
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه .. أما بعد .. فإنَّ مسألة الانتخابات العامة(*) والمشاركة في المجالس النيابية ( البرلمانات ) ، من مسائل السياسة الشرعية ؛ وقد سبق أن أشرت إلى ذلك في جواب سابق .
ولمَّا لم تذكر – أخي قنديل - نوع الانتخابات التي تسأل عنها : هل هي انتخاب لمسلم أو كافر ، أو هي انتخابات تُجرى في بلد من بلاد المسلمين أو في بلاد أهل الكفر ، مثلا ، فسأفترض أنها انتخابات في بلد من بلاد المسلمين – سواء كان الغالب فيها الحكم بالشريعة الإسلامية أو بالقوانين الوضعية - كما يظهر من واقع بيانات السؤال ..
وعلى كل حال ، فيمكن وضع الجواب في النقاط التالية :
أولاً : الأصل أن ولي الأمر يجتهد في اختيار الأكفاء الصُّلحاء لولاية أمور الرعية ممن يتصفون بالقوة ، والأمانة ، ويستشير في ذلك أهل الخبرة والنصح ، ويجتهد في تولية الأصلح والأمثل .
ثانياً : يجب التفريق بين ( الديمقراطية ) التي هي منظومة فكرية مناقضة للإسلام في حقيقتها وفلسفتها ، وبين الانتخابات التي هي من أشهر آلياتها ، حتى ظنّ بعض النّاس أنها هي هي ؛ بينما الانتخابات آلية ووسيلة لا فكر ومنهج .
ثالثاً : الأصل مشروعية الانتخابات التي لا محذور فيه شرعا ، واختيار من هو أهل للاختيار من خلالها . وجوابا على سؤالك عن الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين ، أذكر لك منها ما يلي :
1) قول الله تعالى: ( وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان )؛ فإذا كانت الانتخابات موصلة لأهل الخير إلى موقع التأثير في القرار بما يقتضيه الشرع ، فانتخابهم من التعاون على البرّ والتقوى .
2) ما جاء في حديث بيعة العقبة الثانية ، أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( أخرجوا إلي اثني عشر نقيبا منكم يكونون على قومهم ، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا ، منهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس ) رواه ابن إسحاق ، وقال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع ( مجمع الزوائد :6/44-45) ؛ وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني كما في تعليقه على فقه السيرة للغزالي :150. فقوله صلى الله عليه وسلم: ( أخرجوا إلي اثني عشر ... ) طلب ترشيح اثني عشر نائبا لهم وممثلا عنهم، وهذه حقيقة الانتخاب ، بغض النظر عن طريقته وآليته .
3) قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمِّروا عليهم أحدهم ) رواه أحمد وأبو داود، وهو حديث محتج به، وصححه جمع من أهل العلم. وتأمير الجمع لأحدهم إما أن يكون باتفاقهم عليه أو اختيار وقبول أكثرهم لإمرته عليهم ، والاختيار حقيقة الانتخاب ، كما تقدّم .
وقد ترجم مجد الدين ابن تيمية - رحمه الله - هذا الحديث في كتابه القيم : منتقى الأخبار بـ : " باب وجوب نصب ولاية القضاء والإمارة وغيرها " . وقال حفيده أبو العبّاس ابن تيمية – رحمه الله - في كتابه القيم : السياسة الشرعية : " فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع " ( طبعة مؤسسة الشيخ محمد العثيمين ، وبحاشيتها تعليق الشيخ محمد العثيمين: 449) ويدخل في ذلك جميع مؤسسات المجتمع الأهلي ، والنقابات وغيرها من التجمعات المعروفة في هذا العصر ؛ فلأعضائها اختيار قياداتها ، وفق الأنظمة والقوانين المعمول بها ، مما ليس فيه مخالفة للشرع ، قال شيخنا عبد الله بن قعود - رحمه الله - معلقا على قول أبي العبّاس ابن تيمية رحمه الله : " ويدخل في ذلك الجماعات التي تنظِّم أمورها ، شريطة أن لا يتوجب الولاء لها دون غيرها ، بحيث تتبرأ من غيرها ، ولا عندي في هذا إشكال ؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الوفود عن رأيسهم والنقباء وغيرها ، وكلام الشيخ هنا صريح في هذا " انتهى . قلت :.
