رخص المريض الشرعية المتعلقة بالصلاة وتطبيقاتها المعاصرة
16 محرم 1440
د. إسماعيل غازي مرحبا

إن الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه، من يَهدهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعد:
 

فقد كان لسيدِ الورى والحبيبِ المصطفى، صفاتٌ جاس الناسُ خلالَها، وتفيئوا ظلالَها، ومن أعظمها رحمتُه بالناسِ أجمعين، كما قال أرحمُ الراحمين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107].
 

وقد بدت آثارُ هذهِ الرحمةِ في شريعته، وظهرت أحكامُها على ملته، فنخس منها التشديد، وصار بينها وبينه بونٌ بعيد، وقد عَرف ذلك الغريبُ والقريب، وشهد به البغيضُ والحبيب، وعاش عليه الطفل حتى المشيب.
 

ولولا ما زرعه من كلّ مستريب وحاقد، وأصحاب منهجٍ ضال بائد، لما كانت حاجة إلى هذه الكتابة، ولا لهذا المؤتمر انعقاده، ولكنهم أخلبوا بصوغ اللسان، وأخدعوا بسحر البيان، فلم يكن بدّ من الرد، والتفصيل والسّرد، ليَرى كلُّ عالم أو جاهل أن ريحَهم لاقت إعصارًا، وجدولَهم صادف تيارًا، وليفتضح العاطل، ويتضح الحقُ من الباطل، وليُعلم أن ادعاء غير الرحمة في الإسلام دعوى رّذيلةِ، وقولٌ بالحشَفِ وسوء الكِيلَةِ.
 

أما محور كلامي، فهو في ثالث المباني: (الرحمة بالخلق في الإسلام من خلال الشعائر التعبدية، والتكاليف الشرعية)، ومَن نقد الأشياء بعين المعقول، وأنعم النظر في مباني الأصول، وجد الرحمة في تيكم الشعائر التعبدية ومختلف التكاليف الشرعية، فرعًا وأصلاً وجزءًا وكُلاً وقد تنوعت بين نصّ جلي، أو استنباط خفي، فمن ذلك من النصّ الواضح، والقول اللائح، من الكليات الجليات:
 

ما قال الله وله الشكر: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) البقرة: 185 ، وما قال لنا منبهًا: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) البقرة: 286
 

وقوله أيها البشر في حقكم:  (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ) النساء: 29، وقوله -وبه الفرج-: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) الحج: 78
 

علاوة على ما جاء في الكثير من الجزئيات وفيه النص على الرحمة، أو تدل عليها، لذلك يقول الشوكاني (ت 1250): (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) البقرة: 185 ، فيه أن هذا مقصد من مقاصد الرب سبحانه، ومراد من مراداته في جميع أمور الدين، ومثله قوله تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج } الحج: 78 (1)
 

ويقول ابن عاشور (ت 1393)لا جرم أن الله تعالى خص الشريعة الإسلامية بوصف الرحمة الكاملة. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى فيما حكاه خطابًا منه لموسى عليه السلام: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) الأعراف.
 

ففي قوله تعالى: (وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) إشارة إلى أن المراد رحمة هي عامة،فامتازت شريعة الإسلام بأن الرحمة ملازمة للناس بها في سائر أحوالهم وأنها حاصلة بها لجميع الناس لا لأمة خاصة(2).
 

ثم يقول رحمه الله: فأقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرحمة والرفق واليسر؛ قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) الحج: 78) ، وقال تعالى:(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) البقرة: 185
 

فلما كانت الرحمةُ مقصدٌ عظيم من مقاصد الله جل وعلا، وأن شريعة الإسلام أقيمت فيما أقيمت عليها، وأنها ملازمة للشريعة لا تنفك عنها، كان الاهتمام بهذا المقصد العظيم وتجليته ودفع الشبه المتعلقة به أمرًا في غاية الأهمية، ولعل هذا البحث يُلحق بذلك.

 

تمهيد: في مفهوم الرخصة وعلاقتها بالرحمة
الرخصة لغة مأخوذة من الرخص، وقال ابن فارس (ت 395): “الراء والخاء والصاد أصل يدل على لين وخلافِ شدٍة. من ذلك اللحم الرَّخص، هو الناعم. ومن ذلك الرُّخص: خلاف الغلاء. والرُّخصة في الأمر: خلاف التشديد. وفي الحديث:  «إن الله جل ثناؤه يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه»(1)“(2).

 

أما تعريف الرخصة في الاصطلاح، فقد عُرفت بعدة تعريفات منها:
•    "صرف الأمر من عسر إلى يسر بواسطة عذر في المكلف(3).
•    ما وسع للمكلف في فعله لعذر وعجز عنه، مع قياس السبب المحرم(4).
•    استباحة المحظور، مع قيام الحاظر(5).
•    ما شرع لعذر شاق، استثناء من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه(6).

 

والاختلاف في هذه التعريفات أمره سهل، وكما يقول ابن اللحام (ت803): والمعاني متقاربة(7).
 

ولعل من أجود تعاريف الرخصة، ما عرفها به بعض أهل الأصول من أنها هي: الحكم الشرعي الذي غُيّر من صعوبة إلى سهولة لعذر اقتضى ذلك مع قيام سبب الحكم الأصلي(8).
 

ولهذه الرخصة أشكال متعددة فصلها العلماء، وهي التي سنفصلها في مباحث هذا البحث إن شاء الله.
 

من خلال ما سبق من تعريف للرخصة يتضح كلياً علاقتها بالرحمة؛ فلولا الرحمة بالخلق في الإسلام في التكاليف الشرعية لم يُغيّر الحكم الشرعي، والذي هو في أصله متضمن للرحمة ليسره وسهولته، ومع ذلك لما يطرأ على المكلف من عذر مرضٍ أو سفر أو نحوهما، فقد جاءت الشريعة الإسلامية بالتخفيف والتغيير بما يتناسب مع حال المكلف رحمة به وتيسيراً عليه.
 

وأجد أنه من المناسب أن أنقل هنا بعض نصوص العلماء التي جاء فيها النص على الرحمة من خلال حديثهم عن بعض الرخص:
يقول الإمام الطبري (ت310): "وأما قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:3]، فإن معناه: فإن الله لمن أكل ما حرمت عليه بهذه الآية أكله، في مخمصة، غير متجانف {غَفُورٌ رَحِيمٌ}، يقول: يستر له عن أكله ما أكل من ذلك، بعفوه عن مؤاخذته إياه، وصفحه عنه وعن عقوبته عليه {رَحِيمٌ}، يقول: وهو به رفيق، ومن رحمته ورفقه به، أباح له أكل ما أباح له أكله من الميتة وسائر ما ذكر معها في هذه الآية، في حال خوفه على نفسه من كَلَب الجوع وضُرِّ الحاجة العارضة ببدنه"(9).

 

بل ذُكر ذلك عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "غفر الله له ما أكل مما حرم عليه حين اضطر إليه، ورحيم بأوليائه حيث أحل لهم ما حرم عليهم في المخمصة إذا اضطروا إلى أكلها"(10).
 

ويقول الإمام القرافي (ت684) في الرد على من أوجب على الحائض الصوم مع تأثيمها لو صامت وقت الحيض: "وهذا لم يعهد في الشريعة أصلاً، ونحن وإن جوزناه على الله تعالى من باب تكليف ما لا يطاق، فنحن نقطع بأن الشريعة لم ترد بهذا الجائز، بل بالرحمة وترك المشاق والتيسير والإحسان"(11).
 

ويقول الإمام الطوقي (ت716) في رخصة أكل المضطر للميتة: "أما من جهة الرخصة: فمن حيث يسر الله سبحانه وتعالى على المكلف، وسهل عليه، وسامحه في أداء العبادة مع الحدث المانع، ولم يشق عليه بطلب الماء حيث يتعذر أو يشق، ولم يأمره بإعادة الصلاة إذا صلاها بالتيمم، وحيث سامحه في استبقاء نفسه بأكل الميتة، ولم يشق عليه بإيجاب الصبر عنها حتى يموت، ولهذا قال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:3]، إشارة إلى أن إباحة المحرم في المخمصة رحمة منه لهم"(12).
 

وأختم هنا قائلاً: بأن الرحمة في التيسير على الخلق مضبوطة بضوابط الشريعة، وملجومة بما جاء فيه من أحكام منيعة، ليست موكولة إلى هوى المكلف، ينسلخ من أحكام الشرع ويتفلت، مدعياً بدعوى الرحمة، أو متستراً بستار التيسير والتخفيف، إذ ما جاء في الشريعة من تخفيفات وما كان فيها من ترخيصات، هو العدل والوسط، لا إفراط فيه ولا شطط، كما سيتبين معنا في الأمثلة والتطبيقات التي سنتناولها في المباحث الآتية بإذن الله تعالى.
 

المبحث الأول: رخصة الإسقاط بسبب المرض:
قال الإمام عز الدين ابن عبد السلام (ت660): "فصل في بيان تخفيفات الشرع، وهي أنواع: منها تخفيف الإسقاط: كإسقاط الجمعات والصوم والحج والعمرة بأعذار معروفات"(13).

