الأدوار العامة للوقف الإسلامي
16 شعبان 1439
عبد الله بن عبد اللطيف الحميدي

منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في الجملة سائرون على نهجه، متبعون لخطاه، ولقد رأى الصحابة رضي الله عنهم أن الأوقاف من أجلّ القربات والطاعات، ومن الأعمال الصالحات الباقيات إلى ما شاء الله - تعالى -ثم انقضى جيل الصحابة رضوان الله عليهم، وتوالت الأجيال بعدهم إلى يومنا هذا يأتمون بهم ويسيرون على نهجهم، فأبدعت حضارة الإسلام عبر القرون الأربعة عشر من الأوقاف النافعة على المستويات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية.
 

ولقد شمل الوقف في التاريخ الإسلامي كل الجوانب الحضارية المهمة من إقامة المساجد العامرة، والمكتبات، والبيمارستانات (المستشفيات)، والأسبلة، والآبار، والحمَّامات(1)، والمدارس وكان من أبرز أدوار الوقف رعاية الفقراء والمعوزين، وسداد ديون الغارمين، فكان الوقف تلبية لكل متطلبات المجتمع الإسلامي على جميع الأصعدة المختلفة.
 

 ففي الجانب الديني وجدنا للوقف دوره الذي لا يمكن إنكاره، فآلاف المساجد الموجودة في كل البلدان الإسلامية هي في الحقيقة أعيانٌ موقوفة أراد أصحابها من وقفها الخير والأجر والمثوبة.
 

 وفي الجانب العلمي وجدنا مئات المدارس الموقوفة لطلبة العلم من أجل تحقيق أغراض الواقفين، ورفعة شأن الأُمَّة الإسلامية في جانبها العلمي.
 

ومن الأوقاف العلمية البارزة ما كان يسمى بخزانات العلم وهي (المكتبات الوقفية) التي كان يوقفها السلاطين والعلماء ووجهاء البلدان وما تحويه من كتب نادرة ونفيسة.
 

وإليكم هذه القصة الفريدة لوقف نافع في مكة شرفها الله..وهي قصة امرأة مؤمنة من ثريات الهند تُدعى صولت النساء بيغام قامت ببناء مدرسة لتعليم العلوم الشرعية في حدود الحرم المكي وتعتبر هذه المدرسة أول مدرسة عربية نِظاميَّة بالبلد الحرام وبالحجاز كله.
 

قدِمت هذه المرأة الفاضلة سنة 1289 ه من مدينة "كلكتا"(2) بالهند حاجَّةً بيت الله الحرام، وكانت ترغب في إنشاء رباط تَقِفُه على الحجَّاج، وكان هذا النوع من الرباطات من أهم وأشهر الأوقاف المعروفة وقتئذٍ، لكنَّ أحد علماء الهند المقيمين في مكة وهو الشيخ محمد رحمت الله رحمه الله صرف نظرَها عن ذلك لكثرة الأربطة، مُقنعًا إياها بأهمية وأسبقيَّة بناء المدرسة، فبادرت المرأة بالتبرع بمالها، وفوَّضت الشيخ بشراء الأرض والإشراف على البناء وتم افتتاح المدرسة وانتقال الطلبة إليها عام 1291ه وأطلق على المدرسة اسم "الصولتية" وفاءً لذكرى هذه المرأة وتضم هذه المدرسة سكنا للطلاب الفقراء ومكتبة ضخمة وقد أوقف عليها أوقاف كثيرة ودرس بها وتخرج فيها عدد من القضاة والعلماء وأعيان مكة ولا تزال هذه المدرسة قائمة بفضل الله قال عنها الشيخ أحمد بن إبراهيم الغزاوي رحمه الله:

أُمَّ المدارسِ لا برحْتِ عظيمةً *** بالنورِ يَبزُغ من سَناكِ ويُنشَرُ
قد خلَّد التاريخُ عنك مآثرًا *** يزهو بها العِلمُ الصريح ويَفخَرُ
قد كنتِ أولَ معهدٍ باهَت بهِ *** أمُّ القُرى وهفا إليه الأكثَرُ
وتثقَّفتْ فيكِ الرجالُ على التُّقى *** والشرقُ في فَوضى الهَوى يَتدهْوَرُ
فامضي إلى الأهدافِ واسعةَ الخُطى *** فلأنتِ أحرى بالثَّناء وأجدَرُ(3)

 

كما كان للوقف أدواره الاجتماعية الكبيرة فساهم في توفير الاحتياجات الأساسية للمجتمع المسلم، فعفّ المسلمون بالوقف فقيرهم، وحصَّنوا أيِّمهم، وسدُّوا خلة محتاجهم، وأطعموا جائعهم وكسوا عاريهم، وداوَوْا مريضهم، وقاموا بذلك حق قيام.
 كما قام الوقف على مرّ عصور الإسلام بأدواره المتعددة في خدمة المجالات العسكرية كإنشاء المصانع وتوفير السلاح والعتاد للمجاهدين في سبيل الله ومفاداة الأسرى.

