الزنداني يثير غضب الأزهر بسبب "زواج فرند"
21 جمادى الثانية 1424

خلافاً لما هو عليه شرعاً وبدلاً من أن تكون الفتاوى مجالاً للبحث والنظر في الأدلة الشرعية وأقوال أهل الذكر، أصبحت الفتوى متنفساً لدى البعض في التهجم على الآخرين والطعن في شخصياتهم دون الاهتمام بحيثياتها ومضمونها ومدى مطابقتها للشرع. <BR>كذلك أصبحت مادة إعلامية خصبة تحوم حولها وسائل الإعلام، وتجعل منها براكين وثورات لغرض إعلامي بحت، وقد يكون لأغراض سياسية أو ثقافية أو اجتماعية.<BR>وأصبحت العديد من الفتاوى تثير الجدال –وليس النقاش- والضجة، ومن ذلك الفتاوى المتعلقة بالشؤون الزوجية كفتوى المسيار، وفتوى إباحة النظر في الأفلام الجنسية لغرض المعاشرة الزوجية، وفتوى تأجير الأرحام، وآخرها فتاوى (زواج فرند) التي أصدرها الشيخ عبد المجيد الزنداني (رئيس جامعة الإيمان الإسلامية بصنعاء، ورئيس مجلس شورى حزب الإصلاح اليمني المعارض) فهذه الفتوى أثارت على صاحبها غضب مشايخ الأزهر وغيرهم، بل تعدى بعضهم على شخصية الزنداني، فقالوا: إنه فشل في دراسته الجامعية بصيدلة الأزهر، وآخرون ركزوا على التدليل ببطلان اجتهاده، وأنه غير مؤهل للاجتهاد الفقهي –كونه متخصصاً في الإعجاز العلمي- والبعض وصمه بالتشيع، وعدوا الفتوى مخالفة للشرع.<BR><BR><font color="#0000FF" size="4">مبررات الفتوى من وجهة نظر الزنداني: </font><BR><BR>أما الشيخ الزنداني فقد ذكر بعض المبررات لفتواه، منها: أنه قصد بها المجتمعات المسلمة في البلدان غير الإسلامية -كبلاد الغرب-، وكذلك انتشار ظاهرة العنوسة والبطالة، وجعل هذه الفتوى بديلاً لما يسمى بـ (جيرل فرند) أي: الصديقة أو الصديق، حيث ذكر أنه من الصعب على الأسر المسلمة في بلاد الكفر أن تحول دون انتشار الفاحشة بين أبنائها جراء الضغط الاجتماعي هناك، وبدلاً من أن يأتي الشاب بشابة من الشارع ويمارسا الفاحشة يتم بينهما عقد زواج صحيح شرعاً مستوفٍ كامل الشروط والضوابط والأركان ويبقى كل منهما في بيت أهله إذا لم يتمكنا من توفير سكن لهما، ويكون اللقاء بينهما في أوقات وأماكن محددة. <BR>واستند الشيخ عبد المجيد الزنداني إلى القاعدة الفقهية التي تؤكد أنه أينما كانت المصلحة فثم شرع الله، ولأن الإسلام يدعو إلى الاجتهاد وإعمال العقل، كذلك بالنظر إلى القاعدة الفقهية الشهيرة بأن الضرورات تبيح المحظورات (ولا ندري كيف يكون الزواج صحيحاً شرعياً ثم في نفس الوقت يكون محظوراً حتى يحتاج للضرورة)، كذلك استند لقوله _تعالى_: "فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه". <BR>ومع هذا طلب الزنداني من المجلس الأوربي للإفتاء البت في هذا الموضوع كون هذا المجلس أعلم وأدرى بالمصلحة.<BR><BR><font color="#0000FF" size="4">الخلاف على الفتوى: </font><BR><BR>الخلاف على الفتوى يتركز حول مسألة توفير سكن الزوجية، وهل هو ضرورة أو عادة عرفية؟<BR> الزنداني يقول: إنه عادة عرفية اعتاد علها الناس وليس شرطاً في الزواج، أما المخالفون فيرونه من مقاصد الشريعة في الزواج كما ذكر ذلك مفتي مصر السابق د/ نصر فريد واصل، واستدلوا بقوله _تعالى_: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة..." بينما يرى بعض المؤيدين للفتوى بأن قوله _تعالى_: "لتسكنوا" ليس المقصود منه الإقامة، بل يعني السكون والراحة والمودة، بمعنى: أن الزوج يسكن إلى زوجته ولا يفكر في غيرها، وهذا ما قاله الشيخ علي أبو الحسن(رئيس لجنة الفتوى في الأزهر سابقاً) وأضاف بأن هذه الآية ليست نصاً صريحاً ينقض أو يبطل فتوى الزنداني، وزادت حدة الخلاف إلى أن وصلت حد اتهام الزنداني بأنه شيعي، وأن فتواه مستلهمة من فكر زواج المتعة عند الشيعة، حيث قال د/عبد الصبور شاهين: "إن الزنداني شيعي المذهب زيدي الهوى" وقال: إن أهل اليمن يتبعون المذهب الزيدي.