ثم يستدلون
22 رجب 1427

في شرح ( نظم الورقَات للعَمْريطِي ) ألقى الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ بإحدى الدُّرر قال : أصحاب الباطل يعتقدون ثم يستدلون .

رحتُ أتتبع شبهات النصارى حول الإسلام ونبي الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجَرّني البحث لأهل الجاهلية الأولى . . النضر بن الحارث والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف .. ، وكذا من أنكروا السنة النبوية ... مَنْ تسموا بـ ( القرآنيون ) .
وجدت القوم في صعيد واحد ـ وإن اختلفت أماكنهم بين قريب وبعيد ـ نفسية واحدة . ( يعتقدون ثم يستدلون ) كما قال الشيخ ـ رحمه الله ـ .

( القرآنيون ) أجمعوا أمرهم على أن لا يأخذوا بالسنة النبوية المطهرة ، هذه آخيتهم ، شدوا حبالهم إليها ، وراحوا يلوون أعناق النصوص ويؤولون مالا يصح تأويله من كتاب الله كي يستدلوا على باطلهم الذي اعتقدوه مبدئيا . ويرسم لي الخيال صورتهم وهم أقزام سود الوجوه بجوار آيات الله الشمّ الراسيات يحاولون حملها ولا يستطيعون . " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون"[ النحل من الآية 41] . " ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفرا أنهم كانوا كاذبين" [ النحل : 39] " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " [ الحشر من الآية 7 ] "... وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين" [ النور من الآية 54 ] ، " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " [ آل عمران:من الآية 31 ]

وعبادُ الصليب اشتروا الكفر بالإيمان ، وشاقّوا الله ورسوله ، فراحوا بأيديهم يسترون الشمس وبعقولهم البليدة ولسانهم الأعجمي يشوهون كل الكمال وجملة الجمال ـ صلى الله عليه وسلم- ، يقولون ما كان نبيا ، بل كان عاقلا صَفَتْ نفسه من كثرة خلوته فأتى بهذا من أمِّ رأسه ، وكذبوا فقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتكلم بقرآن معجز في لفظه وكلام عادي مثل غيره ، ولو كان كله من عنده لكان كلامه واحدا قرآنا أو سنة ، وقد أنبأ في الوحيين (القرآن والسنة ) عن قصص الأولين وأخبار الآخرين وأنى للخيال بمثل هذا ؟!
وقالوا : بل اتصلت به الجن فأوحت إليه ، وكذبوا فأنىَّ للشياطين بمثل هذا " وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون" [ الشعراء : 210 ، 211 ] .
وقالوا : بل تعلم من بعض أتباعه ( صهيب الرومي ) و ( عبد الله بن سلام ) اليهودي ، و( سلمان ) الفارسي . فخلط شيئا من النصرانية بشيء من اليهودية بشيء من الوثنية فأخرج لهم الإسلام .
وما كان صهيب عربيا، بل كان أعجميا بالكادِ يُبين ، وما رأى رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( عبدَ الله بن سلام ) ولا ( سلمان الفارسي ) إلا بعد الهجرة ، وكلهم كانوا أتباعا له ـ صلى الله عليه وسلم ـ متعلمين منه وليس معلمين له . وقد كفّر الإسلام بالنصرانية واليهودية كما كفر بالوثنية . فكيف يكون قد اهتدى بنورها ؟!

إنهم أهل الباطل يعتقدون ثم يستدلون . رضوا بالكفر بداية ثم راحوا يستدلون كي يَبْقَوْنَ على آخية الكفر والضلال في الوحل والطين والظلام والبهيم .

وسبحان الله ذات الأباطيل التي يتكلم بها الحقدة من كفار اليوم هي هي بأمِّ عينها الأباطيل التي تكلم بها أهل الجاهلية الأولى ، " بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر" [ الأنبياء : من الآية 5 ]."ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين " .[ النحل : 103 ]
" أتواصوا به بل هم قوم طاغون " [ الذاريات : 53 ] . " كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم "[البقرة من الآية 118 ] .

