغاياتِه النََّّبيلة، ووثِّقي رباط الزَّوجِيَّة بصِلاتٍ متينة، ووَشائِج متماسِكَة، تُفْسِح لكما مساحةً رَحْبَة للعيشِ الكريم الرَّغد، وتَغْمُرُ حياتكما الزَّوجِيَّة باللَّحظاتِ السَّعيدة، والأَيَّامِ الحافِلَة بالمَسرَّات..
 

ثالثا: اعلمي بأنَّ الزوجة النَّاجِحة هي التي تبدأ مشوار نجاحِها من عقْرِ بيتها، قبل تفوَّقِها في وظيفتها ودراستها خارج بيتها..
وهي التي تحسن قيادة بيتها قيادةً رشيدة، وتسوسُ مملكتها الصَّغيرة سياسَةً حكيمة، وتقيم قواعِدَ أسرةٍ قوِيَّة ومتماسِكة، تكون نواةً صالحة لمجتمعِها وأمَّتها..

 

رابعا: عليك أن تفتخري بكونِك طبيبة وتدرسين تخصًّصًا من أسمى التخصًّصات الإنسانية، التي تكسبك دقة، ونظامًا في العمل، ولباقة في التعامل، وحسن التصَرُّف مع كلِّ حالة بما يُناسِبُها من علاج وأدوية، فهذا من شأنه أن يساعدك في توظيف إِمْْكاناتِك ومؤَهِّلاتك في معاملة زوجك، والاسْتعانة بعقلَكِ اللًَّّبيب، وكفاءَتك في التَّسيير، والتَّنظيم، وسرعة بديهتك في مواجهة الطَّوارئ والمعضلات، والمشاكل اليومية، ووضع إشارات كإشارات المرور تحميك من الحوادث، وتساعدك على مواجهة المواقف الصَّعبة بحكمة..
 

خامسا: ازرعي بداخلك مقاصد أعمق وأهداف أكبر من شعورك باحتياجاتك النفسية والجسدية، فالانخراط داخل المؤسسة الاجتماعية، وتوزيع تفكيرِك في هموم الآخرين ومعاناتهم، كفيلٌ بأن يصنع بداخلك قدرة على اسْتيعاب مشاكل حياتك، وامتصاص غضب زوجك وانفعالاته، ويدفعُكِ لتتصدَّري دَفّة القيادة، وتنظري للأشياء الكبيرة من أعلى وليس من القاع، ومن زاوية المسؤولية والالتزام بالواجب، وليس من زاوية التَّبَعِيَّة، وحينها ستصْغر الأحجام الكبيرة في عينيك، وسترْخص قيمة الأشياء المادِّية في ميزانك، وستتفتََّّح بصيرتك على آفاق أَرْحَب في التفكير، وفي الإحساس، والاهتمام بما هو أولى وأرجح، وأنْفس كقيمة ثابتة لا متغيِّرة..
 

سادسا: ارْفعي مؤشِّر شعورِك الذي يوجِّه بوصلة تفكيرِك في الاتِّجاه الصحيح، الذي يحتِّم عليك الاضْطِلاع بواجب الرِّعاية على وجهها الأكمل، وواجب المسؤولية والالتزام اتجاه خالقك، ثم اتجاه كل من له حقٌّ أو واجب على عاتقِك، وهذا سيُضْعف مؤشِّر شعورِك بالذَّات والأنا المنْعزِلة عن اهتمامات الآخرين، وسيخرجُك من قوقعة محيطك الضَّيق، وعالمِك الصغير، واهتماماتك الخاصة
 

سابعا: ابحثي عن مواطن القوة في شخصيتك، وارفعي من إمكاناتك ومؤهِّلاتك الذَّاتية، وطاقتك الداخلية، لشحْذِ همَّتك وعزيمتك في العمل، والدراسة، والسعي بنشاط، وقَوِّي بداخلك الوازِع الديني والإيماني، وأَصْلحي ما بينك وبين الله وما بينك وبين العباد، فإن لذلك أنوارًا مشرقة تملأ أركان الروح، فتهبُّ فيها فورة النَّشاط، ويتحرَّك الجسد الخامِل فيسعى في الأرض بجدٍّ واجتهاد..
 