 

وقال الإمام السيوطي (ت911): "الفائدة الثانية: قال الشيخ عز الدين: تخفيفات الشرع ستة أنواع: الأول: تخفيف إسقاط: كإسقاط الجمعة والحج، والعمرة، والجهاد بالأعذار"(14).
 

وقال الإمام ابن نجيم (ت970): "تخفيفات الشرع أنواع: الأول: تخفيف إسقاط: كإسقاط العبادات عند وجود أعذارها"(15).
فنجد هنا في رخصة الإسقاط أن الحكم الشرعي من وجوب العبادات غُيّر من الصعوبة إلى السهولة بإسقاطها عن المكلف لعذر اقتضى ذلك مع قيام سبب الحكم الأصلي، كما في الأمثلة المذكورة في نصوص العلماء التي ذكرناها.

 

ومن الأمثلة المتعلقة بالمريض: إسقاط وجوب حضور الجمعة عن المريض إذ كان إلزامه بحضورها حالة مرضه فيه مشقة عليه.
 

وهذا الحكم وهو إسقاط وجوب حضور الجمعة على المريض متفق عليه بين الفقهاء، قال ابن رشد (ت595) في كلامه عن شروط الجمعة: "أما المتفق عليهما: فالذكورة، والصحة، فلا تجب على امرأة، ولا على مريض باتفاق، ولكن إن حضروا كانوا من أهل الجمعة"(16).
 

وهذا المريض المقصود هو الذي يزيد حضوره الجمعة من مرضه، وألحق الفقهاء بالمريض: من يقوم عليه ممن يمرضه ومن يعوله إذا كان لا بد منه، وهذه نصوص الفقهاء التي تشير لذلك:
 

قال المرغيناني (ت593) في الهداية: "(ولا تجب الجمعة على مسافر ولا امرأة ولا مريض ولا عبد ولا أعمى)؛ لأن المسافر يُحرج في الحضور، وكذا المريض والأعمى، والعبد مشغول بخدمة المولى، والمرأة بخدمة الزوج فعذروا، دفعاً للحرج والضرر"(17).
 

وقال الشيخ الدردير (ت1201) في أعذار ترك الجمعة: "(ومرض) يشق معه الإتيان وإن لم يشتد.
 

(وتمريض) لأجنبي ليس له من يقوم به وخشي عليه بتركه الضيعة أو لقريب خاص كولد ووالد وزوج، فعذر مطلقاً وغير الخاص كالأجنبي فلا بد من القيدين فيه"(18).
 

وقال العمراني (ت558): "ولا تجب الجمعة على المريض؛ لحديث جابر(19)، ولأنه يشق عليه القصد إلى الجمعة، فلم تجب عليه... والأعذار التي ذكرناها أنها أعذار في ترك الجماعة، هي أعذار في ترك الجمعة، فلا تجب الجمعة على خائف على نفسه أو ماله، ولا على من في طريقه مطر، ولا على من له مريض يخاف ضياعه"(20).
 

وقال المرداوي (ت885): "قوله (ويعذر في ترك الجمعة والجماعة المريض) بلا نزاع، ويعذر أيضاً في تركهما لخوف حدوث المرض"(21). ثم قال: "فائدة: ويعذر أيضاً في تركها لتمريض قريبه، ونقل ابن منصور فيه: وليس له من يخدمه، وأنه لا يترك الجمعة، وقال في النصيحة: وليس له من يخدمه إلا أن يتضرر ولم يجد بداً من حضوره"(22).
 

فالحكم في عدم الوجوب على المريض دفعاً للحرج والمشقة كما ذكر المرغيناني، وهو الرحمة بهذا المريض الذي يجد مشقة في حضوره، بل تعدت الرحمة بهذا المريض لتشمل من يقوم على المريض، إذا كان المريض بحاجة إليه.
 

ومن التطبيقات المعاصرة لرخصة الإسقاط لمن يقوم بالمريض من الأطباء والممرضين(23) على نحو ما ذكر الفقهاء في كتبهم ما استجد من واقع المستشفيات اليوم وطريقة تنظيم أوقات عمل الأطباء والفريق الإداري المرافق الذي لا بد منه لتسيير شؤون المستشفيات بالشكل المطلوب، ونلحظ ذلك في بعض الفتاوى المعاصرة، ومن ذلك ما جاء في الفتوى الآتية:
 

سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: "ورد للوزارة من مستوصف المواساة بالدمام خطاب يتضمن: أن التعليمات تقتضي استمرار العمل بالمستوصف لمدة "24" ساعة متواصلة مما استلزم وضع جدول مناوبات للأطباء، ويتساءل المستوصف ما إذا كان يحق للطبيب المناوب في يوم الجمعة ترك المستوصف لأداء صلاة الجمعة؟
 

ونظراً لأن الطبيب المناوب هو وحده المسؤول عن العمل في المستوصف ويقتضي وجوب وجوده بالمستوصف وعدم تركه له، ذلك أنه قد يترتب على هذا الترك نتائج خطيرة من النواحي الإنسانية، إذ قد يكون ذلك سبباً في التأخير عن مداواة مريض أو إسحاق جريح يكون في حاجة عاجلة إلى هذا الإسعاف، أو تلك المداواة، وقد يؤدي ذلك – لا سمح الله – إلى عواقب وخيمة من الناحية الصحية قد يتعذر تداركها.
 

هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن مقتضى المناوبة تبادل الأطباء العمل على مدار أيام الأسبوع، بحيث لا يقتصر العمل في أيام الجمع على طبيب معين بذاته.
 

ونظراً لأهمية الموضوع فقد رأينا الاستئناس برأي سماحتكم فيما إذا كان ذلك يعتبر من الضرورات التي يتعين فيها على الطبيب ملازمة عمله، وأداء الصلاة ظهراً في يوم مناوبته إذا صادف يوم جمعة أم لا".
 

فاجابت اللجنة الكريمة بما يلي: "الطبيب المذكور في السؤال قائم بأم عظيم ينفع المسلمين، ويترتب على ذهابه إلى الجمعة خطر عظيم، فلا حرج عليه في ترك صلاة الجمعة، وعليه أن يصلي الظهر في وقتها، ومتى أمكن أداؤها جماعة وجب ذلك؛ لقول الله سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] فإذا كان من الموظفين من يتناوب معه وجب عليهم أن يصلوا الظهر جماعة"(24).
 

فنجد في هذه الفتوى تطبيقاً للأخذ برخصة إسقاط صلاة الجمعة بالنسبة للطبيب المناوب لما قد يترتب على تركه من أضرار ببعض المرضى، وليست الرخصة للطبيب فحسب، بل تتعداه إلى الموظفين المناوبين كذلك، وفي هذا تيسير على المرضى وتخفيف، رحمة بهم لما قد يلحق بهم من ضرر من جراء غياب الطبيب المناوب وطاقم الموظفين. والحمد لله.
 

المبحث الثاني: رخصة التنقيص بسبب المرض:
قال الإمام عز الدين ابن عبد السلام (ت660) في كلامه على تخفيفات الشرع: "ومنها تخفيف التنقيص: كقصر الصلوات، وتنقيص ما عجز عنه المريض من أفعال الصلوات، كتنقيص الركوع والسجود وغيرهما إلى القدر الميسور من ذلك"(25).

 

وقال الإمام السيوطي (ت911) في نقله عن الإمام عز الدين تخفيفات الشرع: "الثاني: تخفيف تنقيص: كالقصر"(26).
 

وقال الإمام ابن نجيم (ت970) في كلامه على تخفيفات الشرع: "الثاني: تخفيف تنقيص: كالقصر في السفر على القول بأن الإتمام أصل، وأما على قول من قال: القصر أصل، والإتمام فرض بعده، فلا إلا صورة"(27).
 

فنجد هنا في رخصة التنقيص أن الحكم الشرعي من وجوب أداء العبادات بكيفيتها المطلوبة شرعاً من المكلف قد غُيّر من الصعوبة إلى السهولة بتنقيص هذه الهيئة الكاملة المطلوبة إلى كيفية أسهل تناسب حال المكلف بسبب العذر الذي اقتضى ذلك، مع قياس سبب الحكم الأصلي، كما في الأمثلة المذكورة في نصوص العلماء التي ذكرناها.
 

ومن الأمثلة المتعلقة بالمريض: ما نصّ عليه الإمام عز الدين بن عبد السلام: تنقيص الركوع والسجود للمريض العاجز عنهما إلى القدر الميسور من ذلك.
 

وهذا الحكم متفق عليه؛ قال ابن رشد (ت595): "في صلاة المريض: أجمع العلماء على أن المريض مخاطب بأداء الصلاة، وأنه يسقط عنه فرض القيام إذا لم يستطعه ويصلي جالساً، وكذلك يسقط عنه فرض الركوع والسجود إذا لم يستطعهما أو أحدهما ويومئ مكانهما"(28).
 

قال المرغيناني (ت593): "(فإن لم يستطع الركوع والسجود أومأ إيماء) يعني قاعداً؛ لأنه وسع مثله"(29).
 

