زكاة المخططات العقارية فترة تخطيطها وتطويرها
8 شوال 1440
أ.د عبدالله بن عمر السحيباني

المقدمة

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على رسوله وعبده، وخيرته من خلقه، محمد ابن عبدالله وعلى آله وصحبه... أما بعد:

فإن الناظر اليوم في مسائل الزكاة المعاصرة يجد أنها قد أخذت حيّزاً كبيراً في البحوث الشرعية، ذلك أن تلك المسائل والقضايا بل والنوازل أحياناً تتطلب نظراً فاحصاً، وفقهاً دقيقاً، مبنياً على أصول الأحكام الشرعية، والمقاصد المرعية في هذه الفريضة العظيمة، ولأجل ذلك -أيضاً- فقد أخذت تلك المسائل حيزاً من نظر الهيئات الشرعية أو اللجان الدائمة للإفتاء في كثير من الدول الإسلامية، وذلك لكثرة ما يستشكل في موضوعات الزكاة من أصحاب الأموال أفراداً أو مؤسسات وشركات، وهذه مسألة جديدة في زكاة العقارات،لم يسبق أن بحثت بحثاً مستقلاً – فيما أعلم – (1)، وهي تدور حول زكاة المخططات العقارية فترة تخطيطها وتطويرها، تلك المخططات التي قد تمتد فيها فترة التخطيط والتطوير قرابة ثلاث سنوات أو أربع أو أكثر من ذلك أحياناً، من حيث وجوب الزكاة في كل سنة من تلك الفترة، وكان سبب الكتابة حول هذه المسألة هو طلب الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء إعداد بحث في هذا الموضوع، وتكليفي بدراسة هذه المسألة والنظر فيها، وكتابة ما تيسر حول حكمها.

فاستعنت بالله تعالى، وبذلت جهدي في دراسة كل الجوانب المؤثرة في حكمها، ونظرت في كتب المتقدمين من الفقهاء، وفي بحوث أهل العلم المعاصرين الذين تناولوا المسائل المشابهة لهذه المسألة من بعض الوجوه، وقد رأيت أن النظر في هذه المسألة يستوجب التقديم لها ببعض المباحث المتعلقة بأحكام العقارات جملة، ثم درست المسألة من خلال عرض آراء الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها والترجيح.

 

المبحث الأول: مقدمات في زكاة العقارات (2).

المطلب الأول: الأصل في العقارات.

المطلب الثاني: العقارات المعدة للاستثمار.

المطلب الثالث: العقارات المعدة البيع.

المطلب الأول: الأصل في العقارات.

الأصل في عموم العقارات التي يمتلكها الناس عدم  وجوب الزكاة، ذلك أن أكثر العقارات سواء كانت أرضاً أو بناءاً أو مزرعة لا يقصد في تملكها التجارة وطلب الربح بالبيع، إنما هي للانتفاع بالسكن أو الاستثمار بزراعتها أو تأجيرها أو إقامة مشاريع عليها، وكل هذه العقارات وما في معناها ليست عروضاً تجارية فلا تدخل في مسمى عروض التجارة التي تجب فيها الزكاة، لأن العروض التي تجب فيها الزكاة هي العروض المعدة للبيع فقط، وقد نص عامة فقهاء المذاهب الأربعة على حكم هذه المسألة (3)، وقد دلّ لعدم وجوب الزكاة في العقار وغيره مما لم يرصد للبيع عدة أدلة، منها ما يلي:

أولاً: حديث  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: " ليس على المسلم في فرسه وغلامه  صدقة" (4).

قال ابن عبد البر: "وقال سائر العلماء: إنما معنى هذا الحديث فيما يقتنى من العروض، ولا يراد به التجارة" (5).

قال النووي: "هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها، وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق إذا لم تكن للتجارة، وبهذا قال العلماء كافة من السلف والخلف" (6).

ثانياً: ما رواه سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: "أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يُعد للبيع"(7).

ومفهوم الحديث يدل على أن ما لم يعدّ للبيع من الأموال لا تجب فيه الزكاة، إلا ما وجب بنص آخر، كأنواع الزكاة الأخرى.

ثالثاً: الآثار الواردة عن السلف في هذا، ومن ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "ليس في العروض زكاة، إلا ما كان للتجارة"(8).

رابعاً: الإجماع، فقد نقل غير واحد من أهل العلم إجماع العلماء من السلف والخلف على أنه لا زكاة في الأموال المقتناة، ومن ذلك ما نقله أبو عمر ابن عبد البر حيث قال:"فأجرى العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخلف سائر العروض كلها على اختلاف أنواعها مجرى الفرس والعبد إذا اقتني ذلك لغير التجارة، وهم فهموا المراد وعلموه، فوجب التسليم لما أجمعوا عليه؛ لأن الله عز وجل قد توعد من اتبع غير سبيل المؤمنين أن يوليه ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيراً " (9).

