تعيين النية في صوم رمضان
25 شعبان 1431
اللجنة العلمية
اختلف الفقهاء في حكم تعيين النية في الصوم على قولين:
القول الأول
        ذهب الحنفية([1]) في حكم تعيين النية في الصوم إلى تقسيم ذلك إلى قسمين:
 القسم الأول: لا يشترط فيه التعيين، وهو: أداء رمضان، والنذر المعين زمانه، وكذا النفل، فإنه يصح بمطلق نية الصوم، من غير تعيين؛ وذلك لأن رمضان وقته مُضيّق، لا يسع غيره من جنسه وهو الصوم، فلم يشرع فيه صوم آخر، فكان متعيناً للفرض، والمتعين لا يحتاج إلى تعيين، والنذر المعين معتبر بإيجاب الله تعالى، فيصاب كل منهما بمطلق النية، وبأصلها، وبنية نفل، لعدم المزاحم. وكل يوم معيّن للنفل ماعدا رمضان، والأيام المحرم صومها، وما يعيّنه المكلف بنفسه، فكل ذلك متعين، ولا يحتاج إلى التعيين.
 والقسم الثاني: يشترط فيه التعيين، وهو: قضاء رمضان، وقضاء ما أفسده من النفل، وصوم الكفارات بأنواعها، والنذر المطلق عن التقييد بزمان، سواء أكان معلقًا بشرط، أم كان مطلقًا، لأنه ليس له وقت معين، فلم يتأدَ إلا بنية مخصوصة، قطعًا للمزاحمة.
 فصوم رمضان عندهم يتأدّى بنيةٍ من بعد غروب الشمس إلى منتصف النهار، وقالوا بجواز صومه بنية من النهار. قال الكاساني: "وإن كان عينًا وهو صوم رمضان وصوم التطوع خارج رمضان والمنذور المعين يجوز". أي عقد النية بعد طلوع الفجر.
والقول بعدم اشتراط النية كما أنه قول الحنفية فهو رواية كذلك عن الإمام أحمد([2]).
واستدل القائلون بهذا القول بما يلي من الأدلة:
 
 
3)قياس الفرض على النفل، فالنفل صح فيه أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان ينويه من النهار، فكذلك الفرض يجوز أن ينويه من النهار([7]).
القول الثاني
        وهو مذهب الجمهور من المالكية([8])، والشافعية([9])، والحنابلة([10])، أنه لابد من تعيين النية في صوم رمضان، وصوم الفرض والواجب، ولا يكفي تعيين مطلق الصوم، ولا تعيين صومٍ معين غير رمضان، وكمال النّيّة كما قال النّووي([11]): "أن ينوي صوم غد، عن أداء فرض رمضان هذه السّنة للّه تعالى". ومما استدلوا به ما يلي:
1)حديث حفصة رضي الله عنها قالت: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له"([12]من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له"([13]).)، وفي رواية: "
2)كذلك عللوا بأن الصوم عبادة مضافة إلى وقت، فيجب التعيين في نيتها، كالصلوات الخمس، ولأن التعيين مقصود في نفسه، فيجزئ التعيين عن نية الفريضة في الفرض، والوجوب في الواجب([14]).
