شئون العاملين .. أعناوين زائفة ؟!
6 شعبان 1436
د. خالد رُوشه

هو اسم معلوم لكل عامل في مؤسسة , ومشهور لكل إداري , وهي مادة تدرس في كليات التجارة وكليات العلوم الإدارية وغيرها .. لكنه في الحقيقة يكاد أن يكون اسما بلا مسمى , وعنوانا بلا حقيقة , وقسما بلا أثر في كثير من بلادنا !

 

العمل الموكول عادة لأقسام شئون العاملين , هو متابعة شئون العاملين الخاصة , وظروفهم الذاتية , وأحوالهم الاجتماعية , وما يتعلق بذلك من مشكلات وآلام , وكذلك شكاوى العمل وصعوباته , ومشكلات العاملين أثناء تأدية عملهم , وإزالة ما ينتج بينهم من شحناء أو بغضاء أو صراعات ..هذا هو المعلن عنه من الدور المراد !

 

لكن الواقع المرير يقول أن الدور الفعلي الذي تقوم به تلك الأقسام هو الاهتمام بالشأن الإداري للعاملين فحسب , وأعني به الأجازات , والعقوبات , والترقيات , ومثاله , وهي أمور خاصة بالشأن الإداري الخالص , وبالتالي تتحول تلك الأقسام الى أقسام إدارية جافة لا تهتم بأية خصوصيات للعاملين .

 

وبرغم أن شكاوى العاملين في بلادنا لا تنتهي , فإنك ترى قسم شئون العاملين في مؤسساتنا هو أقل الأقسام انشغالا , وأكثرها فراغا وراحة , إذ إن المطلوب منه من عمل يؤدى سريعا , ولايستغرق وقتا ولا جهدا ! على الجانب الآخر تجد كثيرا مما يؤلمك ويحزنك من شكاوى العاملين في بلادنا , من إهمالهم على مستويات عدة, فلا تقدير للتميز ولا للكفاءة , إلا في القليل النادر , ولا رعاية للآلام النفسية التي يمكن أن يعاني منها العامل , ولا تقدير لآرائه في العمل ومشكلاته , بل ولا مكافأة عادلة لجهده واثره , ثم نتساءل بعد ذلك عن ضعف المنتج , وغياب الإتقان , وقلة العطاء !

 

 

الإتقان هو مطلب أساس من مطالب الإسلام في العمل والانتاج , " إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه " (1) والاتقان بالاصالة يعتمد على الأفراد العاملين وكفاءتهم وقدرتهم على الوصول لأفضل نتيجة , وهو بلاشك مرتبط بحبهم للعمل , وحل مشكلاتهم التي تعترضهم أثنائه , ورعاية شئونهم الذاتية عن طريق المتابعة والدعم .

 

 

والعدل كذلك مطلب اساس من مطالب الإسلام , وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فيما يخص حقوق العمال في اكثر من موقف ومنها قوله صلى الله عليه وسلم " “مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ”. فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ فقال: “وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ” (2) , وفي الحديث القدسي :" “قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ…وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ” " (3)

 

 

وكذلك الرحمة , والرفق بالعاملين , قال أنس رضي الله عنه : وَاللهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ مَا عَلِمْتُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ وَلاَ لِشَيْءٍ تَرَكْتُ: هَلاَّ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا " (4) , ويقول صلى الله عليه وسلم (ولا تكلفوهم ما لا يطيقون) (5)

 

 

فعن ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنتُ أخدم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي النبي  صلى الله عليه وسلم : “يَا رَبِيعَةُ، أَلاَ تَتَزَوَّجُ؟” قال: فقلتُ: لا والله يا رسول الله، ما أريد أن أتزوَّج؛ ما عندي ما يُقيم المرأة، وما أحبُّ أن يشغلني عنك شيء. قال: فأعرض عنِّي، ثم قال لي بعد ذلك: “يَا رَبِيعَةُ، أَلاَ تَتَزَوَّجُ؟” قال: فقلتُ: لا والله يا رسول الله، ما أريد أن أتزوَّج، وما عندي ما يُقيم المرأة، وما أحبُّ أن يشغلني عنك شيء. فأعرض عنِّي. وقال:ثم راجعتُ نفسي، فقلتُ: والله يا رسول الله أنت أعلم بما يُصلحني في الدنيا والآخرة. قال: وأنا أقول في نفسي: لئن قال لي الثالثة لأقولن: نعم. قال: فقال لي الثالثة: “يَا رَبِيعَةُ، أَلاَ تَتَزَوَّجُ؟” قال: فقلتُ: بلى يا رسول الله، مُرْنِي بما شئتَ، أو بما أحببت. قال: “انْطَلِقْ إِلَى آلِ فُلانٍ”. إِلى حيٍّ من الأنصار (6)

 

هذه هي توجيهات ديننا الحنيف وهذا هو سبيل رسولنا صلى الله عليه وسلم , ذلك السبيل الذي جعل أحد العاملين عنده ( زيد ) يرفض العودة إلى أهله وذويه , ويفضل على ذلك البقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ..

 

إن ابتعادنا عن منطلقات ومبادىء وقيم وأوامر ديننا سبب رئيس في تدهور إنتاجيتنا وتخلفنا عن ملاحقة الشعوب المتقدمة , تلك الشعوب التي صارت مضربا للمثل عندنا في حقوق العاملين وشئونهم والاهتمام بها !!

-----------------------------

(1) أخرجه أبو يعلى والطبراني، وقد صححه الألباني في الصحيحة
(2) أخرجه مسلم
(3)  أخرجه البخاري
(4) أخرجه مسلم
( 5) رواه النسائي وابن ماجه
 (6) أخرجه أحمد

إبراهيم الأزرق
سلوى المغربي
د. محمد بن إبراهيم الحمد
سليمان بن جاسر الجاسر
سليمان بن جاسر الجاسر