أي العمل خير ؟!
27 رمضان 1435
د. خالد رُوشه

البحث عن صالحات الأعمال هو شغل القلوب الصادقة , ومحور حياة النفوس النقية , فهي تدور عبر لحظات حياتها بين الخيرات من الاقوال والأفعال والنيات الطيبات , تبحث عن السنن والأوامر , وتبث المكرمات والفضائل .
لكن تساؤلا يطل براسه دوما على ذهن كل عامل من هؤلاء الصالحين , يسأله عن خير العمل ليجعله في بؤرة اهتمامه , ويوليه أكثر عطاء ويبتدىء به في كل مبادرة .
والحقيقة أن ديننا قد بصرنا بخير العمل عبر عدة منارات فكرية ..
فجعل خير الأعمال توحيد الله سبحانه , والإخلاص له عز وجل , وجعل خير الأقوال كلمة التوحيد , وهي ولاشك خير ما تنفق فيها الأوقات وتبذل فيها الأعمال , إذ هي مدار دعوة النبيين عليهم السلام أجمعين وهي العروة الوثقى وهي كلمة النجاة من عذاب الله سبحانه , إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم " خير ما قلت انا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله "
وعلمنا القرآن الكريم خير المقولات إذ قال سبحانه " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين .
وعن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ?: «خير الكلام أربع، لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر»
وفي الصحيح :" خيركم من تعلم القرآن وعلمه " و ويلحق بذلك تعلم العلم الشرعي وتعليمه بأصنافه فتعلم العلم من أفضل الأعمال .
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ? قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان...»
وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رجلا سأل النبي ?: أي الإسلام خير؟ قال: «تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف"
وفي رواية: عن صهيب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله ? يقول: «خيركم من أطعم الطعام ورد السلام»
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور.
ولهما عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله.
ولهما أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الأعمال أو العمل: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء الفقراء إلى النبي ? فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم: يصلون كما نصلي, ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموالهم، يحجون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون. قال: «ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة، ثلاثا وثلاثين» فاختفينا بيننا فقال بعضنا: نسبح ثلاثا وثلاثين، ونحمد ثلاثا وثلاثين، ونكبر أربعة وثلاثين، فرجعت إليه فقال: «تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين(مسلم ).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة... والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد - يعني مسجد المدينة - شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ـ ولو شاء أن يمضيه أمضاه ـ ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة ـ حتى يثبتها له ـ أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب: قضاء الحوائج، والطبرانيوغيرهما، وحسنه الألباني.

وقد ذكر أهل العلم أن اختلاف الروايات إنما جاء لاختلاف أحوال السائلين، فأجاب صلى الله عليه وسلم كل سائل بما هو أصلح له، علم بهذا أن الأفضلية تكون باختلاف الأوقات والأحوال والأشخاص
فخير العمل في كل وقت هو واجب الوقت المطلوب منه , ففي وقت الصلاة خير العمل هو الصلاة وفي وقت الذكر خير العمل هو الذكر وفي وقت الصيام خير العمل هو الصيام وفي وقت الحج خير العمل هو الحج , فليست الأعمال بمشقتها ولا بكثرتها مع ضياع النية , ولا بأشكالها مع ضعف الإخلاص و ولكن بمناسبتها تبعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وبقيمتها وإخلاصها وأثرها والمأمور فيها .

وهناك توجيه حسن نبه إليه أهل العلم والفضل في خير العمل على مستوى الإنجاز والأثر النفسي والتربوي إذ قالوا إن خير الأعمال ما أكرهت عليه النفس , والحقيقة أنه لا خلاف في كل ما سبق باعتبار تصنيف كل عمل من حيث الأفضلية في الثواب أو الأفضلية في الأثر أو الأفضلية في غيره ..
وقد بين أهل العلم تلك المعاني بوجه متفرد ثمين ..
فقال في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي: قال الحافظ: محصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال، لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن أفضل ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المطلق، أو المراد من أفضل الأعمال فحذفت من وهي مرادة. انتهى.
وقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام:
وقد اختلفت الأحاديث في فضائل الأعمال، وتقديم بعضها على بعض، والذي قيل في هذا: إنها أجوبة مخصوصة لسائل مخصوص، أو من هو في مثل حاله، أو هي مخصوصة ببعض الأحوال التي ترشد القرائن إلى أنها المراد، ومثال ذلك: أن يحمل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: ألا أخبركم بأفضل أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم؟. وفسره بذكر الله تعالى على أن يكون ذلك أفضل الأعمال بالنسبة إلى المخاطبين بذلك، أو من هو في مثل حالهم، أو من هو في صفاتهم، ولو خوطب بذلك الشجاع الباسل المتأهل للنفع الأكبر في القتال لقيل له "الجهاد" ولو خوطب به من لا يقوم مقامه في القتال ولا يتمحض حاله لصلاحية التبتل لذكر الله تعالى، وكان غنياً ينتفع بصدقة ماله لقيل له "الصدقة" وهكذا في بقية أحوال الناس، قد يكون الأفضل في حق هذا مخالفاً في حق ذاك، بحسب ترجيح المصلحة التي تليق به. انتهى.
وقال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في (مدارج السالكين) ما ملخصه :
أهل مقام (إياك نعبد) لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار والتخصيص أربع طرق، فهم في ذلك أربعة أصناف:
ـ الصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها أشقها على النفوس وأصعبها.
ـ الصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا.
ـ الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعد، فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء، والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل.
ـ الصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن. والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب. وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل. والأفضل في أوقات السحر الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار. والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل الإقبال على تعليمه والاشتغال به. والأفضل في أوقات الأذان ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذن. والأفضل في أوقات الصلوات الخمس الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه والمبادرة إليها في أول الوقت والخروج إلى الجامع وإن بعد كان أفضل. والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال الاشتغال بمساعدته وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك. والأفضل في وقت قراءة القرآن جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه حتى كأن الله تعالى يخاطبك به... والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك. والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبد لا سيما التكبير والتهليل والتحميد فهو أفضل من الجهاد غير المتعين. والأفضل في العشر الأخير من رمضان لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء. والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته عيادته وحضور جنازته وتشييعه وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك. والأفضل في وقت نزول النوازل وأذية الناس لك أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم دون الهرب منهم؛ فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه. والأفضل خلطتهم في الخير فهي خير من اعتزالهم فيه، واعتزالهم في الشر فهو أفضل من خلطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فخلطتهم حينئذ أفضل من اعتزالهم. فالأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه. وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد، فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته، فهو يعبد الله على وجه واحد، وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت، فمدار تعبده عليها فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى .. اهـ. إلى آخر ما قال رحمه الله.

إبراهيم الأزرق
سلوى المغربي
د. محمد بن إبراهيم الحمد
سليمان بن جاسر الجاسر
سليمان بن جاسر الجاسر