المناقشات والردود:
أولاً: بعض ما ورد من ردود على أدلة القول الأول:
  1. نُوقش الحديثان (حديث الرُّبَيع وسلمة رضي الله عنهما)([15](صلى الله عليه وسلم): "هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر"([17](صلى الله عليه وسلم) أمر بصيام عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر"([18]).). وإنما كان واجبًا ثم نسخ عندما فرض الله صوم رمضان؛ لقول عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله ): بأنه لا يتم لهم الاستدلال به إلا على القول بأن صوم عاشوراء كان واجبًا، كما قال النووي: "وأجابوا عن استدلال أبي حنيفة بأن صوم عاشوراء كان تطوعًا متأكداً شديد التأكيد ولم يكن واجبًا. وهذا صحيح مذهب الشافعية"([16]). ومما يدل على عدم وجوبه حديث قوله
  2. وأما قياسهم الفرض على النفل نُوقش: بأنه قياس لا يصح؛ لأننا عهدنا من الشارع أنه يخفف في النوافل ما لا يخفف في الفرائض، والفرق بين التطوع والفرض من وجهين: أحدهما أن التطوع يمكن الإتيان به في بعض النهار بشرط عدم المفطرات في أوله بدليل قوله (صلى الله عليه وسلم) في حديث عاشوراء فليصم بقية يومه فإذا نوى صوم التطوع من النهار كان صائمًا بقية النهار دون أوله والفرض يكون واجبًا في جميع النهار ولا يكون صائمًا بغير النية. والثاني أن التطوع سومح في نيته من الليل تكثيرًا له أنه قد يبدوا له الصوم في النهار فاشتراط النية في الليل يمنع ذلك فسامح الشرع فيها كمسامحته في ترك القيام في صلاة التطوع وترك الاستقبال فيه في السفر تكثيرًا له بخلاف الفرض إذا ثبت هذا ففي أي جزء من الليل نوى أجزأه ([19]).
ثانيًا: بعض ماورد من ردود على أدلة القول الثاني:
1.    أما استدلالهم بحديث حفصة رضي الله عنها فنوقش: بأن الحديث ضعيف([20]). إلا أنه يمكن الجواب على ذلك من وجهين:
 الأول: أن جماعة من المحدثين حكموا بصحته([21]).
      الثاني: على فرض التسليم بأن الحديث ضعيف، إلا أنه قد رُوي موقوفًا عن ثلاثة من الصحابة بأسانيد صحيحة؛ إذ جاء عن ابن عمر، وأخته حفصة، وعائشة بنت أبي بكر yولا يُعرف لهم مخالف من الصحابة([22]).
سبب الخلاف في المسألة:
        أورده ابن رشد في بداية المجتهد حيث قال: "وسبب اختلافهم هل الكافي في تعيين النية في هذه العبادة، هو تعيين جنس العبادة، أو تعيين شخصها، وذلك أن كلا الأمرين موجود في الشرع، مثال ذلك: أن النية في الوضوء يكفي منها اعتقاد الحدث، لأي شيءٍ كان من العبادة التي الوضوء شرط في صحتها، وليس يختص عبادة عبادة، بوضوء وضوء.
وأما الصلاة، فلا بد فيها من تعيين شخص العبادة، فلا بد من تعيين الصلاة، إن عصرًا فعصرًا، وإن ظهرًا فظهرًا. وهذا كله على المشهور عند العلماء، فتردد الصوم عند هؤلاء بين هذين الجنسين فمن ألحقه بالجنس الواحد قال: يكفي في ذلك اعتقاد الصوم فقط ومن ألحقه بالجنس الثاني، اشترط تعيين الصوم"([23]).
وتوضيح ذلك
        أن سبب الخلاف هو في القدر الكافي في تعيين النية في العبادة، والمقصود بذلك أحد أمرين:
1.إما أن يكون المقصود أن النية في الصوم يُراد بها جنس العبادة (أي: شهر رمضان كاملاً، كتلة واحدة متكاملة لثلاثين يومًا).
2.وإما أن يُراد بالنية عين العبادة أو شخصها، (أي: كل يوم من أيام رمضان على حِدة منفصل) فيكون مثل الصلوات الخمس، لا بد فيها من تعيين النية لكل صلاة لتمييزها.
        فمن قال بأن رمضان يعتبر كتلة واحدة؛ قال: يكفي فيه اعتقاد الصوم فقط، ونية واحدة من بداية الشهر تكفي للشهر كاملاً؛ ومن ألحقه بأن كل يوم لوحده، منفصل، لا علاقة له بما قبله ولا بما بعده؛ قال: باشتراط تعيين النية.
 




([1]) انظر: بدائع الصنائع (1/128)، وانظر قول الحنفية، في تبيين الحقائق (313)، شرح فتح القدير (2/309)، وحاشية الطحاوي على مراقي (1/426).
([2])  انظر: الفروع (3/30).
