19 رمضان 1441

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة أعيش عند والدتي، ووالدي منفصل عنا، لديه العديد من الزوجات والأولاد، يسافر كثيراً ولا يمكننا التواصل معه، يتجنبنا عندما نزوره، ولا يحب رؤيتنا، حاولت مراسلته مرارًا وتكرارًا، لكنه لا يرد، فتوقفت لأنني لا يمكن أن أجبره على مراسلتي، يعود كل سنة من سفره إلى بلدنا لفترة قصيرة، هو يكلم أهله، ولكنهم لا يحبون التدخل في شئوننا مع والدي أبداً، لدي الكثير من الحقوق الضائعة عنده، وأخشى إن زرته أن يظن أنني أزوره لمصلحة، هل يجوز لي أن أمتنع عن زيارته؟. وهل هناك وسائل تساعدني على التقرب منه وتحسين علاقتنا معه؟.
للعلم فقط هو إنسان تهمه النتائج، ويفعل كل ذلك لكي نترك والدتنا ونعود إليه، وهو شيخ متدين، وقد وضحت له بالرسائل أننا نحترمه ونقدر رغبته لأنه والدنا، لكننا لا يمكن أن نترك أمنا التي تعبت من أجلنا، وذكرت له الأدلة الشرعية على ذلك. أسأل الله أن أجد الجواب الشافي عندكم.
جزاكم الله خيراً.

أجاب عنها:
سعد العثمان

الجواب

الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه...
أختي الفاضلة: بداية أرحب بكِ أجمل ترحيب في موقع المسلم، وأشكركِ على ثقتكِ، بموقع المسلم، ومتابعتكِ له، ونسأل الله - عزَّ وجلَّ - أن يجعلنا أهلاً لهذه الثِّقة، وأن يجعلَ في كلامنا الأثر، وأن يتقبَّل منا أقوالنا وأعمالنا، وأن يجعلها كلَّها خالصة لوجهه الكريم.

 

أختي الكريمة: ذكرتِ في معرض الحديث عن مشكلتكِ أنك تعانين من سوء تعامل والدك معكم، وترين أن سبب سوء تعامله هو رغبته بأن تلحقوا به دون أمكم، وذكرتِ أنه صاحب دين، وتسألين عن سبل التعامل معه، فلا تقلقي أختي الفاضلة، فقد وصلتِ إلى برِّ الأمان، فإخوانك في موقع المسلم عندهم العلاج الناجع – بإذن الله - لمشكلتك، والتي يمكننا معالجتها بإتباعك للإرشادات والتَّوجيهات الآتية:
 

أولًا: الوالد أوسط أبواب الجنة.
فنحن نتفهم ما تعيشينه من مشاعر نتيجة تقصير والدك في بعض ما ينبغي أن يفعله معك ومع إخوتك، من الحنان والرحمة، والقيام على شأنكم، وأمر معيشتكم ونحو ذلك، ولكن في البداية أود تذكيرك بحقِّ هذا الأب عليك، وإن كان مقصرًا.

 

فبر الوالدين من الأمور التي أوجبها الإسلام، حيث أمر الله بذلك في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) الإسراء 23-24. فأمر بالإحسان إليهما، ثم نهى عن إساءة الأدب معهما، أو إظهار أي تبرم أو تأفف: (فلا تقل لهما أف) أي: لا تؤذهما أدنى أذية، (ولا تنهرهما) أي: لا ترفع صوتك عليهما، (وقل لهما قولا كريما) أي: لينًا طيبًا لطيفًا.
 

ولا شك أن الآباء تتفاوت أخلاقهم وتدينهم، ومع ذلك يبقى البر قائمًا، وإن كانا مشركين قال تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) لقمان: 15. فنهى عن طاعتهما فيما يأمران به من معصية الله تعالى والإشراك به، ثم أمر بمصاحبتهما ولو كانا يجاهدانه على الشرك.
 