وفي مواهب الجليل للحطاب (ت954): "(فرع) يسقط عن المريض من أركان الصلاة ما عجز عنه... قال القاضي عياض في قواعده: وتتغير أحكام هذه الصلوات المفروضة وصورها بعشرة أسباب: لصلاة الجمعة بالقصر والجهر، ولصلاة الخوف في جماعة بتفريق صلاتها، ولصلاة المسايف كيفما أمكنه، وبالتقصير في السفر، وبعذر المرض المانع من استيفاء أركانها فيفعل ما قدر عليه"(30).
 

وفي الحاوي للماوردي (ت450): "فإذا أراد الركوع انحنى مومياً بجسده، فإذا أراد السجود وقدر على كماله أتى به، وإن لم يقدر على كماله أتى بغاية إمكانه، ... فإن لم يقدر إلا أن يومئ أومأ وجعل السجود أخفض من الركوع.
 

وجملته أنه لا يحتسب له بالركوع حتى يأتي بالقيام كما يطيق، ولا يحتسب له بالسجود حتى يأتي بالركوع كما يطيق، وكذا القول في السجود"(31).
 

وقال المرداوي(ت885) في الإنصاف: "قوله: (ويومئ بالركوع والسجود) يعني مهما أمكنه، وهذا المذهب نص عليه"(32).
 

فمن خلال هذه النصوص نجد التيسير والرحمة على المريض في الشريعة الإسلامية وفق ما ذكر الفقهاء الأجلاء، دون إفراط أو تفريط، فهناك مراعاة لحال المريض تختلف عن حال الصحيح بتنقيص بعض الأمور المطلوبة في الصلاة من الأصحاء ولا تصح صلاتهم إلا بالإتيان بها، ولكن عند طروء المرض فإنه يُيسر على المريض رحمة به، فلا يكلف بإتمام المطلوب بل ينقص منه.
 

ومن التطبيقات المعاصرة لرخصة التنقيص: من أجريت له عملية في ركبته فغدا لا يستطيع الركوع والسجود، فهذه رخصة تنقص عنه الركوع والسجود إلى الإيماء بهما، كما في الفتوى الآتية:
 

سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الآتي: "رجل عمل له عملية في ركبته وأصبح بعد العملية يصعب عليه القيام والسجود بالصلاة مع الجماعة، إلا إذا كان يكون بطرف المسجد وليس هناك أحد على جنبه الأيسر، وإذا صلى وسط الصف لا بد من كرسي وماصة، يجلس على الكرسي ويسجد على الماصة.
 

السؤال: هل يجوز له الصلاة وحده مع وجود الجماعة في حالة عدم وجود الكرسي والماصة، ثم هل تجوز صلاته على الكرسي والماصة في حالة وجودها مع الجماعة؟
 

فكان من جواب اللجنة الموقرة: "العاجز عن القيام يصلي قاعداً على الأرض أو على كرسي إن كان أرفق به، ويركع ويسجد في الهواء، ويجعل السجود أخفض من الركوع إذا كان لا يستطيع السجود على الأرض..."(33).
 

فنجد في هذه الفتوى تطبيقاً للأخذ برخصة تنقيص الركوع والسجود إلى القدر الممكن بحسب حالته التي ذكرها، وفي هذا تيسير على المرضة وتخفيف، رحمة بهم لما قد يلحق بهم من ضرر، والحمد لله رب العالمين.
 

المبحث الثالث: رخصة الإبدال بسبب المرض:
قال الإمام عز الدين بن عبد السلام (ت660) في كلامه على تخفيفات الشرع: "ومنها تخفيف الإبدال: كإبدال الوضوء والغُسل بالتيمم، وإبدال القيام في الصلاة بالقعود، والقعود بالاضطجاع، والاضطجاع بالإيماء، وإبدال العتق بالصوم، وإبدال الصيام بالإطعام في حق الشيخ الكبير الذي يشق عليه الصيام، وكإبدال بعض واجبات الحج والعمرة بالكفارات عند قيام الأعذار"(34).

 

وقال الإمام السيوطي (ت911) في نقله عن الإمام عز الدين تخفيفات الشرع: "الثالث: تخفيف إبدال: كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، والقيام في الصلاة بالقعود والاضطجاع أو الإيماء، والصيام بالإطعام"(35).
 

وقال الإمام ابن نجيم (ت970) في كلامه على تخفيفات الشرع: "الثالث: تخفيف إبدال: كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، والقيام في الصلاة بالقعود والاضطجاع والركوع والسجود بالإيماء، والصيام بالإطعام"(36).
 

فنجد هنا في رخصة الإبدال أن الحكم الشرعي من وجوب أداء بعض العبادات بكيفيتها المطلوبة شرعاً من المكلف قد غُيّر من الصعوبة إلى السهولة بإبدال هذه العبادة المطلوبة إلى عبادة أخرى أسهل تناسب حال المكلف بسبب العذر الذي اقتضى ذلك، مع قياس سبب الحكم الأصلي، كما في الأمثلة المذكورة في نصوص العلماء التي ذكرناها.
 

ومن الأمثلة المتعلقة بالمريض: إبدال القيام بالقعود في الصلاة، التي ذكرها ابن عبد السلام، ولكن مع تقييدها بما إذا كان سبب هذا الإبدال عذراً مرضياً.
 

وهذا الحكم مجمع عليه؛ قال الإمام ابن المنذر (ت318): "وأجمعوا على أن فرض من لا يطيق القيام أن يصلي جالساً"(37).
 

وقال الإمام ابن حزم (ت456): "واتفقوا على أن القيام فيها فرض لمن لا علة به ولا خوف، ولا يصلي خلف إمام جالس ولا في سفينة"(38).
 

قال الإمام المرغيناني (ت593): "باب صلاة المريض (إذا عجز المريض عن القيام صلى قاعداً يركع ويسجد)؛ لقوله عليه السلام لعمران بن حصين رضي الله عنه: "صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى الجنب تومئ إيماء"(39)؛ ولأن الطاعة بحسب الطاقة"(40).
 

وقال الكمال ابن الهمام (ت861) شارحاً: "(قوله إذا عجز المريض) المراد أعم من العجز الحقيقي حتى لو قدر على القيام، لكن يخاف بسببه إبطاء برء، أو كان يجد ألماً شديداً إذا قام جاز له تركه، فإن لحقه نوع مشقة لم يجز ترك القيام بسببها"(41).
 

وقال ابن جزي (ت741): "في صلاة المريض، وفيه أحوال: الأول: أن يصلي قائماً غير مستند، فإن لم يقدر أو قدر بمشقة فادحة صلى قائماً مستنداً ثم يصلي جالساً غير مستند، ثم جالساً مستنداً..."(42).
 

وقال النووي (ت676): "فأجمعت الأمة على أن من عجز عن القيام في الفريضة صلاها قاعداً ولا إعادة عليه... قال أصحابنا: ولا يشترط في العجز أن لا يتأتى القيام، ولا يكفي أدنى مشقة، بل المعتبر المشقة الظاهرة، فإذا خاف مشقة شديدة أو زيادة مرض أو نحو ذلك، أو خاف راكب السفينة الغرق أو دوران الرأس صلى قاعداً ولا إعادة، وقال إمام الحرمين في باب التيمم: الذي أراه في ضبط العجز أن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه؛ لأن الخشوع مقصود الصلاة"(43).
 

وقال ابن قدامة (ت620): "مسألة: قال: (والمريض إذا كان القيام يزيد في مرضه صلى قاعداً)(44).
 

أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام، له أن يصلي جالساً... وإن أمكنه القيام، إلا أنه يخشى زيادة مرضه به، أو تباطؤ برئه، أو يشق عليه مشقة شديدة، فله أن يصلي قاعداً، ونحو هذا قال مالك وإسحاق.
 

وقال ميمون بن مهران: إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه، فليصل جالساً، وحُكي عن أحمد نحو ذلك.
 

ولنا: قول الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، وتكليف القيام في هذه الحال حرج، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالساً لما جُحش(45) شقه الأيمن(46). والظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام بالكلية؛ لكن لما شق عليه القيام سقط عنه"(47).
 

من خلال ما سبق من نصوص الفقهاء الأجلاء تتجلى الرحمة بالمريض في رخصة الإبدال من القيام إلى الجلوس للعاجز عجزاً حقيقياً وهو غير القادر على القيام بأي حال من الأحوال، ولم يقف الأمر عند هذا العاجز، بل اتسعت الرخصة لتشمل العاجز حكماً عن القيام، وهو الذي بمقدوره القيام ولكن يخاف بسببه إبطاء برء أو زيادة مرض.
 

ومن التطبيقات المعاصرة لرخصة الإبدال: إبدال القيام بالصلاة على الكرسي لمن لا يستطيعه بسبب عملية أجريت له في ركبته أو بسبب مرض الصرع، يتضح ذلك من خلال فتاوى العلماء المعاصرين، ومنها:
 

سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الآتي: "رجل عمل له عملية في ركبته وأصبح بعد العملية يصعب عليه القيام والسجود بالصلاة مع الجماعة، إلا إذا كان يكون بطرف المسجد وليس هناك أحد على جنبه الأيسر، وإذا صلى وسط الصف لا بد من كرسي وماصة، يجلس على الكرسي ويسجد على الماصة.
 

