هل ظُلم من ولد في بيئة كافرة!
19 رجب 1439
إبراهيم الأزرق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فيتساءل بعضهم عن مصير من ولدوا في بيئة كافرة، ولا عرفوا عن الإسلام شيئاً، وقد رأيت في ذلك أسئلة يصرح بعضهم بالشك فيها، ويقول: ما ذنبهم حتى يخلدوا في النار! بل رأيت من يثبت نحو هذا الهذيان تهمة على دين الإسلام!

 

وجوابه بتصحيح المفهوم على طريقة أهل السنة أولاً: فالمحققون منهم لا يقولون بأن الكافرين الذين ولدوا في بيئة كافرة، ولم يعلموا عن الإسلام، في النار بإطلاق! بل هم عندهم أنواع:

 

فمنهم من لم يعلم عن الإسلام شيئاً لانقطاع أسباب العلم عنه، كمن نشأ في أحراش بعيدة لم تخلص إليها الرسالة، فهذا لا يقال بأنه من أهل النار، بل هو من أهل الأعذار، حكمه حكم أهل الفترة على التحقيق، وإن كان في حكم الدنيا كافراً إذ لم يدخل في الإسلام، فلا يكفن ولا يغسل ولا يصلى عليه لو فرض العثور عليه ميتا قبل دعوته! وذلك لكونه ليس بمسلم وتلك حقوق المسلم، ومثل هذا لا يجوز أن يقاتل قبل أن يدعى إلى الإسلام، ولا نقول هو في الآخرة من أهل النار! بل نقول ما قاله الله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15]، وأخبر أنه إنما يعذب من بعثت إليهم الرسل وعرضت عليهم الحجة: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) [ الملك]، وقال: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [ الزمر: 71 ]، وقال تعالى: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) [فاطر: 37]، وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [المائدة: 19]، وقال: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء: 165]، فكل هذه الآيات وغيرها تدل على أن الله تعالى لا يعذب أحداً قبل عرض الحجة الرسالية عليه.

 

وقد جاء من حديث الأسود بن سريع وأبي هريرة رضي الله عنهما بأسانيد جيدة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة.

 

فأما الأصم فيقول: رب، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا!

وأما الأحمق فيقول: رب، قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر!

وأما الهَرِمُ فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا!

وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول!

 

فيأخذ مواثيقهم ليُطِعنّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا"، وفي بعض طرقه، قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا).

 

أما إن كان عدم اهتداء الكافر إلى الإسلام، وجهله بتعاليمه، وتكذيبه به قد نشأ جراء استكباره أو إعراضه إيثاراً للعاجلة على ما جاءت به الرسل، وما بلغته الدعاة والنذر، المتوافرون القائمون بواجب الدعوة إلى الله سراً وجهراً، ليلاً ونهاراً، عبر كافة وسائل الاتصال والإعلام الممكنة! وهو مع ذلك مستكبر عن سماعهم أو معرض عن قولهم رغبة في الدنيا ومتعها، ورضا بها، واغترارا بحياته فيها، كما هو حال أكثر الكافرين اليوم، فلا عذر لمثل هذا، بل جهله بما يُعْرَض عليه جراء استكباره أو إعراضه ذنب آخر زيادة على الكفر، ولهذا توعد الله عز وجل في كتابه هذه الأصناف، وبين أن إعراضها الذي تسبب في جهلها لا ينفعها، كما في قوله: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأنعام]، (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الحجر]، وقال: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الشعراء]، وقال: (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا) [طه]، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: 124]، وقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) [السجدة: 22].

 

وفي سورة فصلت بين حال أكثر الناس مع كتاب الهداية؛ القرآن الكريم فقال تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ)، ثم بين بعد عاقبة هؤلاء المعرضين وضرب لهم مثلين فقال: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ)، بل قال الله تعالى مثبتاً جهل المشركين ذاماً لهم مع ذلك بسبب إعراضهم: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ) [الأنبياء: 24].

 

ومختصر القول: إن الله تعالى حكم عدل لا يُعذِّب من لم تبلغه الحجة أو بلغته وكان عنده عذر معتبر يمنع فهمها، من نحو المجنون والصبي والشيخ الهرم.

 

لكنه يعذب من بلغته وأعرض عنها وكذب بها استكباراً أو إيثاراً لدنياه وما هو فيه، فمثل هذا جمع إلى إثم التكذيب إثم الإعراض أو الإعراض والاستكبار، فلا يكون أهلاً للعذر.

 

وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أن أحكام الدنيا مبناها على الظاهر، وأما الأحكام الأخروية فإلى الله تعالى العليم بخبايا الأمور، وقد كلفنا العمل بعلمنا لا ما يعلم هو سبحانه.

 

ولهذا اختلف أهل العلم في الشهادة على المعين من الكفار الذين لا يظهر عذر له بأنه من أهل النار، مع حكمهم على نوعهم بأنهم من أهلها، لاحتمال وجود عذر خفي في ذلك المعين مرد قبوله من عدمه إلى الله تعالى، وهذا هو المختار، المنصوص عليه في أشهر عقائد أهل السنة، قالوا: لا نجزم لأحد بجنة ولا نار، نص على هذا المعنى الطحاوي وابن قدامة وابن تيمية وغيرهم في نقلهم لعقائد السلف.

فإذا علم ما تقدم زال الإشكال.

 

وهذه هي الطريقة المرضية في جواب الإشكال وللناس طرائق أخرى منها أن الحجة قائمة ببعثة الرسل، وبما أقامه الله عز وجل في الكون من دلائل ربوبيته، وبراهين توحيده، بالإضافة إلى ما غرسه في العقول والفطر، فهو في مؤاخذته ليس بظالم سبحانه.

ومنهم على خلاف ذلك يطلقون عذر من لم يفهم الحجة أو يعرف الإسلام ونحو ذلك مما يقوله كثير من المتأخرين، وينقلون فيه لأهل العلم أقولاً لم يحكموها تفهمها.

 

لكنها مع ذلك أقوال قد يعذر من صار إليها ولم يشكك في الدين! ولا في رب العالمين! بخلاف من حمل مقررات الشرع بهواه على غير ما يراه عدلاً ومن ثم شكك في الدين! فهذا الدافع له في الحقيقة إلى اختيار القول تشكيكه في الدين، وليس القول المقرر بالأدلة الشرعية هو المشكك له في الدين! بمعنى إن هذه القضية موضوع السؤال ليست بمسوغ للتشكيك في الدين، لكنها قد تكون عذراً في تبني أحد الأقوال التي تقدم ذكرها –لمن قصر علمه وضعف اجتهاده- مع البقاء على عقد الدين وأصله مستقراً راسخاً في النفس لدلائله المتظاهرة المبسوطة في كتب كثيرة.

والله هو الموفق وهو يهدي السبيل.

1 + 1 =