عيد النازفين ..
9 ذو الحجه 1433
هشام خالد

تحيه الصباح يلقيها الهلال على ميادين الوطن الذبيح فوق ثرى الأيام , والطرقات التي خضبتها رفات الكفاح تدل على الطفل اليتيم , وتحيه العظماء للعظماء .. تختلف قليلا عن تهانينا !

 

ميلاد الفجر ينطق بقدوم وميض العيد , واللحن يبدأ في عزف سيمفونيات البهجة , وكل وجه لمجتمع له بسمه مختلفة , له طقوس لطعم الذكريات , يستعيد أيام الصبا , ويحلم بلبس الثوب الجديد .

 

تتكلم الأعياد بلغة الفرح , تخاطب أوتار النسيم والزهور ,  العصافير باتت تبوح في الصباح , وكأنها تصّبر لوعة الاشتياق لدي الأطفال الصغار حنينا للحظة أمن يمكن فيها العودة لساحات اللعب والمرح , ولو ليلعبون بدماهم الممزقة أويمرحون بتمثيلية " حقوق الإنسان " !

 

تكامل بين القلب والكون , والفرح و النفع , والأجر والثواب , وتماثل في الكرم والفداء , وسارعوا إلى جنـة عرضها السماوات والأرض , هكذا كان عيد النحر .

 

إنها ابتسامة الصديق للصديق , ودمعات المحتاج حينما شعر انه اليوم هناك من يبحث عنه , من يشعر بجوعه , من يسمع آهاته , والصغار يلعبون , إنه احتضان للوطن , وتعانق وتوحد للفرح , في ظل الحرية الكاملة , حرية العبودية للإله الحق خالق الموت والحياة وواهب النعم .

 

قصة الرصاصة الحقود , معصوبة العينين , التي  مرت بجانب القلب الصغير , ولم تمسه , تركته على قيد الحياة , لكنها قد هتكت الكثير من الضلوع وراءها , قد مزقت العديد من الأحلام

ونقطة الدم على أراضينا النازفة , تروي عزفا حزينا , ورثاءً , لحنا بطعم الدموع الكسيرة , وأيام العذاب ..

 

 إنها شهقات الثكالى , وشبح الغدر , وأنات الأيامى , والغربة المريرة , و صرخات اليتامى , , تسرد – بالحقائق - يوما مشهودا يغشى فيه الفرح المدينة الحزينة , وتسطع شمس الحرية على البلد الأسير .
ألا إنه لا عيد بلا وطن , ولا فرح بلا حرية , ههنا توقف البحث عن الفقراء والمستحقين  , فالدم غير الدم والذبح غير الذبح , فهم لازالوا يبحثون عن اخوتهم الضائعين , او الراكدين تحت الأنقاض !

 

كل البيوت فرحة تترنم , إلا ان هناك صغيرة تنتظر , تبكي حينا وتسكت حينا , تتعلق الدموع بعينيها بشعرات اليقين , إلا أن أباها المجاهد يبدو أنه لن يعود ..

 

وامي مازالت تمسك بإبرتي الخيط ..  تخيط لي منديلا يكفكف عرقي ودمي حينما اعود , ولكنني يبدو أنني .. ايضا .. لن أعود ..

 

كيف يمكن للوطن الممدد على سرير الموت استعادة طعم قطعة خبز صغيرة , ذكريات عديدة ، تمزج بين طعم الحرية ، ونكهة الخبز الصلب بينما يلين بقطرة ماء جافة فتكثر بركته  ، ورائحة البيت القديم، وعذوبة الحب الأول المستقيم  , وآلام الجسد المريض .. وابتسامة الشهيد !

 

إن الساعات والدقائق و الحروف , وأبيات الشعر البليغ , والأقلام , لو اجتمعت على قلب واحد بمشاعر فياضة لتروى قصة بيتنا القديم .. عذرا ..بيتنا المهدم القديم .. ما استطاع التعبير أن يوافيها . فلا تتساوي جروح الجسد مع جروح القلب .. مع آلام فراق الأحبه .

 

هناك في الشارع المجاور صبية صغار , اسمع اصواتهم تضحك ضحكات متقطعة , يلعبون لعبا بريئا براءة الزهر , والحجارة هي قواعد اللعبة , يضحكون تارة , ويبكون تارة أخري , عرفوا بعضهم فوق الأنقاض , هم الباقون ممن رحلوا , هم الأمل الذي يتمسك بالفرح , والغناء الذي يسقى به القلب آلام جسام .