السؤال: هل يجوز له الصلاة وحده مع وجود الجماعة في حالة عدم وجود الكرسي والماصة، ثم هل تجوز صلاته على الكرسي والماصة في حالة وجودها مع الجماعة؟
 

فأجابت اللجنة: "العاجز عن القيام يصلي قاعداً على الأرض أو على كرسي إن كان أرفق به..."(48).
 

وسئلت اللجنة أيضاً السؤال الآتي: "أنا فتاة أبلغ من العمر 19 عاماً، وتنتابني حالات صرع متفاوتة في جلوسي مثلاً وقيامي... وأسئلتي هي: أ- هل أصلي جالسة؛ لأن السقوط على الأرض يؤدي في كثير من الأحيان إلى إصابات في وجهي وبعض جسدي؟".
 

فكان في إجابة اللجنة الموقرة: "إذا كنت لا تستطيعين القيام فإنك تصلين جالسة، لحديث عمران بن حصين رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب، فإن لم تستطع فمستلقياً"(49)..."(50).
 

فنجد في هاتين الفتويين تطبيقاً جلياً لرخصة الإبدال التي تحدث عنها الفقهاء، ولكنها إبدال معاصر من القيام إلى الجلوس على الكرسي، الأمر الذي لم يكن منصوصاً سابقاً، وفي الصورة الأولى الرخصة لمن أجريت له عملية في ركبته وأصبح بعد العملية يصعب عليه القيام، فهو ليس عاجزاً حقيقة وإنما عجزه حكمي، ومع ذلك أجازت له الفتوى رخصة الإبدال بالجلوس على الكرسي.
 

كما أن في الصورة الثانية في التي تنتابها حالات الصرع، عجزاً حكمياً واضحاً، فهي تستطيع القيام دون أدنى مشقة من حيث فعل القيام، ولكن المشقة تطرأ عليها من جهة أخرى وهي الحالة المرضية التي ذكرتها عن نفسها.
 

وفي كل ذلك تتجلى ظاهرة الرحمة بالمرضى بشكل واضح، ومع ذلك فتمسكت الفتويان بشرط العجز وعدم الاستطاعة، لعدم فتح باب الإفراط في الأخذ بهذه الرخصة.
 

المبحث الرابع: رخصة التقديم بسبب المرض:
قال عز الدين ابن عبد السلام (ت660) في كلامه على تخفيفات الشرع: "ومنها تخفيف التقديم: كتقديم العصر إلى الظهر، والعشاء إلى المغرب في السفر والمطر، وكتقديم الزكاة على حولها، والكفارة على حنثها"(51).

 

وقال السيوطي (ت911) في نقله عن الإمام عز الدين تخفيفات الشرع: "الرابع: تخفيف تقديم: كالجمع، وتقديم الزكاة على الحول، وزكاة الفطر في رمضان، والكفارة على الحنث"(52).
 

وقال ابن نجيم (ت970) في كلامه على تخفيفات الشرع: "الرابع: تخفيف تقديم: كالجمع بعرفات، وتقديم الزكاة على الحول، وزكاة الفطر في رمضان، وقبله على الصحيح بعد تملك النصاب في الأول، ووجود الرأس بصفة المؤنة والولاية في الثاني"(53).
 

فنجد هنا في رخصة التقديم أن الحكم الشرعي من وجوب أداء بعض العبادات في أوقاتها المطلوبة شرعاً من المكلف قد غُيّر من الصعوبة إلى السهولة بتقديم العبادة عن وقتها المطلوب ليكون متناسباً مع حال المكلف بسبب العذر الذي اقتضى ذلك، مع قياس سبب الحكم الأصلي، كما في الأمثلة المذكورة في نصوص العلماء التي ذكرناها.
 

ومن الأمثلة المتعلقة بالمريض: تقديم العصر إلى الظهر كما ذكر الإمام ابن عبد السلام، ولكن مع تقييده بما إذا كان سبب هذا التقديم عذراً مرضياً.
 

وهذا الحكم مختلف فيه بين العلماء، يتضح – إن شاء الله – في التفصيل الآتي:
الجمع بين الصلاتين إما أن يكون جمعاً بالأفعال أو جمعاً بالأوقات:
1 – أما الجمع بالأفعال: فاتفق العلماء على جواز الجمع بين الصلاتين في الأفعال، بأن يصلي كل صلاة منها في وقتها؛ فيصلي الأولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها(54).

 

2 – وأما الجمع بينهما في الأوقات: بأن يصلي إحدى الصلاتين في وقت الأخرى:
فاتفقوا على عدم جواز الجمع في غير الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء لغير عذر(55)، إلا في الخوف، فعن الإمام أحمد رواية بالجواز(56).

 

واتفقوا على جواز الجمع بين الظهر والعصر بعرفة تقديماً، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة تأخيراً(57).
 

واختلفوا في جواز الجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء في أعذار مختلفة كالجمع في السفر، أو في المطر أو غيرها(58).. وكلها خارجة عن مسألتنا المرادة.
 

واختلفوا في جواز الجمع بينها لعذر المرض، - وهي مسألتنا – على قولين:
القول الأول: عدم الجواز، وهو مذهب الحنفية(59)، والشافعية(60)، ورواية عن الإمام أحمد(61).

 

القول الثاني: الجواز، وهو مذهب المالكية(62)، والحنابلة(63)، وقول عند الشافعية(64).
 

سبب الخلاف: أجاز بعض العلماء الجمع بين الصلاتين للمريض ومنع آخرون كما رأينا، وهذا الخلاف له سببان بحسب المذهب المانع من الأخذ بالرخصة للمريض:
أولاً: سبب خلاف الحنفية: يعود إلى أنه هل يجوز الجمع بين الصلاتين في غير مزدلفة وعرفة في النسك، وما عدا ذلك فإنه لا يجوز لأي عذر من الأعذار أو لا؟ فالحنفية لا يجوز عندهم في غير هذين المكانين مطلقاً؛ ولو كان لصاحب عذر، بينما يجيزه الجمهور في غير هذين المكانين لأصحاب الأعذار – على اختلاف بينهم في تحديدها – فأجازه المالكية والحنابلة للمريض، أما لماذا لم يجزه الشافعية للمريض، فسيتضح في الآتي(65).

 

ثانياً: سبب خلاف الشافعية في المعتمد عندهم: هل تُعدى علة الجمع في السفر – وهو المشقة – إلى المريض أو لا؟ فمن لم يُعد هذه العلة وجعلها قاصرة بالسفر لم يجز ذلك، وهم الشافعية، ومن طرد العلة ورأى أن جوازه للمريض من باب الأولى والأحرى أجاز ذلك، وهم المالكية والحنابلة(66).
 

أدلة الأقوال:
أولاً: أبرز أدلة الحنفية في عدم الجواز في غير عرفة ومزدلفة:
1 – قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103].
وجه الدلالة: حيث دلت الآية أن الصلاة فرضت فرضاً مؤقتاً حتى لا يجوز تغييرها عن أوقاتها بضرب من الاستدلال أو بخبر الواحد(67).

 

2 – قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78].
وجه الدلالة: هذا النص وغيره من النصوص التي وردت بتعيين الأوقات من الآيات والأخبار، فلا يجوز تركها إلا بدليل مثله(68).

 

3 – عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصلاة لوقتها إلا بجمع وعرفات"(69).
 

وجه الدلالة: حيث دلّ الحديث بمفهومه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل – في غير هذين المكانين – الصلاة إلا لوقتها، وعبد الله بن مسعود من ملازمي النبي صلى الله عليه وسلم، فدلّ على عدم مشروعية الجمع في غيرهما(70).
 

4 – حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من جمع بين صلاتين في وقت واحد فقد أتى باباً من الكبائر"(71).
 

وجه الدلالة: حيث دل الحديث أن تأخير الصلاة عن وقتها من الكبائر فلا يباح بالأعذار كسائر الكبائر(72).
 

ثانياً: أبرز أدلة الجمهور في جواز الجمع في غير عرفة ومزدلفة:
1 – حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق، ويقول: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء"(73).

 

2 – وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت صلى الظهر ثم ركب"(74).
وفي لفظ لمسلم: "أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما"(75).
وزاد مسلم في لفظ آخر: "ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، حين يغيب الشفق"(76).

 

3 – حديث معاذ بن جبل، قال: "جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، قال: فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: فقال: أراد أن لا يحرج أمته"(77).
وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: حيث دلت على جواز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في الوقت، رخصة وتوسعة على الأمة(78).

 

4 – يجوز الجمع بين الصلاتين لعذر السفر، كما يجوز الجمع بينهما في عرفة ومزدلفة(79).
 

ثالثاً: أبرز أدلة الشافعية ومن معهم في عدم جواز الجمع للمريض:
1 – أدلة مواقيت الصلاة، كما سبقت في أدلة الحنفية.
وجه الدلالة منها: أنها حددت للصلاة أوقاتها، فلا يجوز تأخير فرض أو تقديمه إلا بدليل صريح(80).

 

2 – أنه لا يُعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين للمرض، مع أنه قد كان في زمانه صلى الله عليه وسلم، فدل على أنه غير مشروع(81).
 