قال الشوكاني : " وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلاف ، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون , ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة , وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى ؛ وفي ذلك دليل لقول من قال : إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام " .
4) أنَّ عمر رضي الله عنه سمّى ستة نفرٍ من كبار الصحابة رضي عنهم هم : عثمان بن عفّان ، وعلي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وسعد بن أبي وقّاص ، وعبد الرحمن بن عوف ؛ فجعل الخلافة شورى بينهم ، يتشاورون فيمن تعقد له الخلافة منهم ، في قوله : ( إني لا أعلم أحداً أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر ، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ ؛ فمن استخلفوا بعدي فهو الخليفة ، فاسمعوا له وأطيعوا ) رواه البخاري ح 1392 . وهذا سنّة خليفة راشد جمع فيها بين أسلوب وآلية ( العهد ) التي هي سنّة الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين عهد إلى عمر رضي الله عنه بالخلافة ، وبين أسلوب ترك الاختيار للأمّة بتفويض الأمر للمسلمين التي سنّها النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فكلٌّ سنّة ؛ فهي أساليب وآليات تتغير ، والثابت هو الغاية منها ، وهو وجوب تولية الأصلح قدر الاستطاعة . وقد جاء في بعض الروايات أن أهل الشورى لما جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : نهض " يستشير النّاس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس النّاس وأجنادهم ، جميعاً وأشتاتا ، مثنى وفرادى ومجتمعين ، سرّا وجهرا ، ، حتى خلص إلى النساء المخدَّرات في حجابِهن ، وحتى سأل الولدان في المكاتب ، وحتى سأل من يَرِد من الركبان والأعراب إلى المدينة ، في مدّة ثلاثةِ أيّام بلياليها ؛ فلم يجد اثنين يختلفان في تقديم عثمان بن عفّان إلا ما يُنقل عن عمّار والمقداد ، أنهما أشارا بعليّ بن أبي طالب ؛ فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليهن لا يِغتمِضُ بكثير نوم إلا صلاة ودعاءً واستخارة ، وسؤالاً من ذوي الرأي وغيرهم ، فلم يجد أحدا يعدل بعثمان بن عفان رضي الله عنه " هكذا أوردها ابن كثير في البداية والنهاية :10/211 ؛ وفيها تفاصيل أشبه شيءٍ بالانتخاب ، ولم يتعقبها .
وثمة أدلة أخرى وفتاوى وتطبيقات عملية من العلماء المعاصرين كالانتخابات في نظام المجمع الفقهي بمكة المكرمة مثلا ، وقد تحدثت عنها من قبل في سلسة أضواء على السياسة الشرعية في موقع المسلم ، غير أني هنا اكتفيت بما يجيب على سؤالك ، ولا سيما مع سعة الموضوع .
رابعاً : لا يجوز قبول ترشح شخصٍ ليس أهلاً للولاية الشرعية ، فإن وجد فلا يجوز انتخابه مع وجود من هو أصلح للمسلمين منه ؛ وقد أكّدت ذلك في شأن الانتخابات اللجنةُ الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية ، فقد جاء في ( فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء :23/404-405 ) ما نصّه : " س : هل يجوز للمسلم أن ينتخب للمجالس البلدية أو غيرها من الدوائر شخصا يعتنق الشيوعية أو يسخر بالدين ويعتنق القومية ويعتبرها دينا ؟
ج: لا يجوز للمسلم أن ينتخب للمجالس البلدية أو الدوائر الأخرى من علم أنه شيوعي ، أو يسخر بالدين الإسلامي أو اعتنق القومية أو اعتبرها دينا ؛ لأنه بانتخابه إياه رضيه ممثلا له ، وأعانه على تولي مركز يتمكن من الإفساد فيه ، ويعين فيه من يشايعه في مبدئه وعقيدته ، وقد يستغل ذلك المركز في إيذاء من يخالفه وحرمانه من حقوقه أو بعضها في تلك الدائرة أو غيرها بحكم مركزه ، وتبادل المنافع بينه وبين زملائه في الدوائر الأخرى ، ولما فيه من تشجيعه من استمراره على المبدأ الباطل وتنفيذه ما يريد " وقد قع هذه الفتوى كل من الشيخ عبد العزيز بن باز رئيسا والشيخ عبد الرزاق عفيفي نائبا للرئيس ، والشيخ عبد الله بن قعود عضوا والشيخ عبد الله بن غديان عضوا .