أما حُب هذا الأب، فإن مما يبعث عليه، ويعينك على تحصيله في قلبك أن تتذكري إحسانه إليك، فإن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، والله تعالى يقول: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)، وقد أحسن إليك هذا الأب إحسانًا بالغًا، فلا يصح أبدًا عقلاً ولا طبعًا سليمًا أن تتناسي هذا الفضل والإحسان، لقد كان هذا الأب سبباً في وجودك في هذه الدنيا، وتكفَّل بحاجاتك، ورعاك أثناء فقرك وصغرك، فهل من العقل بعد ذلك أن تغفلي عن هذا كله وتُسقطي هذا الإحسان كله بما بدر منه من إساءة.
 

لا شك أن فضائل الأب عليك كثيرة، وإحسانه إليك ولإخوتك وفير، وإذا رجعت إلى نفسك في لحظة هدوء وإنصاف، وتفكرتِ في شؤونك منذ أن كنت نطفة ثم علقة، وما تفضل به هذا الأب وقدَّمه إليك من إحسان، لا شك أنك ستجدين نفسك مغمورة في إحسان هذا الأب، وإن أصابه ما أصابه من التقصير أو الإساءة.
 

نحن لا نبرر للأب أن يُسيء وأن يقصِّر، ولكننا نذكرك بحقه عليك.
فانفصال والديك، وابتعاد الوالد ليس بمبررٍ لعقوقه وقطيعته، فبرُّك بوالديك يبقى مستمرًّا وإن تفرقا.

 

فإن قصَّر الوالد معك ومع إخوتك، فإننا ننتظر منك عفوا وصفحا؛ لأن العدل العظيم سوف يحاسب الوالد على تقصيره، فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وتقصير الوالد لا يبيح لك التقصير في حقه؛ لأنه يظل والدا، وننتظر منك الخير والفضل.
 

ثانيًا: خطوات تعينك على التعامل مع هذه المشكلة.
فنحن نشكر لك حرصك على بر والدك، ورغبتك في التواصل معه، واستشارتك لنا في كيفية التعامل مع والدك هو دليل الخير والاستقامة فيكِ، ونسأل الله أن يجعلنا سببًا في تأليف قلبك مع والدك، وإليك خطوات أهمس لك بها، علَّها تكون عونًا لك في تجاوز هذه المشكلة:
• تذكري دائمًا حقَّ والدك عليك وإحسانه إليك، فهذا عونٌ لك على تحمُّل ما يبدر منه من سوء تصرف.

 

• استمري في تواصلك معه، وحاولي زيارته والتودد إليه، فالكلمات الطيبة تحول العدو صديقا فكيف بالوالد؟، خصوصًا أنك ذكرتِ أنه صاحب دين، فأحسني إليه وإن أساء إليك فلا تردي الإساءة بالإساءة.
 

• أرسلي له رسائل تظهرين فيها محبتك له، وحاجتك وإخوتك لأبوته وحنانه، وتشرحين له حاجتكم لوالدتكم، خصوصًا أنكِ ذكرت في رسالتك أن سوء تصرفه معكم هو من أجل الضغط عليكم لتلحقوا به وتتركون أمكم، ولذا اجلسي معه وبيِّني وجهة نظرك واحتياجك وإخوتك لوالدتك، ووسائل التواصل أصبحت كثيرة؛ فاغتنميها في تطييب خاطر والدك وتليين قلبه.
 

• ابحثي عن شخص يكون له تأثير على والدك، كعالمٍ من العلماء تربى على يديه، أو رجل كبير في العائلة صاحب شأن ومكانة، أو صديق أو قريب بينه وبين والدك صلات وعلاقات، فاشرحي له ظروفكم، واطلبي منه التدخل لدى والدك لإصلاح سلوكه وتعامله.
 

• ابتعدي عن كل ما يسبب احتقانه وغضبه، فتقدمي له بطيب الكلام وليِّنه، وابتعدي عن ما يسبب غضبه من قول أو فعل.
 

ثالثًا: تسلحي بالدعاء.
أكثري من الدعاء بظهر الغيب، وانطرحي بين يدي الله سبحانه وتعالى، واسأليه أن يهدي قلب والدك، وأن يصلح شأنه، فالقلوب يصرفها الله كما يشاء، وهو قادر أن يهدي قلب والدك ويقربه منكم.
نوَّر الله قلبك، وسدد خطاك، ورزقنا وإياك حسن الصلة بالله سبحانه وتعالى.