3 – لا يجوز الجمع بين الصلاتين للمريض مع المشقة، كما لا يجوز لمن كان ضعيفاً ومنزله بعيداً عن المسجد بعداً كثيراً(82).
 

رابعاً: أبرز أدلة المالكية والحنابلة وبعض الشافعية في جواز الجمع للمريض:
1 – قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78].
وجه الدلالة: دلت الآية أن الحرج مرفوع، ولا شك أن المريض يلحقه الحرج إذا أوجبنا عليه أداء كل صلاة في وقتها(83).

 

2 – حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، في غير خوف، ولا سفر"(84)، وفي رواية: "جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف، ولا مطر"، ثم قال ابن عباس لما سئل عن ذلك: "أراد أن لا يحرج أمته"(85).
 

وجه الدلالة: أن الحديث محمول على أنه جمع لأجل المرض أو غيره من الأعذار مما في معناه، لما فيه من الإرفاق ودفع المشقة(86).
 

3 – عن عائشة رضي الله عنها: "استحيضت امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر وتغتسل لهما غسلاً، وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلاً، وتغتسل لصلاة الصبح غسلاً"(87).
ومثله حديث حمنة بنت جحش أنها استحيضت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: "وأخري الظهر، وقدمي العصر، واغتسلي لهما غسلاً، وأخري المغرب، وعجلي العشاء، واغتسلي لهما غسلاً"(88).

 

وجه الدلالة: حيث أباح النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة الجمع بين الصلاتين لمشقة الغسل عليها لكل صلاة، والاستحاضة نوع مرض(89).
 

4 – يجوز الجمع بين الصلاتين للمريض كما يجوز للمسافر بجامع المشقة والشدة(90).
 

5 – يجوز الجمع بين الصلاتين للمريض كما يجوز في الجمع في المطر بجامع المشقة والشدة(91).
 

الترجيح: أرى والعلم عند الله تعالى أن الراجح جواز الجمع بين الصلاتين للمريض، وذلك لما يلي:
أولاً: بالنسبة لخلاف الحنفية والجمهور في المسألة الأولى، لأن الأحاديث جاءت صريحة في جواز الجمع في الوقت، كحديث عبد الله بن عمر: "جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق"، وحديث أنس بن مالك: "أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما"، وتأويلات علماء الحنفية ضعيفة كما تقدم.

 

ثانياً: وأما بالنسبة لخلاف الشافعية في الجمع بالنسبة للمريض، فحديث ابن عباس رضي الله عنهما في جمع النبي صلى الله عليه وسلم في غير خوف ولا مطر ولا سفر، وتعليله برفع الحرج عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن في الجمع بين الصلاتين للمريض رفعاً لحرج وضيق شديدين قد يلحقا به.
 

ولا شك أن القول بالجواز هو اللائق بمحاسن الشريعة والرحمة ورفع الحرج والضيق:
قال الشاطبي (ت790): "فكذلك إذا فرضنا أن رفع الحرج في الدين مثلاً مفقود فيه صيغة عموم؛ فإنا نستفيده من نوازل متعددة خاصة، مختلفة الجهات متفقة في أصل رفع الحرج، كما إذا وجدنا التيمم شرع عند مشقة طلب الماء، والصلاة قاعداً عند مشقة القيام، والقصر والفطر في السفر، والجمع بين الصلاتين في السفر والمرض والمطر... إلى جزئيات كثيرة جداً يحصل من مجموعها قصد الشارع لرفع الحرج؛ فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلها، عملاً بالاستقراء، فكأنه عموم لفظي"(92).

 

قال الشربيني (ت977) عن جواز الجمع للمريض ونحوه: "وهذا هو اللائق بمحاسن الشريعة، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ} [الحج:78]"(93).
 

ومن التطبيقات المعاصرة لرخصة التقديم: المصابون بأمراض مختلفة تجعل في أداء الصلوات في وقتها حرجاً وضيقاً وشدة عليهم، ومن الرحمة بهم الأخذ بالرخصة، ومن ذلك ما جاء في الفتاوى الآتية:
سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الآتي: "عمتي مريضة مرض سرطان في الرحم، ولم تستطع التحكم في البول – أعزكم الله – وهي امرأة كبيرة وعمياء وتذهب إذا دخل وقت صلاة الظهر وتغتسل كاملاً وتجلس وتصلي الظهر والعصر معاً؛ لأن البول يخرج أثناء الحركة، وكذلك صلاة المغرب والعشاء...".

 

فأجابت اللجنة الموقرة: "إذا كان الأمر كما ذكر فإنها تصلي على حسب حالها، ولا مانع من جمعها الظهر والعصر في وقت أحدهما، وهكذا المغرب والعشاء؛ لعموم أدلة يسر الشريعة على أن يكون وضوؤها للظهر والعصر بعد دخول الوقت، وهكذا المغرب والعشاء يكون وضوؤها لهما بعد دخول الوقت..."(94).
 

وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أيضاً السؤال الآتي: "الكِلَى عندي متوقفة عن العمل، وأذهب إلى المستشفى ثلاث مرات في الأسبوع لإجراء الغسيل الدموي الذي يستغرق حوالي ثلاث ساعات، وصفة الغسيل الدموي: أن الدم يخرج من الجسم عبر أحد الأوردة ثم يمر على آلة تنقيه من الشوائب، يعود ثانية عبر وريد آخر إلى الجسم. وسؤالي يا سماحة الشيخ هو: "هل يجوز لي جمع الظهر والعصر إذا كنت أعلم أن وقت العصر سوف يدخل وأنا تحت الأجهزة؟"
 

فأجابت اللجنة الموقرة: "يجوز تقديم صلاة العصر وصلاتها مع الظهر جمعاً لمن لا يتمكن من صلاة العصر في وقتها بسبب استمرار عملية الغسيل إلى غروب الشمس، ولا تجوز صلاة الظهر ولا غيرها من الصلوات قبل دخول وقتها، ووقت الظهر يبدأ من زوال الشمس من فوق الرؤوس. ويمكن الاستعانة على معرفة ذلك بحساب التقويم وبسماع الأذان"(95).
 

وسئلت اللجنة الدائمة هذا السؤال أيضاً: "ما حكم الذين يذهبون إلى المستشفى من أجل غسيل كلى؟ البعض يذهب قبل صلاة الظهر وتفوته صلاة الظهر وصلاة العصر ولم ينته إلا بعد صلاة العصر بساعة واحدة، يذهب قبل العصر وتفوته صلاة العصر وصلاة المغرب بعد ساعة، فما الحكم في ذلك؟".
 

فأجابت اللجنة الموقرة: "إذا كان الواقع هو ما ذكره السائل من بدء العملية قبل دخول وقت الظهر فإنه يؤخر الظهر ويصليها مع العصر جمع تأخير، كسائر المرضى الذين يجوز لهم الجمع، أما إن كان إجراء عملية الغسيل بعد دخول وقت الظهر ولا تنتهي إلا بعد خروج وقت صلاة العصر، فإنه يشرع للمريض حينئذ أن يصلي العصر مع الظهر جمع تقديم، وهكذا المغرب مع العشاء إن أجريت العملية قبل دخول وقت المغرب أخرها مع العشاء وصلاهما جميعاً جمع تأخير، أما إن كانت العملية بعد دخول وقت المغرب وتنتهي في وقت العشاء فإنه لا حاجة لجمع العشاء مع المغرب لاتساع وقت العشاء، وإن جمع بينهما جمع تقديم فلا حرج، كسائر المرضة المحتاجين لذلك. شفاهم الله"(96).
 

المبحث الخامس: رخصة التأخير بسبب المرض:
قال الإمام عز الدين ابن عبد السلام (ت660) في كلامه على تخفيفات الشرع: "ومنها تخفيف التأخير: كتأخير الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء، ورمضان إلى ما بعده"(97).

 

وقال السيوطي (ت911) في نقله عن الإمام عز الدين تخفيفات الشرع: "الخامس: تخفيف تأخير: كالجمع، وتأخير رمضان للمريض والمسافر، وتأخير الصلاة في حق مشتغل بإنقاذ غريق، أو نحوه من الأعذار الآتية"(98).
 

وقال ابن نجيم (ت970) في كلامه على تخفيفات الشرع: "الخامس: تخفيف تأخير: كالجمع بمزدلقة، وتأخير رمضان للمريض والمسافر، وتأخير الصلاة عن وقتها في حق مشتغل بإنقاذ غريق ونحوه"(99).
 

فنجد هنا في رخصة التأخير أن الحكم الشرعي من وجوب أداء بعض العبادات في أوقاتها المطلوبة شرعاً من المكلف قد غُيّر من الصعوبة إلى السهولة بتأخير العبادة عن وقتها المطلوب ليكون متناسباً مع حال المكلف بسبب العذر الذي اقتضى ذلك، مع قياس سبب الحكم الأصلي، كما في الأمثلة المذكورة في نصوص العلماء التي ذكرناها.
 

ومن الأمثلة المتعلقة بالمريض: تأخير الظهر إلى العصر كما ذكر الإمام ابن عبد السلام، ولكن مع تقييده بما إذا كان سبب هذا التقديم عذراً مرضياً.
وهو ما سبق ذكره في المبحث الرابع في رخصة التقديم.

