من أرشيف الجوال (1)
28 جمادى الأول 1437
د. عمر بن عبد الله المقبل

لا يختلف اثنان في الأثر الذي أحدثه هذا الجهاز الصغير، الذي كان أوّل ظهوره وسيلةَ اتصال، ثم أضحى جهازاً تعلّقت به أعمالُ الكثير من الناس.

 

ولما ابتليتُ باستقبال أسئلة الناس صوتيةً ومكتوبة؛ صار مخزونُ الذاكرة عندي وفي جهازي يحملُ عدداً كبيراً من الرسائل التي تصل إلى حدّ التباين في مضمونها أو أسلوبها..بعضها طريف، وبعضها محزِن، وبعضها مشجّع، وبعضها ناصح ومذكّر، وبعضها واعظ..فاجتمع من ذلك رصيدٌ أحببتُ أن أفرّقه في بعض المقالات، لأُشْرِكَ القراءَ الكرام معي في الدروس التي يمكن استفادتها من هذه الرسائل في التعامل مع الناس.

 

لقد تعلّمتُ ـ وما أزال ـ أن مَنْ خالط الناسَ - ولو كانت خلطته "خلطةً آلية" أو "إلكترونية"- فلا بد أن يوطّن نفسَه على الصبر على الأذى، وهو شيء متيَقَّن لا متوقَّع، وهؤلاء المُؤْذونَ وإن كانوا يكدّرون صفو الإنسان ـ خاصة في بدايات التعامل معهم ـ إلا أنهم يعطونه دروسًا في الصبر، فإن لم يتعلم هذا الدرسَ فسينسحب من ميادين العطاء مبكّرا..وهنا يستذكر الإنسانُ ذلك الحديث المشهور، الذي يُقرِّر سنةً من السنن الإلهية في المخالطة: "المؤمن الذي يخالط الناسَ ويصبر على أذاهم، أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"([1]).

 

تتنوع صورُ هذا الأذى والرهق، ما بين عبارات نابية وخشنة جداً، بل قد تصل إلى اللعن والدعاء عليك بالنار! وما بين اتصالات متتابعة قد تصل إلى أكثر من ثلاثين اتصالا في ساعة واحدة، وقد يصحبها رسائلُ تؤكد خطورةَ السؤال وأهميته، وأنه (ضرووووووووووررررررري)! ـ هكذا كتبها أحدُهم ـ، وإذا بالأمر لا يستحق ذلك قطعًا، بل يمكن تأجيلُه عدَّةَ أيامٍ وليس ساعات فقط، ولكن لا بد من الصبر.

 

ومن ذلك: الاتصال في ساعاتٍ متأخرة من الليل، وما يصحبُها من لومٍ وعتابٍ لماذا لا ترد؟! وكأنه يُفترض من طالبِ العلم أو الشيخ أن يكون مستيقظًا أربعة وعشرين ساعة ليَرُد!

 

ومن ذلك أن يتحول المتَّصِل ـ الذي هو في الأصل مستفتٍ يطلب الجواب ـ إلى مجادِلٍ ومجانفٍ لما ينبغي أن يكون عليه السائلُ من الأدَب مع مَنْ قصدَه بالسؤال؛ فأتذكر مرةً أن رجلا اتصل في الحج يَستفتي عن مسألةِ دفع الأضحية لتُذبح في الخارج؟ فابتدأتُ جوابي بأنه إذا لم تكن عندك إلا هي فلا ينبغي إخراجُها، وإن كان لديك...فلم أستكمِل جوابي حتى قال لي: أنا ما سألتك حتى تقول لي: عندك ولا ما عندك! جاوبني: حلال ولا حرام!

 

أرشيف الرسائل والاتصالات يُسْمِعك من السائلين ما يتصدّع له الفؤاد، ويَندى له الجبين..هذا بيتٌ يشكو تسلّط عائلٍ جائر، وآخر يئن من تورطِ كاسِبهم بالمخدرات، وزوجةٌ تشكو ضربَ وتعنيف زوجِها، وأُمّاً تشكو عقوقَ ابنها الشديد..في سلسلة من المصائب والآلام التي تحرّك لسانَك بالشكر لله تعالى على نعمةِ العافية.

 

ومع هذا كلّه فأرشيف الجوال يحمل في طياته الكثيرَ من الخير، بل هو الغالب على الناس ولله الحمد، فكم أفادني شخصيًا في مراجعةِ حديث، أو تحريرِ مسألة، أو التثبّت من قول، وغيرها من الفوائد الجليلة!

 

لا تَسلْني عن مشاعري حينما أكونُ سبباً في تفريج كربةِ سائلٍ بجوابٍ يسير عن شيءٍ كان يظنه عظيمًا!

 

ولا تسلْني عن الفرح الذي يَغشى القلبَ حينما أسمع دعواتٍ صادقة من سائلٍ شعَر أنك فتحتَ له صدرَك، واستمعتَ لكل أسئلتِه التي كانت تشكّل همّاً بالنسبة له.

 

من الرسائل التي لا يزال صداها في ذهني: أنَّ أحدَهم اتصل يسأل عن كيفية الخلاص من الكبائر التي يقع فيها؟ ونظراً لخبرتي المحدودة بأسئلة الناس فإنني أطلب منهم تحديدَ بعض هذه الذنوب ـ وأنا لا أعرف السائلَ بالتأكيد ـ لأن بعضَهم يظن أنها كبيرةٌ وليست كذلك، فقال لي بالحرف الواحد: "سألني عمرُ عن ذنوبي؛ فسالتْ عَبرتي حياءًا منه، فكيف بتقرير الله لي؟!" فوالله لقد وعظني برسالته وهو لا يشعر! إي والله.. فكيف بسؤال الله لنا عن ذنوبنا التي نستتر بها، ونحن يومئذ كما قال ربنا: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾[الحاقة: 18].

 

_______________________

([1]) أخرجه أحمد ح(5022)، والترمذي ح(2507)، وابن ماجه ح(4032)، وحسن ابن حجر إسناد ابن ماجه في الفتح(10/ 512)..

 

* المصدر: الموقع الرسمي للأستاذ الدكتور عمر بن عبد الله المقبل