
(( 2\2 ))
رابعاً : المحور المجتمعي
لابد لمؤسسات المجتمع المعنية بالتربية والتوجيه أن تتظافر جهودها وتتكامل مع المؤسسات السياسية والشرعية والقانونية في حماية الأسرة والناشئة من مضامين الإعلام غير الهادف . ومن المؤسسات المعنية بذلك : الأسرة ، ومؤسسات التعليم .
الأسرة : تُجمع كثير من الدراسات العربية والأجنبية ، النظرية والتطبيقية ، على أن الأسرة هي أحد مصادر التنشئة الاجتماعية وأهمها . ويتفق كثير من علماء الاجتماع والإعلام على أن الوالدين هما خط الدفاع الأول أمام موجات التغيير الاجتماعي الذي تقوده في هذا العصر وسائل الإعلام المختلفة .
وبتأمل واقع التعامل الأٍسري مع مخاطر الإعلام المحلي أو الوافد يلحظ المتابع لهذا الواقع قصور الدور الأُسري في هذه المواجهة . فكلنا يرى الركض اللاهث للوالدين للتكسب وتحصيل المعايش على حساب تربية الناشئة وتحصينهم من موجات الإعلام غير الهادف . وكثير من الأسر قد جلبت التقنية الإعلامية في البيوت وتركتها مشرعة الأبواب والنوافذ دون رقابة من الوالدين على ما ينبغي أن يشاهده أولا يشاهده أفراد الأسرة من البرامج الإعلامية . إن الكثير من الآباء والأمهات يتذمرون من البرامج السيئة وغير الأخلاقية وهم من يتحمل مسؤولية تعرض أبناءهم لهذه البرامج وتأثرهم بها دون أن يكون لهم دور في المراقبة أو التوجيه . فالإعلام لم يدخل بيوتهم عنوة ، ولم يقتحم غرف بيوتهم قسرا. فالوالدان هم من يتحمل المسؤولية الأولى فيما يطرأ على ثقافة الأبناء وأخلاقهم من تغير غير محمود في الوعي أو المعرفة أو السلوك ، أو اختلال في الفطرة النقية .
ومن أجل مواجهة هذا الواقع فإن على الوالدين أن يستشعرا المسؤولية الشرعية تجاه الأبناء ، وأن يعيا حقيقة التوجيهات النبوية في التأكيد على أنهما مسؤولان أمام الله عن رعيتهما ، وأن هذه الرعية أمانة ومسؤولية سيسألان عنها يوم القيامة ، والتأكيد المستمر على توجيهات الشارع الحكيم في ذلك كفيلة بتأدية الأمانة وتحصين الناشئة من مخاطر المضامين الإعلامية غير الهادفة.
المؤسسات التعليمية : المؤسسة التعليمية – على مستوى التعليم العام - هي المصدر الثاني من مصادر التنشئة الاجتماعية بحسب تصنيف خبراء الاجتماع.[1] ولا بد لهذه المؤسسة أن تضطلع بمهمتها التربوية في تلمس مشكلات المجتمع الفكرية والأخلاقية ، وأن لا يقتصر دورها على الوظيفة التعليمية فحسب.
كثير من برامج التعليم في الدول التي قطعت شوطاً كبيراً في التنمية الحضارية تنظم مناشط تربوية وتوجيهية ، تكون مهمتها توعية الناشئة بالمؤثرات التي تهدد بيئتهم التربوية، ومن ذلك العمل على زيادة وعيهم بتأثير وسائل الإعلام على مواقفهم واتجاهاتهم وسلوكهم ، وعلاقة ذلك بالتعرض لبرامج معينة في وسائل الإعلام، أو لقنوات إعلامية محددة.[2]
والمجتمع في هذه المرحلة الراهنة التي تمثل وسائل الإعلام فيها عاملاً حاسماً في صياغة الوعي والتأثير على السلوك بحاجة إلى مؤسساته التعليمية لتقوم بهذه الوظيفة عبر مناشطها التعليمية والتربوية المختلفة .
أما التعليم الجامعي فإن من مسؤوليته أن يقدم إلى مؤسسات التعليم العام ، وإلى المسؤولين عن التعليم والأمن الدراسات التطبيقية والبحوث المسحية الميدانية للتعرف على تأثير مضامين الإعلام غير الهادف على ثقافة الناشئة ، وسلوكهم وأخلاقهم . هذه إحدى وظائف التعليم الجامعي ، ومن أجل هذه الوظيفة تأسست مراكز خدمة المجتمع ، وعمادات البحث العلمي ، وكراسي البحث في الجامعات ، ورصدت لهذه الجهات العلمية ميزانيات خُصصت لإجراء البحوث التطبيقية التي تعالج مشكلات المجتمع . ولا شك أن تأثير وسائل الإعلام على أخلاق الناشئة وسلوكهم يتصدر هذه المشكلات الاجتماعية التي أسهمت تقنية وسائل الإعلام الحديثة في ظهورها بشكل يدعو المؤسسات التعليمية أن تتصدى لها ، وتضع البرامج التربوية والاستراتيجيات العلمية لمواجهتها.
لا ريب أن وسائل الإعلام الجماهيرية باتت اليوم عاملاً مؤثراً في تشكيل الوعي ، وتوجيه القيم ، والتأثير على الأخلاق والسلوك . ووسائل الإعلام العربية التجارية هي من يقوم بهذه الوظيفة بعيداً عن عين المراقبة أو المحاسبة . وبنزوع هذه الوسائل إلى المنحى الربحي في مضامينها وبرامجها أصبحت تمثل هاجساً للمسؤولين عن الأمن والأخلاق على حدٍّ سواء . وقضية مواجهتها ومحاولة الحد من تأثيرها على الأسرة والمجتمع أكبر من أن تُحصر في نداءات موسمية ، أو دعوات ، دينية أو أخلاقية ، مؤقتة . وهي أكبر من أن تطرق طرقاً عارضاً ثم تخبو بعدها الأصوات أو النداءات .
ومن لازم إدراك أهميتها وتأثيرها الجهر دوماً بالحديث عنها ، واستمرار محاولات معالجتها ، بحسبانها قضية دينية ، وأمنية ، وتربوية وأخلاقية سيكون لها الأثر البالغ في حياة الأسرة والمجتمع غداً ومستقبلاً .
هذا البحث هو محاولة لإعداد تصور عملي لمواجهة تأثير وسائل الإعلام العربية على قيم المجتمع السعودي وأخلاقه ، بوصفه مجتمعاً يستهدفه موضوع البحث لاعتبارات ذُكرت في مقدمته ، مع التركيز على القنوات الفضائية باعتبارها الوسيلة الإعلامية الأكثر تعرضاً لها من الجمهور على اختلاف مستوياته الإجتماعية وفئاته العُمرية وتفاوت دخله الإقتصادي التي تشكل البناء الإجتماعي للأسرة المسلمة .