 

وكذلك التطبيق المعاصر، على نحو ما سبق. وأحب أن أضيف تطبيقاً يختلف قليلاً عما سبق ذكره، وهو إذا ما اضطر المريض إلى تأخير صلاة العصر حتى دخل وقت المغرب، ولم يستطع أداء الصلاة، ويتضح في الآتي:
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "لقد أصبت في أحد الأيام بإسهال وقيء – أعزكم الله – مما استدعى الذهاب بي للطوارئ بالمستشفى الساعة الثانية ظهراً، ولما اتضح للطبيب المختص أنني مصاب بفشل كلوي وأغسل ثلاث مرات في الأسبوع، فإنه قد قال: لا بد من إعطائك الدواء مع الغسيل فبدؤوا بالغسيل الساعة 2 ظهراً وبسرعة، وكنت أتوقع عدم الإطالة، لأنني قد غسلت في اليوم قبله، لكن لم ينتهوا ويفكوا الليات والتربيط إلا بعد أذان المغرب. سؤال يا سماحة الشيخ: هل علي إثم في تأخير صلاة العصر مع المغرب؛ لأنني لا أستطيع الوضوء ولا التيمم ولا التحرك ما دامت الأجهزة مربوطة في، والكرسي الذي أنام عليه اتجاهه لغير القبلة، وتحرجت من الصلاة على هذه الحالة، وطلبت فك الأربطة لكي أتيمم فأفادني المختص بعدم الاستطاعة؛ لأن هذا يترتب عليه عادة التعقيم، وتغيير بعض الأجهزة والأدوية. فماذا علي؟ وماذا يعمل المسلم في مثل هذه الحالة خاصة وأن من يجري الغسيل عقله وحواسه معه ولا يدخل في حكم المرفوع عنه القلم؟ أفتوني مأجورين".

 

فأجاب رحمه الله: "الواجب على مثلك أداء الصلاة على وقتها حسب الطاقة ولو بالتيمم عند العجز عن الماء، ولو إلى غير القبلة عند العجز عن ذلك، فمن لم يستطع جاز له التأخير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما شغل يوم الأحزاب بقتل المشركين عن صلاة العصر أخرها إلا ما بعد المغرب ثم صلى المغرب بعدها"(100).
ويدل على ذلك قول الله سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16](101).

 

ففي هذه الفتوى تظهر معالم الرحمة والشفقة بحالة المريض الذي لا يستطيع أداء الصلاة في وقتها أن يؤخرها عن وقتها، لا على طريقة الجمع، رفعاً للحرج والمشقة، مع التشديد عليه – مع مرضه – على وجوب أداء الصلاة في وقتها متى ما استطاع ذلك، والله أعلم.
 

المبحث السادس: رخصة الاضطرار بسبب المرض:
قال الإمام عز الدين ابن عبد السلام (ت660) في كلامه على تخفيفات الشرع: "ومنها تخفيف الترخيص: كصلاة المتيمم مع الحدث، وصلاة المستجمر مع فضلة النجو، وكأكل النجاسات للمداواة، وشرب الخمر للغصة، والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه، ويُعبر عن هذا بالإطلاق مع قيام المانع، أو بالإجابة مع قيام الحاظر"(102).

 

وقال الإمام السيوطي (ت911) في نقله عن الإمام عز الدين تخفيفات الشرع: "السادس: تخفيف ترخيص: كصلاة المستجمر مع بقية النجو، وشرب الخمر للغصة، وأكل النجاسة للتداوي، ونحو ذلك"(103).
 

وقال الإمام ابن نجيم (ت970) في كلامه على تخفيفات الشرع: "السادس: تخفيف ترخيص: كصلاة المستجمر مع بقة النجو، وشرب الخمر للغصة"(104).
 

فنجد هنا في رخصة الاضطرار أن الحكم الشرعي الذي يقتضي منع المكلف من بعض الأعمال، قد غُيّر من الصعوبة التي تقتضي المنع إلى السهولة بالسماح ببعض تلك الأعمال ليكون متناسباً مع حال المكلف بسبب العذر الذي اقتضى ذلك، مع قياس سبب الحكم الأصلي، كما في الأمثلة المذكورة في نصوص العلماء التي ذكرناها.
 

ومن الأمثلة المتعلقة بالمريض: صلاة صاحب الحدث المستمر مع استمرار الحدث، لمكان الضرورة الداعية، حيث لا يستطيع أن يصلي دون الحدث. وهذا الحكم متفق عليه بين المذاهب الأربعة، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي"(105).
 

قال المرغيناني (ت593): "فصل (والمستحاضة ومن به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ يتوضؤون لوقت كل صلاة فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاؤوا من الفرائض والنوافل)"(106).
 

وقال ابن عبد البر (ت463): "والمستحاضة طاهر تصلي وتصوم وتطوف بالبيت وتقرأ في المصحف، ويجامعها زوجها إن شاء ما دامت تصلي في استحاضتها، وحكم سلس البول والمذي إذا كان دائماً لا ينقطع كحكم المستحاضة"(107).
 

ويقول النووي (ت676): "النجاسة الواقعة في مظنة العفو، وهو أضرب"(108) وذكر منها: "الضرب السادس: في أنواع متفرقة، منها النجاسة التي تستصحبها المستحاصة، وسلس البول، ومنها إذا كان على جرحه دم كثير يخاف من إزالته"(109).
 

وقال ابن قدامة (ت620): "وكذلك من به جرح يفور منه الدم، أو به ريح، أو نحو ذلك من الأحداث ممن لا يمكنه قطعه عن نفسه، فإن كان مما لا يمكن عصبه، مثل من به جرح لا يمكن شده، أو به باسور أو ناصور لا يتمكن من عصبه، صلى على حسب حاله"(110).
 

ولا شك أن في إجازة الصلاة لصاحب الحدث المستمر رفع للحرج والشدة عنه، حيث جاز له أن يصلي وهو متلبس بالنجاسة، ولكن لما كان إزالة النجاسة متعذراً في حقه رُخّص له في ذلك.
 

يقول الإمام عز الدين بن عبد السلام (ت660): "الصلاة مع تجدد الحدث والخبث مفسدة محرمة، فإن تعذرت الطهارة من أحدهما وشقت من الآخر كصلاة المستحاضة، ومن به سلس البول والمذي والودي وذرب المعدة، جازت الصلاة معها؛ لأن رعاية مقاصد الصلاة أولى من تحصيل مصلحة الطهارتين، أو من دفع مفسدة الحدث والخبث"(111).
 

ومن التطبيقات المعاصرة لرخصة الاضطرار هذه، من أجريت له عملية جراحية تم بموجبها استبدال المستقيم، وفُتحت له فتحة من جنبه ليتم تصريف الفضلات – غائط وريح – بدل المستقيم إلى كيس معلق بجانبه، وقد سئل الشيخ الألباني: هل يجوز له الصلاة وهذا الكيس يكون معلقاً معه؟
 

فأجاب الشيخ رحمه الله: "إذا كان هذا السائل مستمراً فنتصور أنه لازم يكون الكيس ثابت مستمراً... وإذا كان الأمر ليس كذلك بمعنى إن هذا السائل لا يسيل دائماً وأبداً، أي: ممكن مثلاً مراقبة ظرف من الظروف يعرفه المبتلى، فهذا الكيس إذا كان فيه فضلات يُرفع، إذا كان هذا بالإمكان، يعني هذا من باب القاعدتين اللتين لا يجوز الفصل بينهما: (الضرورات تبيح المحظورات)، و(الضرورة تقدر بقدرها).
 

فنحن لا نستطيع أن نقول للأخ: صلِّ لنفسك، فضلاً عن: صلّ لغيرك إماماً، كما هو من أسئلته، لا نستطيع أن نقول له: صلّ، والكيس بجانبك وبإمكانك فرضاً، أنا أقول فرضاً، لأنه يعرف الواقع، وبإمكانك فرضاً أنك تصلي وهذا الكيس بعيد عنك.
فإن كان لا يمكن هذا حينئذ فهو كأهل الأعذار الذين يستمر بهم خروج ما ينقض الوضوء عادة وما يبطل الصلاة، فيصلي لنفسه في حدود ما يتيسر له من النظافة"(112).

 

ومن التطبيقات أيضاً ما ذكره الشيخ العثيمين رحمه الله عن صلاة المريض إذا كانت ملابسه ملوثة بالنجاسة، حيث قال رحمه الله: "إن هذه المشكلة تواجه كثيراً من المرضى، تجده يكون متعباً من مرضه، ولا يجد ماءً يتوضأ به، ولا يجد تراباً يتيمم به، وربما تكون ثيابه ملوثة بالنجاسة فيفتي نفسه في هذه الحال أنه لا يصلي وأنه بعد أن يبرأ يصلي، وهذا خطأ عظيم، والواجب على المريض أن يصلي بحسب حاله، بوضوء إن أمكن، فإن لم يمكن فيتيمم، فإن لم يمكن فإنه يصلي ولو بغير تيمم ثم يصلي وثيابه طاهرة، فإن لم يكن صلى بها ولو كانت نجسة، وكذلك بالنسبة للفراش إذا كان طاهراً، فإن لم يكن تطهيره ولا إزالته وإبداله بغيره ولا وضع ثوب صفيق عليه فإنه يصلي عليه وإن كان نجساً"(113).
 

