رمضان.. فرصة الدعاة الذهبية
7 رمضان 1440
د. عامر الهوشان

إذا كانت أشهر العام وأيامه كلها ميدان للدعوة إلى الله تعالى , ومضمار سباق للفوز بأعظم عمل يقوم به المسلم في هذه الحياة , قال تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } فصلت/33  .... فإن شهر الصيام بحق هو فرصة الدعاة إلى الله الذهبية للتزود من هذه العبادة الجليلة , وبذل المزيد من الجهد والعمل لاغتنام ساعات هذا الشهر ولحظاته لترغيب الناس في عمل الخير والإقبال على الله تعالى , والابتعاد عن كل ما لا يرضيه سبحانه .

 

وإذا كان ثواب الدعوة إلى الله تعالى في جميع أيام العام ولياليه كبير وعظيم , ولا أدل على ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( ..... فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ) صحيح البخاري برقم/3009 , وقوله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ..... ) صحيح مسلم برقم/6980 ...... فإن ثواب وأجر الدعوة إلى الله في أيام رمضان ولياليه مضاعف بلا شك .

 

 
والحقيقة أن سر كون شهر الصيام هو بحق فرصة ذهبية للدعاة إلى الله , ومنحة ربانية لورثة الأنبياء لإعادة الناس إلى دين الله و ردهم إليه ردا جميلا ...يكمن في عدة أمور مجتمعة :

 

أولها : أن النفوس والقلوب والعقول مهيأة في هذا الشهر الكريم لتقبل الموعظة الحسنة , والكلمة الطيبة , والمعلومة النافعة المفيدة .... فالشياطين في هذه الأيام المعدودة مصفدة , وجماح الشهوة في هذا الشهر مكبوحة , وهو ما يشكل أرضا خصبة يستطيع الداعي إلى الله أن يزرع فيها ما يشاء من بذور الخير والعلم والقرب إلى الله .

 

جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن سول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كانت أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ونادى مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة ) صحيح سنن ابن ماجه للألباني برقم/1331

 

ثانيها : إن كثرة اجتماع المسلمين في هذا الشهر في المساجد , سواء في صلاة الفجر أو بقية الصلوات الخمس , بالإضافة لصلاة القيام – التراويح – التي يمتاز بها هذا الشهر الكريم ..... هو عامل مساعد لتسهيل مهمة الدعاة إلى الله , حيث يمنحهم فرصة ذهبية لا يمكن أن تتكرر في غير هذا الشهر لترسيخ العقيدة الصحيحة في النفوس والعقول , بالإضافة إلى بث محبة الله وطاعته في القلوب , ناهيك عن تعليم الناس الكثير مما يجهلون من أمور دينهم .

 

ومع النفوس المهيئة لقبول الموعظة والعلم النافع المفيد ....تتحول هذه اللقاءات المتكررة الكثيرة يوميا إلى ما يشبه الدورة الإيمانية العلمية الإسلامية المكثفة , التي إن أحسن الدعاة إلى الله اغتنامها , وتعاملوا معها بإخلاص وحرفية وإتقان وفن , فإن آثارها ونتائجها الإيجابية لا يمكن أن تعد أو تحصى سواء على الفرد أوالأسرة والمجتمع بشكل عام .

 

وهنا لا بد من لفتة تبدو في غاية الأهمية في هذا الإطار , ألا وهي ضرورة أن يتصف من يريدون اغتنام هذه الفرصة الذهبية للدعوة إلى الله بالعلم الشرعي أولا , وبالحكمة وإتقان أساليب وطرق وفن الدعوة إلى الله ثانيا , ناهيك عن الإخلاص الذي له دور كبير في اختراق كلمات الداعي قلوب المستمعين وعقولهم , بالإضافة لكونه شرطا لقبول الأعمال والقربات والطاعات عند الله .

 

أما مسألة الكفاية العلمية فهي مسألة اختصاص , فلا ينبغي لمن لم يتزود بعد بما يكفي من العلوم الشرعية أن يتصدر هذه المجالس واللقاءات الإيمانية , حتى لا يأخذ مكان من هو أولى منه بالدعوة وإرشاد الناس , وأقدر على تعليمهم الدين الصحيح .
وأما مسألة الحكمة وإتقان وسائل الدعوة إلى الله وفنونها وأساليبها , فهي في الحقيقة العامل الأهم في اغتنام هذه الفرصة على الوجه الذي ينبغي من عدمه , فالكثير من الخير قد يفوت في هذه الأيام المباركة بسبب نقصان هذا الجانب عند بعض الدعاة إلى الله .

 

إن انتقاء المواضيع التي تصلح للحديث بشأنها في أيام رمضان ولياليه , والعرض الصحيح لهذه المواضيع حتى لا يتخللها انحراف عقدي أو يعتريها خطأ شرعي , ومن ثم استخدام الحكمة والخبرة والفن الدعوي في كيفية إلقائها وعرضها على الناس ...كفيل بتحقيق أقصى غايات وأهداف هذه المجالس الإيمانية واللقاءات الرمضانية .

 

فإذا ما تَوّج الإخلاص عند الداعي هذا المواهب والقدرات , اكتملت أسباب وشروط بدو ثمرة مجالس رمضان الدعوية , فإذا بأخلاق المسلمين تسمو بعد انحدار , وإذا بحالتهم مع الله ترقى , وسلوكهم مع الناس يتغير ويتبدل إلى ما يرضي الله ورسوله . 

 

ثالثها : أن امتناع المسلم عن الطعام والشراب والمفطرات من الشهوات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس , مع التزام معظم المسلمين بالإكثار من تلاوة القرآن والذكر في أيام رمضان ولياليه ..... يسمو بروح المسلم عن مستوى الطينية الذي كان محبوسا فيه قبل رمضان , ويرتقي به في معارج السالكين إلى الله , الأمر الذي يجعل من مهمة الدعاة إلى الله مع أمثال هذه النفوس تكميلية , بعد أن كانت مهمتهم في غير رمضان من الصعوبة بمكان .

 

لا يمكن حصر الأسباب التي تجعل من شهر الصيام فرصة ذهبية للدعاة إلى الله , ولعل ما سبق كاف لتحفيز الدعاة للتشمير عن ساعد الجد لاستثمار كل دقيقة من مدرسة الثلاثين يوما في سبيل تحصيل فضيلة التقوى التي هي الثمرة الأغلى للصيام بنص كلام الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة/183

8 + 0 =