 

ولقد كان للوقف دوره البالغ وأثره الكبير في حماية حياض ديار الإسلام والدفاع عنها، وتأييد المجاهدين في سبيل الله والمنافحين عن سنة خير المرسلين صلى الله عليه وسلم.

نزعْنا السَّرجَ عن ظَهرٍ تعالى *** بعزَّةِ أمَّةٍ كانتْ مثالا
بها التاريخُ سلَّ المجدَ سيفاً *** لأجيالٍ تعشَّقتِ النضالا(4)

 

ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط بل تعداه إلى ما تغطية الحاجات الكمالية للمسلمين كالترفيه عن فقراء المسلمين، وتسليتهم، ومن غريب الأوقاف وأجملها (قصر الفقراء) الذي عمَّرَه في ربوع دمشق نور الدين محمود زنكي رحمه الله، فإنه لما رأى ذلك المنتزه مقصوراً على الأغنياء عزّ عليه ألا يستمتع الفقراء مثلهم بالحياة فعمّر القصر ووقف عليه قرية (داريّا) المشهورة في سوريا - عمَرها الله بالطاعة ورفع عنا وعنهم البلاء - وكانت داريّا أعظم ضياع الغوطة وأغناها وأكثرها شجراً وخضرة فكانت متنفساً جميلاً للفقراء والمحتاجين الذين لا يقدرون على أن يتنزّهوا بأموالهم.
 

وتمجيداً لعمل نور الدين محمود زنكي الذي عمَّرَ (قصر الفقراء) وجعله متنزهاً لهم أنشد في ذلك تاج الدين الكندي:

إنّ نور الدين لما أن رأى *** في البساتين قصور الأغنياء
عمَّر الربوة قصراً شاهقاً *** نزهة مطلقة للفقراء(5)

 

إن الوقف بهذا التصور العظيم كان من عوامل نهضة المسلمين وعزّهم وقوتهم، وعندما بدأت موجات الاستعمار تترا على أوطان المسلمين أدرك أعداء الدين ما لنظام الوقف الإسلامي من قوة في دعم المؤسسات العلمية والخيرية وتقدم الحضارة والثقافة الإسلامية، ومن ثمّ حاولوا جاهدين إلغاء الأوقاف في كثير من البلاد الإسلامية، فتسلطوا على الأوقاف التي كانت في مصر والعراق والشام وشمال أفريقيا وتركيا وغيرها من بلاد المسلمين وألغوا ما كتب فيها من مدونات ووثائق وأخفوها وتوازعوا أراضيها وأملاكها ووضعوا أيديهم عليها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
 

لذا كان على المسلمين:
•    نشر الثقافة الوقفية بين المسلمين وبيان أحكامها والتوعية بها وترغيب المسلمين فيها.

 

•    التحذير من الاعتداء على الأوقاف والاحتساب على من أكل أموالها بلا حق وتعدى عليها.
 

•    حماية الأوقاف وحفظها وسنّ الأنظمة المحكمة لإدارتها ونظارتها والقيام عليها.
 

•    الحرص على توثيق الأوقاف وتدوينها فهو أدعى إلى بقائها والمحافظة عليها من أيدي العابثين والمعتدين.
 

_______________________________

(1)مفرد حَمّام: وهو مكانٌ يُغْتَسل فيه، ينظر: (معجم اللغة العربية المعاصرة (1/567)).
(2)كلكتا مدينة هندية تقع شرق الهند،وكانت عاصمة الهند القديمة قبل نيودلهى حتى 1911.
(3) أنظر: مقال بعنوان: مدرسة "الصولتية" معلمة بجوار الحرم المكي، د. محمد سعيد صمدي، موقع شبكة الألوكة(http://ww.alukah.net).
(4) الأبيات لزاهية بنت البحر ولها ديوان مطبوع.
(5) ينظر:تاريخ دمشق، لابن عساكر.

11 + 1 =
محمد بن عثيمين رحمه الله
د. عبد الرحمن بن عوض القرني
د. ماھر الحولي و أ. سالم أبو مخدة
د. خالد بن سليمان المهنا