خامساً : الانتخابات بالصيغ الموجودة اليوم ، آلية تتضمن مجموعة من الأفكار الوافدة ، فيها ما هو مقبول وفيها ما هو مردود ؛ وهي بذلك لا يجوز أن تدون في نظام سياسي إسلامي دون أن يُستبعد منها ما ليس مشروعا ؛ كالمخالفات الظاهرة في شروط المترشحين لها مثلا ، فهي لا تتضمن الحدّ الأدنى من الشروط الشرعية في من تجوز توليته ؛ فشرطها المشهور في قوانين الانتخابات النيابية : أن يكون المترشح ممن يقرأ ويكتب ! بينما الولاية الشرعية تتطلب شرطين رئيسين هما : القوة في الولاية علماً بأحكامها وقدرة على تنفيذها ، والأمانة في القيام بها ، وهي المذكورة في مثل قول الله تعالى : ( إن خير من استأجرت القوي الأمين ) ، وقوله سبحانه في مؤهلات قيادة طالوت : ( وزاده بسطة في العلم والجسم ) ، بعد أن قالوا : ( أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ؟ ) .
ولكن إذا عُدم النظام الشرعي للانتخاب بشروطه الشرعية ، وطلب من الناس أن ينتخبوا أهلاً لولاية ما ، فإنَّ الانتخابات حينئذ تكون الخيار الممكن لتولية الأصلح ، ومن ثمّ لا ينبغي التأخّر عنها ، ما لم يفت أهل العلم بمقاطعتها ، لكونها صورية مثلا ! أو لكون جميع المرشحين فيها على درجة واحدة من الشرّ ، أو لعدم قبول إشراف قضائي عليها ، أو لغير ذلك من الأسباب التي تقتضي الحكمَ بمقاطعتها .
وقد سئلت اللجنة الدائمة عن حكم الانتخاب والترشيح في بلد تحكم بغير شريعة الله ، فأجابت اللجنة ببيان الأصل في المسألة المسؤول عنها ، ثم بيان الحكم الاستثنائي المبني على أسس السياسة الشرعية ، فقد جاء في ( فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء :23/406-407 ) ما نصّه : " س : هل يجوز التصويت في الانتخابات والترشيح لها ؟ مع العلم أن بلادنا تحكم بغير ما أنزل الله ؟
ج : لا يجوز للمسلم أن يرشح نفسه رجاء أن ينتظم في سلك حكومة تحكم بغير ما أنزل الله ، وتعمل بغير شريعة الإسلام ؛ فلا يجوز لمسلم أن ينتخبه أو غيره ممن يعملون في هذه الحكومة ، إلا إذا كان من رشّح نفسه من المسلمين ومن ينتخبون يرجون بالدخول في ذلك أن يصلوا بذلك إلى تحويل الحكم إلى العمل بشريعة الإسلام ، واتخذوا ذلك وسيلة إلى التغلب على نظام الحكم ، على ألا يعمل من يرشح نفسه بعد تمام الدخول إلا في مناصب لا تتنافى مع الشريعة الإسلامية " وقد وقع هذه الفتوى كل من الشيخ عبد العزيز بن باز رئيسا والشيخ عبد الرزاق عفيفي نائبا للرئيس ، والشيخ عبد الله بن قعود عضوا والشيخ عبد الله بن غديان عضوا .