ثامنا: ركِّزي على الجانب المشرق والإيجابي في شخصية زوجك، وعلى خِصاله الجميلة وطِباعه الحسنة، وتغاضي عن الجانب الآخر السِّلبي والمظلم في شخصيته، فمن البديهي أن كلاكما لديه أخطاء، وتصرفات لا يستسيغها، فكما يضايقك عصبيته وغضبه المفرط، وتسْتفِزُّك طباعه، فكذلك زوجك قد يضيق بك ذرعاً لأيِّ سببٍ من الأسباب، أو لأي تصرُّفٍ ترَيْنَه من وِجْهَةِ نظرِك صوابا وهو يراه خطأ، ولهذا لا تُُشْعِريه بأنَّه تحت المجهر طوال الوقت، ولا تترصَّدي سَقَطاتِه، وما من شأنه أن يعزِّز الخلافات بينكما، وترفَّعي عن سفاسِفِ الأمور، ابتغاء استقرار بيتك ولأجل سعادتك وسعادة أولادك واسرتك، ولأجل أن تكْسبي محبَّة زوجك وتقديره، ففي قول جميل للشافعي رحمه الله: “الكيِّس العاقل هو الفطن المتغافل”، وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ” تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل”....
 

والتغافُل والتَّغابي بين الزوجين مطلبٌ حسَن، لأن مقصِده التغافُل عن السَّيِّء والسِّلبي، وإظهار الحَصافة والذَّكاء في التَّغاضي عن الأخطاء إكراما لشريك الحياة، وتقديم التَّضحيات والتَّنازُلات لأجل الحفاظ على كينونة البيت، والأسرة، ولمصلحة الأولاد ولاستمرار الحياة الزوجية واسْتقْرارِها
 

تاسعا: حاولي أن تتفهَّمي أسباب بخله وتقصيره في تلبية احتياجاتك الخاصة، وأسباب انفعالاته الزَّائدة لأتفه الأمور، وأسباب هَجْرك في الفراش والحديث والسلام..
 

فلعلَّ ذلك من مخلَّفات طبيعة تربيته ونشأته داخل أسرته، أو ناتِج عن طبيعة وظيفته والحياة التي يعيشها، أو ربَّما لا يجد وسيلة لينتقم بها من ضعفه ومن تقصيره بحقِّك الشرعي، إلا بهذا الأسلوب السِّلبي، ليثبت رجولته واحتفاظه بنخوته وكرامته واعتزازه بقوَّته، فدَعيه يمارس هذا الاحتياج النفسي، ويٌفرغ غضبته بين فترة وأخرى ليعود لطبيعته ولاتِّزانه..
 

فأنتِ لباسٌ لعيوبه ومثالبه، وسترٌ وغطاء يحميه من هواجسه ومخاوفه..
فكوني له الأمانَ والسَّلام النفسي، وكوني له الدَّواء والتِّرياق، والعلاج، والبلسَم الشَّافي، وكوني له السَّكن الذي يلمُّ شَعَثه ويجْبُرُ كسْرَه، ويضمِّد جرحه، ويرتِّق خوارِم نقسه العليلة، وكوني له المرفأ والمرسى والوطن الذي يهجره ليعود إليه..

 

عاشرا: أما بخصوص ما ذكرت في رسالتك بشأن بخل زوجك في تلبية احتياجاتك الخاصة، مما يدعوك لتأخذي من ماله الكثير خلسة، فالحكم في هذا: أن الواجب على الزوج من جهة الإنفاق على زوجته وأولاده أن يكون بالمعروف، وأن يكفيهِم القوت، والكسوة، والمسكن، وتوابعه، مصداقا لقوله تعالى: (وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف)، وأن يكون الإنفاق بحسب حال الزوج يساراً وإعساراً، لقوله تعالى: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)، وفي حالة تقصير الزوج بهذا الواجب مع سِعَةِ رزقه ويُسْرِ حالِه، وعدم كِفاية زوجته بالمعروف الذي جرى عادة على أمثالها من النساء، يكون الحكم موافِقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم لزوجة أبي سفيان وكان رجلاً شحيحاً: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)..
 