ويفضح ربك هؤلاء وأولئك بقوله: " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون" [ الأنعام : 33 ] . " ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون " [ آل عمران : من الآية 78] " وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون" [ البقرة : 75 ]
ومن أصدق من الله قيلا ؟ ومن أصدق من الله حديثا ؟

والمنافقون والمنافقات كرهوا ما أنزل الله ، أحبوا الكافرين وتملك حب الكافرين من قلوبهم فتشبهوا بهم ، وأرادوا أن تكون ديار المسلمين كديار الكافرين ، والعفيفات الطاهرات كالكافرات المتبرجات المائلات المميلات ، فجردوا أقلامهم وراحوا يسبون ويسخرون ويشككون بدعوى( الإصلاح ) وهي حجة المنافقين الأُول "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون " [ البقرة : 11 ،12 ] ، ولكنها قرود تتقافز على جبالٍ شُمّ ، تأخذ منها الحجر والحجرين ولكنها ستبقى . . . قرود . . وجبال .

هذا هو حال أهل الباطل جميعا من المشككين والمنافقين والكافرين يعتقدون ثم يستدلون .

أما صاحب الحق فإنه يجعل الحق مقصده يذهب للنصوص ينظر ماذا تقول وكيف فهمها السلف الصالح _رضوان الله عليهم_ ثم هو معها قبولا ومحبة وإذعانا .

سمع سعدُ بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ أن مصعب بن عمير ـ رضي الله عنه ـ على بئرٍ يدعوا قومه لدين غير دينه ... ( يفسد ) قومه ، فأخذ حربته ، وجدّ السير يريد وأد ( الفتنة ) في مهدها ،وقام على رأس مصعب يهدده ، فناداه مصعب : اجلس إلي فإن أعجبك قولي وإلا قمت عنك ، فخنس كل شيطان وجلس هذا الوقور الطيب ولم تمض ساعة حتى عاد بحربته يبشر قومه بالإسلام . وجنَّ الليل على بني عبد الأشهل وهم يسبحون ويحمدون ويهللون فرحين بما آتاهم الله من فضله .

لم يُردْ سعدُ مبدئيا الدفاع عن باطله ، ولم يكن حاقدا على المسلمين ، بل كان يريد الإنصاف ويدافع عن ما يراه حقا لذا اتبع النور حين رآه .

وهو حال كثير من علماء الغرب الذين يدرسون الإسلام فيسلمون .

نفوس مريضة تعتقد ثم تستدل . . . ونفوس سليمة تسمع أو تقرأ ثم تتبع . وشتان .

وبعد :

في الداخل الإسلامي ـ وأقول في الداخل الإسلامي .. أصفه بالداخل وأعتبره إسلامي ـ شيء من هذا ، أدى إلى تفريق الصفوف وكثرة الخلاف ، وذهاب جهد كبير في القيل والقال .

يخطب أحدهم خطبة أو خطبتين ، أو يكتب رسالة أو مقالا فيرى أنه قد بلغ شأنا وأنه قد ركب طريق العلماء فصار منهم فتجده يعقب على هذا ويتتبع عثرات هذا ، وتنزل النازلة فيقول ويبحث عن من يسمع .
نعم أمرنا بالتناصح ، ولكننا نهينا عن التفرق . وتدبر هذه الآية الكريمة .
" ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات "[ آل عمران : من الآية 105 ] .
فهم بداية تفرقوا . ثم اختلفوا .
كانت النيّة مُبَيَّتَةٌ على الفرقة كل يريد أن يكون صاحب الرأي ، ثم جاء الاختلاف مبررا لهذه الفرقة المبيتة . وتدبر كثيرا مما يحدث اليوم تجد أن الآية تخاطبنا وكأنها نزلت اليوم علينا ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ) .

فمن لي بمن يبحث عن الحق ليقبله ويحبه ثم يذعن إليه ؟
من لي بمن ينصح وهو على الطريق ـ وإن اشتد في النصح ـ إلا أنه لا يخط خطا جديدا بل يسدد ويقارب ويعين ويعذر وهو معهم على السبيل ؟