ولا شك أن في إلزام مثل هؤلاء المرضى بإعادة الصلاة أو تحري وقت قد يحصل فيه توقف لخروج النجاسة، فيؤدي خلاله الصلاة على عجل، لا شك أنه تكليف شاق، وفيه من الحرج ما لا يخفى، والحمد لله أن ديننا الحنيف دين الرحمة قد رفع الحرج في مثل هذه الحالات.
 

المبحث السابع: رخصة التغيير بسبب المرض:
قال الإمام السيوطي (ت911) بعد نقله عن الإمام عز الدين تخفيفات الشرع: "واستدرك العلائي سابعاً، وهو: تخفيف تغيير: كتغيير نظم الصلاة في الخوف"(114).

 

وقال ابن نجيم (ت970) عن تخفيفات الشرع: "السابع: تخفيف تغيير: كتغيير نظم الصلاة للخوف"(115).
 

وعقب الدكتور محمد الزحيلي على زيادة العلائي هذه بقوله: "وقد يقال: هو داخل في النقص، لأنه نقص عن نظمها الأصلي، أو داخل في الترخيص، وحينئذ فلا زيادة"(116).
 

فنجد هنا في رخصة التغيير أن الحكم الشرعي من وجوب أداء بعض العبادات بكيفيتها المطلوبة شرعاً من المكلف قد غُيّر من الصعوبة إلى السهولة بتغيير هذه الكيفية إلى كيفية أخرى أسهل تناسب حال المكلف بسبب العذر الذي اقتضى ذلك، مع قياس سبب الحكم الأصلي، كما في المثال المذكور في نصوص العلماء التي ذكرناها.
 

وما ذكره الدكتور محمد الزحيلي حول دخول رخصة التغيير في النقص، صحيح، وقد يدخل التغيير في غيرها من الرخص بوجه ما، ورخصة التقديم أو التأخير، هي رخصة تغيير، إذ التقديم أو التأخير هو تغيير، كما في تقديم الصلاة عن وقتها، إذ هو تغيير لوقت وجوبها، والله أعلم.
 

وإذا كان الأمر على ما سبق فتكون هذه الرخصة داخلة في سابقاتها، فلا داعي للتكرار في ذلك الأمثرة والتطبيقات؛ لأنها معلومة مما سبق، والله أعلم.
 

الخاتمة:
بعد تجوالنا في الرفق والتيسير، ورفع الحرج ورخص التخفيف، سوف أذكر بعض التوصيات بعد أن أوجز الإجابة على الأسئلة التي تمثل مشكلة البحث فأقول:
1-    إن الرحمة والرفق واليسير في الإسلام تدخل في الشعائر التعبدية والتكليف الشرعية وليست قاصرة على الأخلاقيات في تصرفات الناس بعضهم مع بعض، كما مرّ معنا في البحث.

 

2-    توجد أدلة عملية من التطبيقات الشرعية تدل على الرحمة والرفق واليسر تدخل في الشعائر التعبدية والتكاليف الشرعية، منها ما جاء من الرخص فيها والتي سبق ذكر طرف منها.
 

3-    استمرت التطبيقات المعاصرة تلحظ الرحمة والرفق واليسر التي جاءت بها الشريعة قديماً فاستمر تطبيق الرخص في أشكال معاصرة نعيشها في حياتنا في الشعائر التعبدية والتكاليف الشرعية، ذكرنا نماذج لها.
بل يمكن القول: إذا فرضنا أن (الرحمة) في الدين مثلاً مفقودةٌ فيها صيغة عموم؛ لإنا نستفيده من نوازل متعددة خاصة، مختلفة الجهات متفقة في أصل (الرحمة)، ومن تلك الجهات ما جاء في الرخص المتعلقة بالمريض، ومنها ما جاء في كتاب الصلاة: (إسقاط) وجوب حضور الجمعة عن المريض إذا كان إلزامه بحضورها حالة مرضه فيه مشقة عليه، ومنها: (تنقيص) الركوع والسجود للمريض العاجز عنهما إلى القدر الميسور من ذلك، ومنها: (إبدال) القيام بالقعود في الصلاة للمريض، ومنها: (تقديم) العصر إلى الظهر للمريض، ومنها: (تأخير) الظهر إلى العصر كما للمريض، ومنها: صلاة صاحب الحدث المستمر مع استمرار الحدث، (للضرورة) الداعية.
إلى جزئيات كثيرة جداً يحصل من مجموعها قصد الشارع (للرحمة)؛ فإنا نحكم بمطلق (الرحمة) في الأبواب كلها، عملاً بالاستقراء، فكأنه عموم لفظي. والحمد لله رب العالمين.

 

التوصيات:
العمل على جمع وإبراز الرخص المتعلقة بالعبادات التي ذكرها الفقهاء في كتبهم، إذ في ذلك إظهار لمعالم الرحمة والرفق واليسر في الشريعة الإسلامية.

 

العناية بالرخص المتعلقة بالأمور الطبية، للمريض وذويه وللمعالجين والممرضين والإداريين، وجمعها ودراستها في رسالة علمية مستقلة؛ لحاجة المرضى أكثر من غيرهم للأخذ بالرخص المتاحة لهم.
 

أن تعمل الكتابات الحديثة التي تتحدث عن الرخص الشرعية إلى اتباع كلام الفقهاء القدامى بتطبيقات معاصرة لها، فإن ذلك أدعى إلى الفهم.
 

دحض كل المفتريات التي تثار حول ديننا الحنيف ونبي الرأفة والرحمة صلى الله عليه وسلم، ليظهر – لكل راغب في التعرف على الدين الإسلامي من غير أهله – بصورته المشرقة، وحقيقته المشوّقة.
 

