أحــرار الآخـــرة
28 جمادى الثانية 1432
أحمد مقرم النهدي
      في النفس البشرية طبيعة راسخة متجذرة، وهي أنها ذات نزعات كثيرة، لأنها كما يقول الشيخ المفسر عبد الرحمن السعدي رحمه الله عند تفسير قوله تعالى " ونفس وما سواها" : (أنها في غاية اللطف والخفة، سريعة التنقل والحركة والتغير، والتأثر والانفعالات النفسية من الهم، والإرادة، والقصد، والحب، والبغض، وهي التي لولاها لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه).

 

 

 

     ونحن في حياتنا ـ لو تأملنا ـ نعيش تحت كنف الأسر والقيود منذ ولادتنا ،و كلنا ننضوي تحت قيد معين، وأطر نعيش داخلها، ولوائح تسيرنا، ورغم ذلك نحن نفوس بشرية، تعتريها هذه النـزعات.

 

      وهناك أمور مهمة تتعلق بالفرد نفسه، وهو أن يفكر بـ(القيد الأعلى)، ألا وهو القيد الرباني، قيد الحساب يوم القيامة والعرض على الله.

 

 

 

     وهذا القيد والإيمان به لا يأتي إلا بتنمية التعرف على الله شيئاً فشيئاً، ومن خلال هذه ( المعرفة) ينتج التذكر والاستحضار لكل ما يدور في هذا اليوم الذي هو ملك لله الديان، وأن الأعمال لا بد أن تكون خالصة له جل جلاله، ومن خلالها كذلك تنمو في نفوسنا البشرية اعتقادات راسخة يقينية جازمة بأننا مجزيون على كل ما نعمل عندما نقف بين يدي الله تعالى، ومن هنا كخطوة ثالثة تأتي هذه الحرية، وهي حرية المبادرة المنطلقة من معرفتنا بكل أحوال اليوم الآخر الذي سيأتي حتماً.

 

 

 

-   من ثمرات هذه الحرية الأخروية أن كل إنسان ـ أياً كان موقعه ـ تجده يصبح ويمسي وليس همه إلا الآخرة ورضى ربه، وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:" علامة صحة الإرادة أن يكون هم المريد رضى ربه، واستعداده للقائه، وحزنه على وقت مر في غير مرضاته، والأنس بقربه، وجماع ذلك أن يصبح ويمسي وليس له هم غيره".

 

 

 

-       ومن ثمراتها كذلك: أن تفكيره ينشغل بأموره الدنيوية التي جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأسئلة الأربع:

 

                                 أ‌-         عمره فيما أفناه.

 

                              ب‌-      شبابه فيما أبلاه، وهو سؤال خاص رغم أنه من العمر.

 

            ت‌-   ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وهو أمر دنيوي، ولو كان في أداء عمله الوظيفي؛ فإن هذا السؤال نصب عينيه، وليس همه الحسم من الراتب أو لفت نظر مديره.[1]

 

                              ث‌-      علمه ماذا عمل به.

 

 

 

-   ومن ثمراتها كذلك: أن نعرف أن لنا أفضالاً على آحاد من الناس، وأن للآخرين أفضالاً علينا، لكــن ( المعرفة) التي تقدم الحديث عنها لا تجعلنا نمن على أحد بأفضالنا؛ إذا كنا قدمناها احتساباً وابتغاء للأجر من الله،  وكذلك لا تجعلنا ننسى ما للآخرين من أفضال علينا، ولا تجعلنا نرى أن لنا حقاً على أحد، ومن هنا تنبع مقولة شيخ الإسلام العظيمة وهي: " العارف لا يرى له على أحد حقاً، ولا يشهد على غيره فضلاً، ولذلك لا يعاتب، ولا يطالب، ولا يضارب".

 

 

 

كثير منا يغتاظ ويحنق من صنيع شخص ما، إما لأنه جحد فضلاً له، أو لأنه سخر منه واستهزأ به، فيفكر في أخذ حقه منه كما يزعم، كل ذلك من نزعات النفس البشرية، ورغم ذلك فليست هذه النهاية، بل هناك اليوم الآخر، الذي يقتص فيه للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، ونحن في ديننا الإسلامي عندنا حدود وتعزيرات، فلذا ينبغي أن يضبط كل إنسان ردة فعله، ولا يستعرض قوته البدنية أو المالية أو وجاهته، وهذا الاعتقاد الراسخ القوي هو الذي جعل عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ يقول لرجل سبه وشتمه بلهجة حازم قوي: ( لولا يوم القيامة لأجبتك )، وهذه المعرفة كذلك هي التي جعلت الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ يقول: (ما جادلت أحداً إلا تمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه دوني)، ويقول: ( وددت لو ينشر هذا العلم في الناس على ألا ينسب لي منه شيء).

 

 

 

 

 

إنهم أحرار، مقيدون بحب الله ـ تعالى ـ ، ومعرفة أن الجزاء من عنده وحده لا شريك له: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}وقال:{وما لأحد عنده من نعمة تجزى* إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى* ولسوف يرضى}.

 

 

 

فهيا إلى هذه الحرية، التي تجعلنا مبادرين محتسبين، نبتغي الأجر من الله، ونخاف على أعمالنا من أن ترد ولا تقبل، أو تحبط ونحن لا نشعر، بمنة أو استكثار على الله.

 

فنسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، ولا يجعل فيها لأحد شيئاً، وأن يجعلنا ممن تمنى لقاءه بشوق إليه..[2]

 

 

 






[1]لنا حديث عن ذلك قريباً بإذن الله.

[2]في كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم روائع عظيمة جداً حول هذا المعنى.