([3])  الرُّبيْع بنت مِعْوَذ بن عفراء الأنصارية، صحابية جليلة، روى عنها أهل المدينة، وكانت ربما غزت مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فتداوي الجرحى وترد القتلى إلى المدينة، وكانت من المبايعات تحت الشجرة بيعة الرضوان، انظر ترجمتها في: أسد الغابة (1/1023)، تقريب التهذيب (1/747)، الإصابة (7/641).   
([4])  أخرجه البخاري في كتاب الصوم باب صوم الصبيان (2/682)، رقم (1859)، ومسلم في كتاب الصيام، باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه (2/798)، رقم (136)، واللفظ لمسلم.
([5])  سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله، أول مشاهده الحديبية وكان من الشجعان ويسبق الفرس عَدْوًا وبايع النبي (صلى الله عليه وسلم) عند الشجرة على الموت، وكان شجاعًا، راميًا، سخيًا، خيرًا، محسنًا، فاضلاً، روي أنه كلْم الذئب، قال سلمة t عن نفسة: "رأيت الذئب قد أخذ ظبيا فطلبته حتى نزعته منه فقال ويحك مالي ولك عمدت إلى رزق رزقنيه الله ليس من مالك تنتزعه مني،"، توفي في المدينة 74هـ، وهو ابن ثمانين سنة. انظر ترجمته في: أسد الغابة (1/465)، الإصابة (3/151).
([6])  أخرجه البخاري في كتاب الصوم باب صيام يوم عاشوراء (2/704)، ومسلم في كتاب الصيام، باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه (2/798)، رقم (135)، واللفظ للبخاري.
([7])  وانظر قول الكاساني في هذا في بدائع الصنائع (1/129).
([8])  مواهب الجليل (1/232)، الفواكه الدواني (1/313)، بداية المجتهد (1/214).
([9]) المجموع (6/299)، روضة الطالبين (2/350)، مغني المحتاج (1/423).
([10])  المغني (3/7)، الفروع (3/30)، الروض المربع (1/419).
([11]) في روضة الطالبين (2/350).
([12])  أخرجه النسائي في كتاب الصيام، ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك (4/197)، رقم (2334)، والبيهقي في الكبرى، في كتاب الصيام، باب الدخول في الصوم بالنية (4/202)، رقم (7698)، وصححه الألباني في مختصر إرواء الغليل (1/176)، رقم (914).
([13])  أخرجها الترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل (3/107)، رقم (730)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (1/449)، رقم (1987).
([14]) بدائع الصنائع (1/128)، المغني (3/17)، الفقه الإسلامي (2/621).
([15])  المغني (3/17)، الفقه الإسلامي (2/621).
([16])  المجموع (6/301). 
([17])  أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء (2/702)، رقم (1899)، ومسلم في كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشـوراء (2/795)، (126)، من حديث معاوية بن أبي سفيان t.
([18])  أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء (2/704)، رقم (1897)، ومسلم في كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء (2/792)، رقم (115)، وانظر: ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه، لهبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم، تحقيق: حاتم صالح الضامن، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة، عام1405هـ (1/20).
([19])  المغني (3/17)، الفقه الإسلامي (2/621).
([20])  بدائع الصنائع (1/129).
([21])  كالألباني في مختصر إرواء الغليل (1/176)، رقم (914)، وغيره، و قال ابن حجر في التلخيص الحبير (2/188): [اختلف الأئمة في رفعه ووقفه: فقال أبو داود لا يصح رفعه، وقال الترمذي الموقوف أصح، ونقل عن البخاري أنه قال: "هو خطأ وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف"، وقال النسائي: "الصواب عندي موقوف ولم يصح رفعه"، وقال أحمد: "ماله عندي ذلك الإسناد"،  وقال الحاكم:، "صحيح على شرط الشيخين وقال في المستدرك: "صحيح على شرط البخاري"، وقال البيهقي: "رواته ثقات إلا أنه روي موقوفا"، قال بن حزم: "الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة"] ا.هـ، بتصرف يسير.
([22]) التلخيص الحبير (2/188)
([23])  بداية المجتهد (1/214).