وهذا الحكم في هذه الصورة ، حكم استثنائي يُبنى على قاعدة جلب المصالح ودرأ المفاسد ، وهي في جملتها تجمع صورا مما يعرف في أصول الفقه بالاستحسان بالمصلحة والاستحسان بالضرورة ؛ ولا شكّ أن الانتخابات المتاحة اليوم تحوي في جملتها كثيرا من المصالح من خلال جلب كثيرٍ من المنافع ودرء كثير من المفاسد .
ومن أهم المصالح الكبيرة ، ممكنة التحقيق من خلال مشاركة الصالحين المصلحين - من خلال آلية الانتخاب المتاحة - والتي يطمح إليها المجيزون في حالٍ تقتضي الجواز في انتخابات نيابية مثلا ، يُؤمّل تحقيقها من المرشحين الصادقين أهل المباديء ، الذين يُظن بهم الثبات على مبادئ الإسلام وعدم الحيدة عنها ، ما يلي :
1 – التمكن من إعلان المواقف الشرعية في كل قضية تُطرح في تلك المجالس ، وبيان الحكم الشرعي فيها ، ومن ذلك الاعتراض على مشاريع القوانين المخالفة للشرع ، وهذا من إنكار المنكر بوسيلته المستطاعة ؛ فهو صورة من صور القيام بواجب النهي عن المنكر ؛ فهو من الحسبة المتفق على مشروعيتها ، وأدلتها أدلة له .
2 – التمكن من تقديم مشاريع أنظمة وقوانين شرعية لا تخالف الشريعة الإسلامية ، والإسهام في تغيير أو تعديل القوانين المخالفة للشرع ؛ وهي صورة من صور القيام بواجب الأمر بالمعروف ؛ فهو من الحسبة المتفق على مشروعيتها .
3 - محاربة الفساد والمفسدين ، ورفع الظلم أو تخفيفه ، حسب القدرة بالقلب أو اللسان أو اليد ؛ ومن ذلك إحباط المشاريع المحرمة ، ومنع الفساد والرشوة والصفقات المحرمة ، وكشف زيفها أمام النّاس ، لإصلاح ما أفسده الإعلام وأثّر به على الرأي العام ؛ وهو من عمل المصلحين ، ومن نصرة المظلوم ؛ وهي أمور متفق على مشروعيتها ، وأدلة مشروعيتها .
4 - دعم الخير وأهله ، ومحاربة الشر وأهله ، على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية ، بحكم الوجاهة والاعتراف الرسمي بالشخصية المنتخبة .
5- تحقيق الحرية لعمل بعض الدعاة من خلال الحصانة النيابية ( البرلمانية ) ، وتخفيف القيود المفروضة على تحرك الدعاة عموما ، فلا يتعرضون للإجراءات التعسفية تحت مبررات الإرهاب كما يحدث ، وكشف ما يحاك في الخفاء ضد الدعوة والدعاة ، والعمل على إفشال ذلك .
6 - إعادة الثقة بالإسلام والمسلمين بتقديم النموذج القوي الأمين للناس والمجتمع ، وإثبات أن الإسلام دين كامل شامل ، قادر على تنظيم حياة الناس الخاصة والعامة عملياً لا كلاماً نظريا فقط ، ولا يكون ذلك إلا من خلال المشاركة الفعالة للدعاة في هذه المجالس لإحقاق الحق وإبطال الباطل .
7- دفع شر البديل عن المصلحين إذا هي تركت الساحة لهم ، الذين سيسخِّرون كل إمكانياتهم لمحاربة الحركات الإسلامية .
8 - محاسبة الوزراء واستجوابهم ، بل وطلب سحب الثقة منهم ، لأن كل وزير مسؤول أمام المجلس عن عمل وزارته .
9- إقامة الحجة على أعضاء المجالس وأعيان النّاس ، وعلى الحكومات من خلال تقديم مشاريع الأنظمة والقوانين الشرعية ، وطلب إقرارها ليحكم النّاس بشرع ربهم .
10- التمكن من تدريب القيادات الإسلامية الصالحة ، للعمل السياسي الواقعي ، ليكتشفوا العوائق التي قد تحول دون تطبيق بعض الأحكام ، والسعي في إيجاد الحلول الشرعية لها ؛ ولا سيما أنَّ العمل الميداني ليس كالعلم التنظيري .
