"واسجد واقترب"
18 صفر 1442
د. عامر الهوشان

جزء من آية كريمة خاطبت خاتم الإنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم , ومن بعده أمته ومن اعتنق الإسلام إلى يوم الدين , أن اسجد لله وتذلل بين يديه , وأظهر له الخضوع بالسجود , تنل القرب منه سبحانه والرضا والقبول .

 

قال القرطبي في تفسير الآية : (وَاسْجُدْ) أَيْ صَلِّ لِلَّهِ (وَاقْتَرِبْ) أَيْ تَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: إِذَا سَجَدْتَ فَاقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ . 20/128

 

والحقيقة أن المتتبع للآيات القرآنية التي ذكر فيها السجود , وكذلك الأحاديث النبوية الشريفة التي تناولت هذه الطاعة , يجد أن لهذه العبادة أسرارا عظيمة وفوائد جمة , جدير بالمسلم أن يتوقف عندها مليا , وأن يعي مغزى ومعنى السجود بين يدي خالقه ومولاه سبحانه , وما في هذاه الحالة التعبدية الخاصة من منح إلهية جليلة قلما توجد في عبادة أخرى .

 

1-   أكد القرآن الكريم أن السجود من أفضل وسائل التقرب إلى الله سبحانه ومناجاته , ومن أنجع الطرق لنيل مرضاته , وقد جاءت السنة النبوية لتزيد هذا الامر تأكيد , فقد ورد في الحديث الصحيح عن أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ ( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ) صحيح مسلم برقم/1111

 

والحقيقة أن وضعية السجود التي امتن الله بها على عباده المؤمنين , حيث وضع الجبهة والأنف على الأرض , وتعفير الوجه بالتراب تذللا وخضوعا وإنابة واستسلاما لأمر الله ....هي أبلغ مظهر من مظاهر العبودية لله تعالى , و أكثرها تعبيرا عن مقام العبد أمام خالقه , ومن هنا كان الساجد لله تعالى الأقرب إلى رب العزة سبحانه .

 

يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه أسرار الصلاة تحت عنوان "عبودية السجود" : " ثم شرع له أن يكبر و يدنو و يخرَّ ساجدا ، و يُعطي في سجوده كل غضو من أعضائه حظَّه من العبودية ، فيضع ناصيته بالأرض بين يدي ربه ، مسندة راغما له أنفه ، خاضعا له قلبه ، و يضع أشرف ما فيه ـ و هو وجهه ـ بالأرض و لاسيما وجه قلبه مع وجهه الظاهر , ساجدا على الأرض معفِّراً له وجهه و أشرف ما فيه بين يدي سيِّده ، راغماً أنفه ، خاضعاً له قلبه و جوارحه ، متذلِّلاً لعظمة ربه ، خاضعاً لعزَّته ، منيباً إليه ، مستكيناً ذلاً و خضوعاً و انكساراً ، قد صارت أعاليه ملويةً لأسافله..................فهذا العبد هو القريب المقرَّب فهو أقرب فهو ما يكون من ربه و هو ساجد . ص15

 

2-   السجود وسيلة لانشراح الصدر ومعالجة ضيقه وتكاثر الهموم والأحزان عليه , فقد خاطب الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم , وأرشده إلى العلاج لضيق الصدر الذي يسببه عنت الكفار والمشركين وتكذيبهم واستهزاؤهم بدين الله والآيات البينات , فقال سبحانه : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } الحجر/97-99

 

إنها منحة إلهية لكل من ضاقت عليه نفسه , وتكاثرت على قلبه الهموم والأحزان من كل الألوان - وما أكثرها في هذه الأيام – حيث لا يجد المؤمن تنفيسا لها إلا بالسجود والخضوع والتذلل بين يدي خالقه ومولاه سبحانه .

 

نعم....هناك في زاوية من زوايا غرفته في جوف الليل وفي الثلث الأخير منه تحديدا , يجد المؤمن في سجوده بين يدي ربه سبحانه المخرج الوحيد مما أصابه من هم و غم و ضيق و كرب , يبث إلى من بيده ملكوت السماوات والأرض ومقاليد الأمور ...شكواه , و يدعوه أن يفرج عنه وأن يبدل عسره يسرا .

 

إنها الحالة الروحية القلبية التي يمتاز بها عباد الله المؤمنين , بينما يغفل عنها البعيدون عن رحاب العبودية والطاعة والإنابة لله تعالى , فترى كثيرا منهم يرجون التنفيس عن همومهم وضيقهم بمزيد من الانغماس في ملذات الدنيا وشهواتها , فينقلبون من ذلك بــ همّ وغم جديد .

 

3-   السجود سبب من أسباب دخول الجنة : ففي الحديث الصحيح عن مَعْدَانُ بْنُ أَبِى طَلْحَةَ الْيَعْمَرِىُّ قَالَ : لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ أَخْبِرْنِى بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِى اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ. أَوْ قَالَ قُلْتُ : بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ . فَسَكَتَ . ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ . ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ : سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ ( عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلاَّ رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً ) . قَالَ مَعْدَانُ ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ لِى مِثْلَ مَا قَالَ لِى ثَوْبَانُ. صحيح مسلم برقم/1121

 

وكيف لا يكون السجود سببا من أسباب دخول الجنة وفيه تتجلى أسمى معاني الخضوع لله تعالى , وأبلغ صور العبودية له سبحانه , والخضوع والعبودية هما الغاية الكبرى من خلق الله تعالى للإنس والجن , قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } الذاريات/56

 

4-   كثرة السجود وسيلة العبد المؤمن لمرافقة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم في الجنة , فقد ورد في الحديث عن رَبِيعَة بْن كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ رضي الله عنه قَالَ : " كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ ، فَقَالَ لِي : سَلْ ، فَقُلْتُ : أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ ، قَالَ : أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، قُلْتُ : هُوَ ذَاكَ ، قَالَ : ( فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ ) صحيح مسلم برقم/489

 

قال الإمام النووي رحمه الله : "فيه الحث على كثرة السجود والترغيب به ، والمراد به السجود في الصلاة" .

 

والحقيقة أن اشتراط الرسول صلى الله عليه وسلم على ربيعة بن كعب هذه العبادة بالتحديد لينال شرف مرافقته في الجنة .....فيه رفع لمكانة هذه العبادة , وإضفاء مزيد من الأهمية عليها , وكيف لا وهي سبب لمرافقة خاتم المرسلين في أعلى درجات الجنان.

 

إن في كثرة السجود بين الله تعالى من الخير والنفع الدنيوي والأخروي ما لا ينبغي لمسلم عاقل أن يفوته , فلنجعل من هذه العبادة الجليلة بابا لعلاج ما نواجهه في الدنيا من محن وابتلاءات , وزادا لما ينتظرنا في الآخرة من سؤال وحساب .

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
1 + 1 =