<BR><BR> ويبدو أن شاهين خلط بين الشيعة والزيدية في مسألة زواج المتعة، كذلك عد اليمنيين كلهم زيوداً رغم أن أكثرهم خلاف ذلك، فالمذهب الشافعي أوسع انتشاراً جغرافياً وأتباعاً، ولم يُعلم أن الزنداني كان زيدياً أو شيعياً، ومن المخالفين من عد هذه الفتوى إباحة لعلاقات زوجية محرمة، حيث يقول الشيخ يوسف البدري: "فلو كان العقد –أيّ عقد- في الشكل صحيحاً، وكان الهدف غير صحيح فإن ذلك من باب الحيلة التي حذر منها النبي..." في إشارة إلى أن هذه الفتوى هدفها غير صحيح وإن كانت صيغة العقد صحيحة، وعد الفتوى بمثابة التفاف حول الشريعة الإسلامية لإضفاء الشرعية على العلاقات الجنسية، أما الدكتور عبد المعطي بيومي (عميد كلية أصول الدين، وعضو اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري) فيرى هذه الفتوى "تشريعاً لحيوانات تجارب".<BR> وأكد أن القرآن نص على أن الزواج ميثاق غليظ، واستدل بآية سورة الروم المذكورة سابقاً، وأضاف: "وهذا الزواج سيترتب عليه إنجاب أولاد يعيشون في ظل بيت زوجته ولا يتمتعون بحضانة الأبوين، ولا يتلقون القيم الأساسية الأولى التي يتلقاها الطفل في حياته الأولى" ومن بين المعارضين الدكتورة سعاد صالح (أستاذ الفقه المقارن بمصر). <BR><BR><font color="#0000FF" size="4">الخلاف بين الزنداني والأزهر: </font><BR><BR>ويبدو أن الخلاف -المعلن- محصور بين الشيخ الزنداني ومشايخ الأزهر ومصر عموماً، حيث لم نسمع أو نقرأ عن آراء لعلماء ومشايخ آخرين من بلدان أخرى خصوصاً في اليمن –بلد الزنداني- إلا ما جاء عن بعض مشايخ الكويت –حسب ما نقلته (الحياة) عن مجلة (لها)- كالشيخ محمد الطبطبائي، ود/ عبد الله المعتوق وكلاهما يعارض الفتوى. <BR>وفي اليمن ظهرت بعض الآراء لإسلاميين –كتاب ومفكرين- فهذا الدكتور/ أحمد الدغشي (مفكر إسلامي من حزب الإصلاح) يرد على الذين هاجموا الزنداني بسبب فتواه، وخص في رده الدكتور عبد الصبور شاهين، وذلك في جريدة (الناس) الإسلامية، واستغرب من هذا الهجوم متسائلاً "أين تجسيد مقولة الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"؟ أين بلورة أثر مالك"كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب الروضة الشريفة"؟ أين الأدب القرآني والنبوي"؟ وعد الهجوم أزمة أخلاق ووعي قبل أن تكون أزمة علم وثقافة، ويقصد بذلك ما قاله الدكتور شاهين في حق الزنداني. <BR>وأضاف الدغشي قائلاً: "لا أريد أن أذكر مولانا الدكتور عبد الصبور شاهين بالفتوى الشهيرة في تكفيره التي أطلقها علماء أزهريون ضده بعد صدور كتابه (أبي آدم) المثير للجدل جداً...". <BR>وأيد الكاتب خالد الحمادي في نفس الجريدة –العدد الأخير- فتوى الزنداني مبدياً تعجبه ودهشته من صدور هذه الفتوى عن شيخ معروف بأنه من المحافظين (المتشددين) في بعض القضايا كقضايا المرأة والسياسة، وهذا التصنيف عرف به الشيخ داخل حزب الإصلاح الذي ينتمي إليه مع أن بعض التيارات الإسلامية الأخرى في اليمن تعده من المتساهلين...<BR><BR><font color="#0000FF" size="4">أسئلة لا تزال بدون إجابات: </font><BR><BR> وهناك ردود أفعال لكتاب يمنيين، فالكاتب عبد الله فرج الحضرمي ذكر في صحيفة (الأيام) أن الزنداني دخل من باب الحيلة في فتواه، وذكر أن الحل للشباب إذا لم يستطع الزواج فعليه بالباءة كما قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بينما يرى الكاتب عبد الله الرجوي في نفس الجريدة وفي نفس العدد بتاريخ 3 أغسطس الحالي أن الذين ردوا على الشيخ الزنداني ليسوا بعلماء، وإنما هم شيوخ عمائم وليسوا شيوخ علم، وأضاف أنهم لو كانوا شيوخ علم لما ذهب البعض إلى التشهير بالشيخ الزنداني ومن أيده من شيوخ العلم..." <BR>وخلاصة الموضوع: أين الحق؟ وما هو مآل هذه الفتوى؟ وهل يمكن تطبيقها على البلدان الإسلامية –كما يطالب بذلك بعض مؤيدي الفتوى-؟ أو أنها للبلدان الغير الإسلامية فقط؟ وهل تحل فعلاً مشاكل الشباب؟ وحتى نرى إجابات لهذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة التي تدور في الأذهان لا بد لأهل العلم أن ينطقوا حتى لا تظل القضية محصورة –في جدالها ونقاشها- بين الزنداني والأزهر، فهي قضية شرعية عامة تتعلق بحياة مجتمعات وأسر، وتترتب عليها مصالح عامة وأجيال قادمة.<BR><br>

إبراهيم الأزرق
سلوى المغربي
د. محمد بن إبراهيم الحمد
سليمان بن جاسر الجاسر
سليمان بن جاسر الجاسر