 

 

أنني هنا من موضعي  , لا يضيرني إلا أخي الذي يعيش بعيدا , ومن يسكن جدران الدم , فتري الشمس تطلع عليه كأنه بيت من حجر كريم , من يعيش بنبض متقطع , بقلب نخرته معامع الأعداء , واشتكت العينان من طول البكاء .

 

اليوم وقفت كلماتي تمسح عرقها بمديل ملطخ بالدم , وامتنعت الألفاظ إلا عن كلمة التوحيد ننتظر الشهادة , وأرى دموع الفرح قد اختلطت بدموع الحزن , في عين واحدة , ولكأن الدنيا قد باعت ما فيها من مروءة على موائد البخس المباع

 

تلك الأم التي استشهد زوجها , تخبئ الدموع عن صغارها , تغني لهم اغان العيد القديمة , وتحتضن حاجتهم لها , وباليل تبكي على النمارق المبللة بدموع الليلة الفائتة

 

إن الحقيقة الكاملة ينقصها من يقولها , من يقصها ويحرك بها القلوب , يحرك الأرض الحزينة , ويحكي قصة الإصرار في النفوس , والعزيمة , قصة السلاح الذي ايقظ صاحبه , والطفل الباكي الذي يبتكر البسمة الصافية .

 

الشوارع هادئة , يفزعها صوت القصف المفاجئ , فيبكي الرضيع , ثم تهدهده أمه الأرملة , ترضعه نموذجا للصبر , وتسقيه المر في صغر , فيقسم أن يذوق الحلو في غرة شبابه .

 

فرش الحصير , وتمرات الفطور  , ورائحة الخبز , تكاد تكون أقصي طاقة للعيد أن يمدها هؤلاء الحزانى  لابنائهم ويكتفي بأن يرى بسمات الرضا على وجوه اطفالهم

 

وطن أسير , يسطر كتابا للحرية , يتسطحه الفرح , ويفيض به الأمل , يذكر عاقبة الآبق من واقعه , ويمجد كفن الشهيد ..

 

 يبدو الكتاب - بكل أقلام أبنائه , بكل دمعه سقطت على الأرض غدرا. ولم تجد من يكفكفها -كتابا يخطه العالم بأسره , بكل من عميت عيناه  عن الحقيقة , وأدار وجهه عن الصدق , ورضي بأن يعيش أعور , معوج العارضين .. ليحشر يوم القيامة على وجهه أعمى .

 

من سيذكر التاريخ ؟ ومن يبتسم في وجهه العيد ؟.. أشهيد عطر الدنيا ثراه , ام الجلاد الحقير , والظالم المستبد ؟!

 اي مدى بين من أعطى الحرائر جناحين , ومن كسر جناحي الطير .. فتركه لا يقدر على شيء  ..

 

إنها تمتماتي في تلك اللحظات إلى إخوتي في سوريا , وبورما , وفلسطين , والعراق , والشيشان , إلى المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها ...

 

يريد الله أن يمن عليكم ويجعلكم اعزة ويجعلكم الوارثين .. يصبركم في العيد ببعض الفرح , الذي تظمأ إليه نفوسكم , ويفتديكم بذبح عظيــم .

 

 فيأيها العظماء , تشبثوا وامسكوا الأرض , فلا هم يبقى , ولا نزف يستمر , فالجروح ستلتئم , والقربان سيقدم أينما كانت النفوس الطيبة , والله يتقبل القليل .. ويجزي به الكثير , ولو شاء الله لنصركم في طرفة عين , ولكن يبتليكم .. فاصبروا .

 

إنها قصة عيد ووطن .. قصه وطن يصعد درجات السحر , يلقى مسبحته فإذا هي دُنا صغيرة , وتسقط دمعته فإذا هي لؤلؤة , يقص الحق من خلف الأسوار , إلا أنه من بين أغصان الحزن , يرى العيد في كل يوم , يدق النصر مصارع الأبواب , يلون كل وجوه النرد بلون الحق والسلام , إلا أنه يرى النور في قافلة الصباح .. والمساء !!

 

إبراهيم الأزرق
سلوى المغربي
د. محمد بن إبراهيم الحمد
سليمان بن جاسر الجاسر
سليمان بن جاسر الجاسر