من أجبر الروس على التراجع في إدلب؟
29 ربيع الثاني 1439
محمود عثمان

شنت قوات النظام السوري، مدعومة بالمليشيات الإيرانية، هجوما واسعا على المناطق الواقعة بين ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي. وتمكنت خلال فترة قياسية من السيطرة على مساحات واسعة، بعد الانسحاب المريب لقوات هيئة تحرير الشام (النصرة سابقا)، مما دفع بعض فصائل الجيش الحر إلى اتهام الهيئة بعقد صفقة مع قوات النظام؛ يتم بموجبها تسليم مطار أبو الظهور الاستراتيجي للنظام!

 

لكن فصائل المعارضة، بعد تلقيها الدعم اللازم قامت بهجوم معاكس، استطاعت من خلاله استعادة المناطق التي استولى عليها النظام، مضيفة إليها مناطق أخرى. كما تمكنت من إبعاد قواته عن محيط مطار أبو الظهور لمسافة تزيد على عشرة كيلومترات.

 

الهجوم الثلاثي الروسي الإيراني الأسدي العنيف على الغوطة الشرقية وريفي حماة وإدلب، وهي بالمناسبة مناطق خاضعة لاتفاقية "خفض التصعيد"، ألقى بظلال من الشكك حول التزام طرف روسيا - إيران - النظام؛ بما تم إقراره والاتفاق عليه في اجتماعات أستانا، وحقيقة اتفاقية "خفض التصعيد" التي انبثقت عنها. كما أظهر للعيان البون الشاسع في الخلاف بين الأطراف الضامنة للاتفاق حول تفسير بنوده. إذ يختلف التفسير الروسي عن التفسير الإيراني عن التفسير التركي؛ ابتداء من تعريف ما هي التنظيمات الإرهابية، وليس انتهاء عند حدود وآليات مراقبة تطبيق ما تم الاتفاق عليه. فبينما ينظر الروس والإيرانيون إلى جميع فصائل الجيش الحر على أنها تنظيمات إرهابية مارقة، تعترف تركيا بجميع هذه الفصائل على أنها شرعية أفرزتها الثورة السورية، وهذه الفصائل هي التي تحمي المدنيين السوريين من توحش النظام ومليشياته.

 

 

وبينما يعمد الروس إلى استخدام القوة بالقدر الذي يمكنهم من تحقيق أجندتهم في سوريا، يرفض الإيرانيون إيقاف الحرب. إذ يعتقدون أنهم قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الحسم العسكري، وهزيمة المعارضة السورية تماما. وهذا ما يدفعهم لإبرام الاتفاقات السرية مع تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" لتحييدهما، بهدف شن هجوم شامل على آخر معاقل الجيش الحر في جبهات إدلب والغوطة الشرقية وريف حماة.

 

المعارك الأخيرة أثبتت أن الخلاف بين الروس والإيرانيين، ليس على صعيد الأهداف والأجندات وحسب، بل على من تكون له الكلمة الأخيرة في القرار السوري. إذ تثبت الأحداث يوما بعد يوم أن الروس غير قادرين على فرض إرادتهم على الإيرانيين الذين يملكون القوات المحاربة على الأرض، بينما يقتصر الوجود الروسي على الجو فقط، باستثناء بضع وحدات من الشرطة العسكرية، وبالتالي حسم المعركة عسكريا سيبقىبيد الطرف الإيراني تحديدا؛ لأن المعارك تحسم برا لا جوا.

 

الطرف التركي؛ اعتبر الهجوم الأخير على إدلب خرقا صارخا لاتفاقات أستانا، وتدميرا للمسار السياسي برمته، وتهديدا للأمن الاستراتيجي التركي. لذلك، جاءت تصريحات المسؤولين الأتراك من أعلى المستويات قوية منددة ومستنكرة لهذا الهجوم، مما تسبب في تراشق سياسي بين الروس والأتراك.

 

وتيرة التراشق وصلت إلى درجة اضطرت معها وزارة الخارجية التركية لاستدعاء كل من سفيري روسيا وإيران، لتبلغهما احتجاج تركيا على التصعيد الأخير، والهجوم على الغوطة الشرقية وريفي إدلب وحماة، مطالبة بلديهما بتحمل مسؤوليتهما كطرفين ضامنين للاتفاقات، بالضغط على النظام السوري من أجل إيقاف عدوانه.

 

القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية الروسية في سوريا؛ من طرفها قالت: "على تركيا أن تعي تماما أن الهجوم الذي تشنه القوات الحكومية بدعم من القوات الجوية الروسية في منطقة خفض التصعيد، لا يتنافى مع بنود الاتفاق التي لم تشتمل التنظيمات المتطرفة"، مضيفة: "يتعين على الجانب التركي إبداء مواقف واضحة تجاه التنظيمات المتطرفة الموجودة في سوريا".

 

مقابل ذلك، تحدثت مصادر في الرئاسة التركية بأن الرئيس رجب طيب أردوغان أبلغ نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في اتصال هاتفي يوم الخميس، بضرورة وقف هجمات النظام السوري على محافظة إدلب ومنطقة الغوطة الشرقية قرب دمشق، من أجل نجاح قمة سوتشي وعملية أستانا.

 

هذا التراشق لم يتوقف إلا بعد الاتصال الهاتفي بين رئيسي البلدين أردوغان وبوتين.فالرئيس الروسي بوتين، الذي لا يملك خيار خسارة تركيا قبيل مؤتمر سوتشي، وهو يقفل ملف التراشق وتبادل الاتهامات، حاول إمساك العصا من الوسط بقوله: "إن كلا من روسيا وتركيا لا تستطيعان أحيانا التحكم بمناطق نفوذهما في سوريا"!

 

التصعيد العسكري الأخير في سوريا سبقته عملية استهداف القاعدة العسكرية الروسية في حميميم بالطائرات الموجهة عن بعد "درونز"، حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية، مؤخرا، عن إحباط هجوم باستخدام طائرات بدون طيار على قاعدة "حميميم" ونقطة دعم القوات البحرية الروسية بمدينة طرطوس الساحلية السورية. وقد ورد في بيان وزارة الدفاع الروسية: "رصدت وسائط الدفاع الجوي الروسية مع حلول الظلام، وعلى مسافة بعيدة عن حميميم، 13 هدفا جويا مجهول الهوية؛ كانت تقترب من أجواء المواقع الروسية في قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، شمال غربي سوريا.. 10 أهداف اتجهت نحو حميميم، فيما تابعت ثلاثة تحليقها باتجاه طرطوس، وقد استهدفتها وسائط الدفاع الجوي الروسية وصدتها جميعها".

 

الرئيس الروسي بوتين برأ تركيا من تهمة الوقوف خلف عملية استهداف قاعدة حميميم، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن روسيا لا شك لديها في أن هذا الهجوم المزدوج على قاعدتي حميميم وطرطوس قد تم إعداده بشكل جيد للغاية، وأكد علم بلاده بأين ومتى جرى تسليم هذه الطائرات المسيرة عن بعد، وكم بلغ عددها. لكن بوتين لم يسم تلك الجهات، ولو على سبيل التلميح!

 

واضح أن الصراع الدولي في سوريا ما يزال على أشده، حاملا في طياته الكثير من الأحداث المعقدة، والأسئلة الكثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: من يقف وراء استهداف قاعدة حميميم؟ وأنى للمعارضة السورية بهذه القدرة على التصدي للهجوم الثلاثي الروسي الإيراني الأسدي؟! وأين الأمريكان من جميع ما يحدث؟! أم أن أصابعهم الخفية هي من أجلست كلا على "جرنه" كما يقول السوريون؟!