ولكن أرى أن الأولى بك أن تستخدمي ذكاءك وحكمتك في الحصول على ما تريدينه من طلبات من زوجك، وأن تدَّخري وتقتصدي في المعيشة اليومية قدر استطاعتك، لتوفِّري احتياجاتك واحتياجات أولادك..
 

إحدى عشر: ربما يكون زوجك كما ذكرت شديدا في تعامله معك للأسباب التي ذكرتِها، إلا أنَّ أولاده متعلِّقين به، وهذا برهانٌ على أنه أبٌ صالح، وأبٌ رحيم وودود، وأبٌ ناجح لأنَّه امتلك قلب أبنائه ومحبَّتهم وتقديرهم، وهذا مطلبٌ أساسي، وركنٌ عظيمً في حياة أسرتك، فتخيَّلي لو فقد هؤلاء الأبناء هذه الحماية، وهذا العماد والسَّند الأبوي، كيف يكون حالُك وحال أبنائك لو صرت أنت الأب والأم، فلعلَّ هذا من شأنه أن يمنحك الراحة، ويخفِّف من معاناتك، ويهوِّن عليك شدَّة ما تجدينه من سوء معاملة زوجك..
 

إثناعشر: الأولى بك أختي الكريمة أن تذكِّريه بالله تعالى وطاعته بالموعظة الحسنة، واختاري الفرصة المناسبة، والوقت والمكان المناسب لنصحه، وتجْتهِدي في إصلاحه وهدايته، فهذا سيخلِّصك من قيود التفكير النَّمطي، وسيرفع من قدر نفسك، وقيمتك، كإنسانة مسلمة ومؤمنة، وكزوجة صالحة وأم مربية، وكطبيبة ناجحة بقيمة نفسك وقيمة وظيفتك التي تناسبك كزوجة وكأم، وقيمة إنجازاتك داخل بيتك، وتقرَّبي من زوجك وأولادك واحتويهم بحبك وحنانك، فهذا سيمنحك القوة على مواصلة التحدي ومواجهة الصعاب والمشاكل اليومية..
 

وختاما.. أوصيك أختي الكريمة أن تصبري صبرا جميلا، لأنَّ الله سبحانه وتعالى يحب الصابرين، ولأنَّه صفة الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم بالدعوة، واسْتخْلفهم على نشر رسالة الإيمان والإسلام، ولأن الله سبحانه جعله بين أيدينا علاجا، وأمانا، وحصنا منيعا،لعلمه أن فيه النفع والخير، فصبرُك على زوجك، وعلى تربية أولادك، وعلى دراستك، وعلى المحن والشدائد.. يجعلك في معِيَّة الله مصداقا لقوله تعالى: {والله مع الصابرين}، ويجعل لكِ أجرًا مضاعََفًا وثوابًا عظيمًا من رب العالمين، كما قال تبارك وتعالى: {إنما يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب}، ولأنَّ النَّصر ومفتاح الفرج مع الصبر مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا)..
 

وحتى لو فشلت في تعيير طباع زوجك.. اجعلي لنفسك رسالة نبيلة بالحياة واستمعي بلحظاتك مع أولادك، وتابعي دراستهم، وافرحي معهم، وكوني لهم نبع الحب والعطاء الذي لا ينضب معينه أبدا
أسأل الله العلي القدير أن يهدي زوجك، وأن يصلح حاله، وأن يرده إلى الحق والخير ردّاً جميلاً، وأن يفرج كربتك وييسر أمورك كلها، وأن ينصرك بالحق ويثبتك عليه..

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبد الرحمن البراك