____________________________________

(أ) فتح القدير 1/210
(ب) التحرير والتنوير 17/168.
(ج) التحرير والتنوير 17/168.
(1)    لم أقف عليه كما ذكر المصنف، والحديث له طرق متعددة، أشهرها حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته". أخرجه: أحمد 10/107، وصححه ابن حبان فأخرجه في صحيحه 6/451 مع الإحسان.
وأقرب ألفاظه لما ذكر المصنف: حديث عبد الله بن عباس مرفوعاً: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه". أخرجه ابن حبان في صحيحه 2/69 مع الإحسان.
وانظر في طرق الحديث وألفاظه: تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي 3/71-74، وإرواء الغليل للألباني 3/9-13.
(2)    معجم مقاييس اللغة 2/500.
(3)    أصول الشاشي، ص242.
(4)    المستصفى للغزالي 1/330.
(5)    روضة الناظر لابن قدامة 1/132.
(6)    الموافقات للشاطبي، ص183.
(7)    القواعد والفوائد الأصولية، ص158.
(8)    مذكرة أصول الفقه للشنقيطي، ص50.
(9)    جامع البيان 9/537.
(10)    الوسيط في تفسير القرآن المجيد 2/155.
(11)    الفروق للقرافي 2/119 في الفرق الثامن والستون.
(12)    شرح مختصر الروضة 1/467.
(13)    القواعد الكبرى 2/12.
(14)    الأشباه والنظائر، ص82.
(15)    الأشباه والنظائر، ص82.
(16)    بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ص188.
(17)    الهداية مع فتح القدير للكمال ابن الهمام 1/417.
(18)    الشرح الكبير للشيخ الدردير 1/389 مع حاشية الدسوقي.
(19)    أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا على مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك". رواه الدارقطني في سننه 2/305، وضعفه ابن حجر في الدراية 1/216، ويغني عنه حديث طارق بن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض". رواه أبو داود في سننه برقم (1067)، وصححه النووي في المجموع 4/483.
(20)    البيان في مذهب الإمام الشافعي 2/545.
(21)    الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي 2/300.
(22)    الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي 2/301.
(23)    أما ما يتعلق بالمريض فتطبيقاته واضحة معروفة لا داعي للإطالة بذكرها.
(24)    فتاوى اللجنة الدائمة 8/191-192.
(25)    القواعد الكبرى 2/12.
(26)    الأشباه والنظائر، ص82.
(27)    الأشباه والنظائر، ص83.
(28)    بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ص211.
(29)    الهداية مع فتح القدير للكمال ابن الهمام 1/375.
(30)    مواهب الجليل 2/259.
(31)    الحاوي الكبير 2/197.
(32)    الإنصاف 2/307-308.
(33)    فتاوى اللجنة الدائمة (المجموعة الثانية) 6/359-360.
(34)    القواعد الكبرى 2/12.
(35)    الأشباه والنظائر، ص82.
(36)    الأشباه والنظائر، ص83.
(37)    الإجماع لابن المنذر، ص47.
(38)    مراتب الإجماع، ص31.
(39)    الحديث بلفظ: "صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" أخرجه البخاري في صحيحه الحديث رقم (1117) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
وأما زيادة: "تومئ إيماء" فلم أقف عليها، ولا تعرف في الحديث. انظر: تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي 1/262.
(40)    الهداية مع فتح القدير للكمال ابن الهمام 1/375.
(41)    فتح القدير للكمال ابن الهمام 1/375.
(42)    القوانين الفقهية، ص143.
(43)    المجموع شرح المهذب 4/310.
(44)    القائل الذي نقل عن ابن قدامة هو: الإمام الخرقي (ت334) من مختصره المعروف بمختصر الخرقي.
(45)    جُحش أي: انخدش. انظر: النهاية في غريب الحديث 1/241.
(46)    الحديث أخرجه البخاري في صحيحه الحديث رقم (689)، ومسلم في صحيحه الحديث رقم (411)، كلاهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(47)    المغني لابن قدامة 2/570-571.
(48)    فتاوى اللجنة الدائمة (المجموعة الثانية) 6/359-360.
(49)    الحديث سبق تخريجه عند البخاري دون زيادة: "فإن لم تستطع فمستلقياً"، وقد ذكر الزيلعي وابن الملقن وابن حجر أن النسائي أخرجها. انظر: نصب الراية 2/175، والبدر المنير 3/519، والتلخيص الحبير 1/407، ولم أقف على أصل الحديث ولا على الزيادة في السنن المجتبى والسنن الكبرى للنسائي، والله أعلم.
(50)    فتاوى اللجنة الدائمة (المجموعة الثانية) 6/360-361.
(51)    القواعد الكبرى 2/12.
(52)    الأشباه والنظائر، ص82.
(53)    الأشباه والنظائر، ص83.
(54)    إذ هو أداء للصلاة في وقتها المحدد لها شرعاً، وهذا هو المطلوب شرعاً في الأصل، وقد نص على صورة الجمع بالأفعال الحنفية والمالكية. انظر: بدائع الصنائع للكاساني 1/127، والتمهيد 12/204، والفواكه الدواني للنفراوي 1/362.
قال ابن عبد البر في الاستذكار 6/20: "لأن ذلك جائز في الحضر بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في طرفي وقت الصلاة: "ما بين هذين وقت"، فأجاز الصلاة في آخر الوقت".
(55)    قال ابن عبد البر في الاستذكار 6/21: "وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز الجمع بين العصر والمغرب ولا بين العشاء والصبح".
وقال ابن قدامة في المغني 3/129: "ولو كان الجمع هكذا لجاز الجمع بين العصر والمغرب، والعشاء والصبح، ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك". وقال القسطلاني في إرشاد الساري 2/300: "(باب الجمع في السفر) الطويل لا القصير (بين المغرب والعشاء) والظهر والعصر، لا الصبح مع غيرها، والعصر مع المغرب، لعدم وروده".
(56)    قال ابن رجب في فتح الباري 4/273: "وقد اختلف العلماء في جوازنا تأخير الصلاة عن وقتها بالكلية، وإن لم تكن مما يُجمع، كتأخير صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، والعصر حتى تغرب الشمس، إذا اشتد الخوف، وفيه عن أحمد روايتان".
(57)    قال ابن الجوزي في كشف المشكل 2/500: "وأما الجمع بين الصلاتين هنا، فمجمع عليه".
وقال ابن جزي في القوانين الفقهية ص178: "يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرف والعشاء؛ لأسباب وهي: بعرفة والمزدلفة اتفاقاً".
(58)    وتفصيل في كتب الفقه المختلفة في مظانه المعروفة، وقد أفرده ببحث مستقل عدد من المعاصرين منهم الدكتور سامي أبو عرجة في بحثه المعنون بـ"الجمع بين الصلاتين في الفقه الإسلامي" منشور في مجلة الجامعة الإسلامية بغزة، في يناير من العام 2011م، المجلد التاسع عشر، العدد الأول، ص313-355، وقد ذكر فيه الأعذار: السفر، والمطر والثلج والبرد، والوحل والطين، والريح الباردة، والظلمة، والمرض، والخوف.
(59)    إذ لم يجيزوه إلا في عرفة ومزدلفة على الوجه السابق. انظر: بدائع الصنائع 1/126، وتبيينا لحقائق للزيلعي 1/88.
(60)    انظر: الأم للشافعي، ص63، وتحفة المحتاج للهيتمي 2/404.
(61)    انظر: الإنصاف للمرداوي 2/335.
(62)    انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد 1/185، والقوانين الفقهية لابن جزي، ص178.
(63)    انظر: المغني لابن قدامة 3/135، والإنصاف للمرداوي 2/335.
(64)    انظر: حواشي الشرواني 2/404.
(65)    انظر: بداية المجتهد، ص208.
(66)    انظر: بداية المجتهد، ص208.
(67)    انظر: بدائع الصنائع للكاساني 1/121، 127.
(68)    انظر: تبيين الحقائق للزيلعي 1/88.
(69)    أخرجه النسائي في المجتبى الحديث رقم (3010).
وأخرجه البخاري في صحيحه الحديث رقم (1682) بلفظ: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة بغير ميقاتها، إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر قبل ميقاتها".
ومسلم في صحيحه الحديث رقم (1289)، بلفظ: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها".
(70)    انظر: تبيين الحقائق للزيلعي 1/88.
(71)    هكذا ذكره الكاساني في بدائع الصنائع 1/127، ولم أقف عليه، وأقرب لفظ وقفت عليه هو ما رواه الترمذي في جامعة الحديث رقم (188) عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر". ثم ضعف سنده الترمذي قائلاً: "وحنش هذا هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره".
(72)    انظر: بدائع الصنائع للكاساني 1/127.
(73)    رواه البخاري في صحيحه الحديث رقم (1805)، ومسلم في صحيحه الحديث رقم (703)، واللفظ لمسلم.
(74)    رواه البخاري في صحيحه الحديث رقم (1111)، واللفظ له، ومسلم في صحيحه الحديث رقم (704) 46.
(75)    رواه مسلم في صحيحه الحديث رقم (704) 47.
(76)    رواه مسلم في صحيحه الحديث رقم (704) 48.
(77)    رواه مسلم في صحيحه الحديث رقم (706).
(78)    انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد 1/185، وشرح النووي على مسلم 5/303-304.
(79)    انظر: الاستذكار 6/20.
(80)    انظر: المجموع للنووي 4/384، والمغني لابن قدامة 3/135.
(81)    انظر: الأم للشافعي، ص61، والمجموع للنووي 4/378، 384.
(82)    انظر: المجموع للنووي 4/384.
(83)    انظر: حواشي الشرواني 2/404 مع التحفة.
(84)    رواه مسلم في صحيحه الحديث رقم (705) 49.
(85)    رواه مسلم في صحيحه الحديث رقم (705) 54.
(86)    انظر: معالم السنن للخطابي 1/265، والمقدمات الممهدات لابن رشد 1/185-186، والمجموع للنووي 4/383-384، والمغني لابن قدامة 3/135، وفتح الباري لابن رجب 4/370.
(87)    رواه أبو داود في سننه الحديث رقم (294)، والنسائي في المجتبى الحديث رقم (213). وصححه الألباني في صحيح أبي داود الأم 2/86-87.
(88)    رواه ابن ماجه في سننه الحديث رقم (627)، وحسنه الألباني في تعليقه على سنن ابن ماجه.
(89)    انظر: المغني لابن قدامة 3/135-136، وفتح الباري لابن رجب 4/270، ونيل الأوطار 3/260.
(90)    انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال 2/171، والاستذكار لابن عبد البر 6/37.
(91)    انظر: المجموع للنووي 4/384.
(92)    الموافقات، ص646.
(93)    مغني المحتاج 1/534.
(94)    فتاوى اللجنة الدائمة 8/85.
(95)    فتاوى اللجنة الدائمة (المجموعة الثانية) 6/368-369.
(96)    فتاوى اللجنة الدائمة (المجموعة الثانية) 6/369-370.
(97)    القواعد الكبرى 2/12.
(98)    الأشباه والنظائر، ص82.
(99)    الأشباه والنظائر، ص83.
(100)    روى البخاري في صحيحه الحديث رقم (596)، واللفظ له، ومسلم في صحيحه الحديث رقم (631) كلاهما عن جابر بن عبد الله: "أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش، قال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر، حتى كادت الشمس تغرب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما صليتها، فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب".
(101)    مجموع فتاوى ابن باز 12/255-256.
(102)    القواعد الكبرى 2/12.
(103)    الأشباه والنظار، ص82.
(104)    الأشباه والنظائر، ص83.
(105)    رواه البخاري في صحيحه الحديث رقم (228)، واللفظ له، ومسلم في صحيحه الحديث رقم (333).
(106)    الهداية مع فتح القدير لابن الهمام 1/124.
(107)    الكافي 1/189.
(108)    روضة الطالبين 1/279.
(109)    المصدر السابق 1/282.
(110)    المغني 1/422. وانظر: الإنصاف للمرداوي 1/381.
(111)    قواعد الأحكام 1/101.
(112)    النوازل الطبية عند المحدث الألباني، ص577-588.
(113)    مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 12/97-98.
(114)    الأشباه والنظائر، ص82.
(115)    الأشباه والنظائر، ص83.
(116)    القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة 1/269.

2 + 14 =