العبرة بالخواتيم والقبول
30 رمضان 1435
د. عامر الهوشان

لا يقتصر تطبيق هذه القاعدة الإسلامية الذهبية على شهر الصيام والقيام فحسب , بل يشمل جميع العبادات والطاعات التي يقوم بها المسلم تنفيذا لأمر إلهه وخالقه سبحانه , سواء أكانت فرضا أو سنة ونافلة . ونظرا لخطورة هذا الأمر وأهميته في الإسلام , فإن العلماء والدعاة يركزون على هذه القاعدة ويذكرون بها المسلمين في كل مناسبة , ولعل من أهم هذه المناسبات شهر رمضان المبارك وما بعده , الذي قد يغفل فيه بعض المسلمين - وخصوصا في أواخره - عن العبادة والطاعة , لينصرفوا إلى الأسواق استعدادا لاستقبال عيد الفطر السعيد , ناهيك عن غفلتهم عن تلك القاعدة بعد انتهاء الشهر الفضيل , حيث ينصب اهتمام جل المسلمين على العمل , دون أن ينتبهوا إلى الغاية العظمى منه ألا وهي القبول . وإذا كان كثير من الدعاة يذكرون المسلمين بضرورة الإكثار من العبادة والطاعة في العشر الأخير من رمضان , نظرا لاشتمالها على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر , فإن مدى الاستجابة لهذا التذكير قد يستمر عند البعض إلى ليلة السابع والعشرين من هذا الشهر الكريم , لينتهي الشهر بعد تلك الليلة عمليا في نظر كثير من المسلمين , ويظهر ذلك عمليا من خلال قلة عدد المصلين في ليلة الثامن والعشرين والتاسع والعشرين , رغم احتمال أن تكون ليلة القدر في إحداهما . ولعل من أعظم الأحاديث التي تذكر المسلم بأن العبرة بالخواتيم والقبول , وليس بمجرد العمل الصالح في البدايات دون تحقق القبول , ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عَنْ سَهْلٍ قَالَ : ( الْتَقَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَاقْتَتَلُوا فَمَالَ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى عَسْكَرِهِمْ , وَفِي الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا فَضَرَبَهَا بِسَيْفِهِ , فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَا أَجْزَأَ أَحَدٌ مَا أَجْزَأَ فُلَانٌ . فَقَالَ : ( إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) فَقَالُوا : أَيُّنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ ؟! فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ لَأَتَّبِعَنَّهُ , فَإِذَا أَسْرَعَ وَأَبْطَأَ كُنْتُ مَعَهُ , حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نِصَابَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ , فَجَاءَ الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ . فَقَالَ : (وَمَا ذَاكَ ) فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة ) صحيح البخاري برقم /4209 نعم ... قد يعمل بعض الناس أعمالا طيبة وصالحة فيما يبدو للناس , ولكنها مشوبة بالرياء أو ما شابه ذلك من الأمراض القلبية الخفية التي لا يطلع عليها إلا الله سبحانه , والتي تفسد العمل وتذهب بثوابه وأجره عند الله , وتجعله هباء منثورا غير مقبول ولا مأجور . ولعل من أخطر الأحاديث التي تشير إلى هذا الأمر , ما ورد في الحديث الصحيح عن ابي هريرة رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ( أول الناس يدخل النار يوم القيامة ثلاثة نفر : يوتى بالرجل أو قال بأحدهم فيقول : رب علمتني الكتاب فقرأته آناء الليل والنهار رجاء ثوابك فيقال : كذبت إنما كنت تصلى ليقال إنك قارئ مصل وقد قيل اذهبوا به إلى النار . ثم يوتى بآخر فيقول : رب رزقتني مالا فوصلت به الرحم وتصدقت به على المساكين وحملت ابن السبيل رجاء ثوابك وجنتك فيقال : كذبت إنما كنت تتصدق وتصل ليقال إنك سمح جواد وقد قيل اذهبوا به إلى النار . ثم يجاء بالثالث فيقول : رب خرجت في سبيلك فقاتلت فيك حتى قتلت مقبلا غير مدبر رجاء ثوابك وجنتك فيقال : كذبت إنما كنت تقاتل ليقال إنك جرئ شجاع وقد قيل اذهبوا به إلى النار ) المستدرك للحاكم برقم 111 وقال : هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه . وإذا انتقلنا إلى مسألة قبول الطاعات والعبادات فإننا ندخل في الحقيقة في صلب الفهم الخاطئ الموجود لدى بعض المسلمين , الذين يظنون أن القيام بالطاعة والعبادة هو نهاية الأمر وغايته , غافلين عن أن قبول الله لهذه العبادات هي الغاية المرجوة التي يتحصل من خلالها على الثواب والأجر والجزاء . ولعل من أكثر العلامات والإشارات الدالة على قبول الله تعالى لصيام العبد المسلم وقيامه , هو استمراره ومواظبته على طاعة الله تعالى وعبادته , والتزام أوامره واجتناب نواهيه بعد انتهاء رمضان , تماما كما كان في شهر الصيام . فإن أراد المسلم أن يتيقن من قبول الله لطاعته وعابدته في رمضان من عدمه , فلينظر لحاله مع الله تعالى بعد رمضان , فإن رأى من نفسه الإقبال على الطاعة والعبادجة وفعل الخير , فهي بشارة له بقبول الله تعالى لصيامه وقيامه , وإن رأى من نفسه الارتداد إلى المعصية والانحراف عن منهج الله بعد رمضان , فهي نذير شؤم بعدم القبول عند الله تعالى . لقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم إذا خرج رمضان يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم صيام رمضان وقيامه , نظرا لفهمهم أهمية قبول الطاعات والعبادات , وعلى الرغم من اجتهادهم في إتمام العمل و إكماله و إتقانه , إلا أنهم بعد كل هذا يخافون من رده ويدعون الله بقبوله ، و كانوا إذا فعلوا العمل الصالح وقع عليهم الهم ، أيقبل منهم أم لا , ولذلك ورد عنهم الأثر المشهور : "كونوا لقبــــــــــول العمــل أشد اهتماماً منكم بالعمــل " . وفي ذلك يقول أبي الدرداء رضي الله عنه : " لأن استيقن أن الله تقبل مني صلاة واحدة أحب إليّ من الدنيا و ما فيها إن الله يقول : " إنما يتقبل الله من المتقين" , ويقول فضالة بن عبيد : " لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلي من الدنيا و ما فيها لأن الله يقول " إنما يتقبل الله من المتقين " . فانظر أخي وراقب ما تفعل بعد شهر الصيام , واحرص على أن تجني ثمرة الصيام التي أخبرنا الله تعالى بها بقوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة/183

إبراهيم الأزرق
سلوى المغربي
د. محمد بن إبراهيم الحمد
سليمان بن جاسر الجاسر
سليمان بن جاسر الجاسر