11- التمكن من الوصول لصاحب القرار في الدولة بقوة المنصب النيابي وبيان الحقائق له بعيدا عن أي تزييف ، وهو ما قد لا يتيسر للعالم والداعية الصالح الناصح ؛ وكم في تواصل الأخيار مع أصحاب القرارات من خير ، وبيان لكثير من التلبيس الذي قد ينطلي على القيادات التي تحتكرها في الغالب فئات إقصائية ذات ولاءات أجنبية ، تحسّن الباطل ، وتقبِّح الصحيح .
12- أن المشاركة السياسية المتاحة تقلِّل من حدّة التصادم بين الحكومات والمصلحين العدول ، حيث إن وجود قنوات اتصال من هذا النوع تحبط الكثير من الوشايات الكاذبة والتقارير المغرضة التي قلّ أن توجد من غير دعمٍ أجنبيٍ ؛ وتقليل حدّة المواجهة مطلب شرعي ، ولا سيما أنَّ التجربة المعاصرة وغيرها ، تثبت أن المواجهة الداخلية تولِّد كثيرا من التصرفات الخاطئة الخطيرة ، سواء كان ذلك من جهة الحكومات باستخدام سلطتها في قمع المصلحين ، أو من جهة تصرفات بعض المصلحين المتعجلين أو أتباعهم ممن قد لا يقدرون المصالح والمفاسد تقديرا شرعيا يخرجون منه بحكم شرعي من جهة التأصيل ومن جهة تحقيق مناطه في الواقعة .
وهذه مصالح مأخوذة من واقع الحياة ، ومستفاد إمكان تحقيقها من قوانين المجالس النيابية ذاتها وآليات تنفيذه في الجملة بحسب كل بلد وقوانينه .
سادساً : قيام كثير من المجالس النيابية على القوانين الوضعية ؛ لا يسوِّغ الإعراض عنها ؛ فإنَّ من يشارك فيه من أهل الخير والصلاح والإصلاح ، إنما جاؤوا لإزالة الباطل المنبثق - من القوانين الوضعية - أو تخفيفه ؛ وكلاهما مطلب شرعي ؛ ولو لم يكن إلا إنكار ذلك المنكر علناً ، والكشف عن بطلانه وبيان مخالفته لعموم النّاس لكفى ؛ ومع أنَّ الأصل في القوانين الوضعية البطلان ، إلا أن هذا لا يعني أن كل التنظيمات والقوانين – أو ما يسمى بـ(ـالتشريعات ) مضاد للشرع ؛ فهي على أحوال : منها المخالف وهو الغالب ، ككثير من مواد القوانين الجنائية والجزائية ؛ ومنها ما يوافق الشرع ، لوجود نص شرعي يؤيده ، كما في كثير من مسائل ما يعرف بالأحوال الشخصية ؛ ومنها ما لا يخالف الشرع بعدم معارضته لنص أو قاعدة كلية شرعية ، كعامة التنظيمات المتعلقة بالمصالح العامة ، من مثل : عامة قوانين البناء ، و السير و تنظيمات المرور ونحوها . والقاعدة في هذا أن الحكم الشرعي : ما وافق الشرع أو لم يخالفه ؛ ولو كان من نظَّمه أو قنَّنه غير مسلم ؛ وكون المسألة في حد ذاتها شرعية لا يعني أن المقنِّن أو المنظِّم يكون مأجورا أو مأزورا ، إذ يبقى ذلك متعلقا بقصد المنظِّم إن كان قاصدا تحكيم الشرع أو خلافه .
ثم إنَّ المصالح المشروعة تشمل جلب المصلحة بمعنى المنفعة وقد يعبَّر عنها بالضروريات ومتمماتها ، ودرء المفسدة - بوصفه مصلحة من جهة المآل ( النظرة المستقبلية ) – وقد يعبَّر عنها بالحاجيات ومتمماتها ؛ وإذا تعارضت المصالح والمفاسد أُعملت قواعد الموازنة بينها ؛ وهي قواعد تكشف عن عظمة هذه الشريعة الربانية ؛ وللشيخ أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تأصيل عظيم في هذه المسألة ؛ ومن عبارته في ذلك : " لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم ، ومن تولاها أقام الظلم ، حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها ودفـع أكثره باحتمال أيسره كان ذلك حسناً مع هذه النية ، وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو أشد منها جيداً " . ( مجموع فتاوي شيخ الإسلام 20/55) .
و جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية ، في حكم الانخراط في الأحزاب السياسية ، ومن بين الأحزاب السياسية، إما تابعة لروسيا أو تابعة لأمريكا ، أمثال : حزب التقدم والاشتراكية ، و حزب الديمقراطية ... ما نصه :
" الجواب : الحمد لله .. من كان لديه بصيرة في الإسلام وقوة إيمان وحصانة إسلامية وبعد نظر في العواقب وفصاحة لسان ، ويقوى مع ذلك على أن يؤثر في مجرى الحزب فيوجهه توجيهاً إسلامياً ، فله أن يخالط هذه الأحزاب ، أو يخالط أرجاهم لقبول الحق ؛ عسى أن ينفع الله به ، ويهدي على يديه من يشاء فيترك تيار السياسات المنحرفة إلى سياسة شرعية عادلة ينتظم بها شمل الأمة ، فتسلك قصد السبيل ، والصراط المستقيم ، لكن لا يلتزم مبادئهم المنحرفة .
ومن ليس عنده ذلك الإيمان ولا تلك الحصانة ويخشى عليه أن يتأثر ولا يؤثِّر ، فليعتزل تلك الأحزاب ؛ اتقاء للفتنة ومحافظة على دينه أن يصيبه منه ما أصابهم ، ويبتلى بما ابتلوا به الانحراف والفساد . ( فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء : 12/384 ) .
بل ترى اللجنة الدائمة أن من " أمِن على نفسه من الفتنة في دينه ، وكان حفيظاً عليماً يرجو الإصلاح لغيره ، وأن يتعدى نفعه إلى من سواه وألا يعين على باطل ، جاز له العمل في الدول الكافرة ، ومن هؤلاء يوسف عليه الصلاة والسلام ، وإلا لم يجز " (فتاوى اللجنة :2/75) .
كما أجابت اللجنة على سؤال عن حكم مشاركة المسلم للنصراني في العمل السياسي والاجتماعي ، بما يلي : " تجوز مشاركة المسلم للنصراني فيما لا يخالف شرائع الإسلام " (فتاوى اللجنة :1/547)
وعلى كلٍ فهذه المسألة من المسائل التي يختلف فيها الحكم زمانا ومكانا وحالا ، من جهة مدى تحقيقها للمصالح المشروعة ؛ فلا يقال بمشروعيتها في كل حال وزمان ومكان ؛ فقد تقتضي الحال القول بوجوبه ، إذا كان من باب من لا يتم الواجب به فهو واجب ، كما يرى بعض علماء العصر كالعلامة الشيخ عبد الكريم زيدان حفظه الله ؛ و قد تقتضي الحال أن تكون مقاطعة الانتخابات مشروعة في وقت وزمان وحال أخرى .
وخلاصة القول : ينبغي على الإخوة الذين لديهم القدرة على ممارسة هذا العمل استشارة أهل العلم والفضل ولا سيما من أهل البلد الذي هم فيه ، فيما يرونه من صلاحيتهم له قبل الترشح ، وما يلزمهم القيام به من عمل بعد ذلك ، ووضع آليات شرعية كافية لتحقيق المصالح الشرعية المرتجى تحقيقها ؛ وأمن مزالق هذا العمل ، بالبعد عن العمل الفردي في مثل هذا الشأن الذي يتطلب قدرا غير عادي من الوعي والحذر ، والإعداد الكافي والمقنع لكل مشروع يطرح أو يرفض ؛ وعلى كلٍ ( إنما الأعمال بالنيات ) .
هذا ما تيسر بيانه جواباً على سؤالك ، والله تعالى أعلم .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
--------------------
(*) هذا جواب موسع لسؤال ورد إلى الموقع رأينا من المناسب نشره في هذه الزاوية ليستفيد منه الجميع