وقال ابن حزم: "مما اتفقوا على أنه لا زكاة فيه كل ما اكتسب للقنية لا للتجارة، من جوهر وياقوت... وسلاح وخشب ودروع وضياع..." (10)  الخ.

خامساً: من التعليل: قالوا: إن الزكاة لا تجب إلا في الأموال النامية، والعقارات المعدة للانتفاع والسكنى ليست كذلك (11).

وبهذا يتضح أن العقارات التي لا تعد للبيع لا تجب فيها الزكاة، حتى لو بقيت على تلك الحال عدة سنوات، ما دامت نية مالكها لم تتغيّر عن هذا القصد.

وعليه فإن الأصل عدم وجوب الزكاة في العقارات إلا بدليل، ولا دليل فيها (12).

 

المطلب الثاني: العقارات المعدة للاستثمار.

بعض العقارات التي يمتلكها الناس يكون الغرض من امتلاكها استثمارها في الحال أو في المستقبل بأي نوع من أنواع الاستثمار، كأن يقصد استثمارها بالزراعة أو الإجارة، أو أن يقيم عليها مشروعاً استثمارياً غير البيع، فهذه العقارات لا زكاة في عينها، وإنما الزكاة فيما ينتج منها من زروع أو ثمار، أو أموال إجارة أو استثمار، إذا حال عليها حول الزكاة، مع اختلاف القدر الواجب في نوع الاستثمار في الزراعة وغيرها، وعلى عدم وجوب الزكاة في عين هذه العقارات اتفق عامة فقهاء المذاهب (13).

ويستدل لعدم وجوب الزكاة في هذا النوع من العقارات بأدلة منها ما يلي:

 أولاً: قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) (14)

فقد أثبت الله سبحانه وجوب الزكاة فيما خرج من الأرض لا في الأرض نفسها، ولذا لم يقل أحد من أهل العلم بوجوب الزكاة في رقبة الأرض المزروعة مع ما يخرج منها (15).

ثانياً: ما رواه سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: " أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يُعد للبيع" (16).

 وهذه العقارات المعدة للاستثمار لم ترصد للتجارة بعينها، فهي ليست معدة للبيع،  فلا زكاة في رقبتها، إنما تجب الزكاة في الأنشطة الاستثمارية المقامة عليها، بحسب نوع الاستثمار.

المطلب الثالث: العقارات المعدة البيع.

إذا كان العقار مرصداً للبيع والتجارة، بحيث يشتريه صاحبه بقصد بيعه مباشرة أو التربص به فترة قليلة لا تتجاوز الحول فأمر هذا العقار واضح من حيث قصد التجارة والتكسب بإخراجه عن ملك صاحبه بالبيع، فهو عقار داخل في مسمى عروض التجارة التي تجب فيها الزكاة.

وقد ذكر عامة الفقهاء الذين قالوا بوجوب زكاة عروض التجارة (17)، بأن العقارات تعد من الأموال الزكوية، حيث إنها عروض قد يقصد بها الربح والتجارة، ولعلي أنقل هنا شيئاً من أقوالهم التي تبيّن هذا المعنى، وتفيد في هذا الخصوص:

قال الكاساني:"وسواء كان مال التجارة عروضاً أو عقاراً أو شيئاً مما يكال أو يوزن; لأن الوجوب في أموال التجارة تعلق بالمعنى وهو المالية والقيمة" (18).

وقال القرافي:" كل ما جاز بيعه جاز أن يكون تجارة، وكل ما جاز أن يكون تجارة جاز تعلق الزكاة به، ينتج: كل ما جاز بيعه جاز تعلق الزكاة به بالضرورة" (19).

وقال ابن رشد:"وقسم ثان: العروض كلها: الدور والأرضون والثياب والطعام والحيوان الذي لا تجب في رقابه الزكاة" (20).

وقال الخطيب في عروض التجارة هي: "اسم لكل ما قابل النقدين من صنوف الأموال" (21).

ويقول ابن قدامة:"العروض: جمع عرض، وهو غير الأثمان من المال، على اختلاف أنواعه، من النبات والحيوان والعقار وسائر المال " (22).

ومن هنا يتبين أن جماهير أهل العلم الذين يقولون بوجوب زكاة عروض التجارة يدخلون العقارات في مسمى تلك العروض، والخلاف في زكاة العقارات وفي غيرها من الأموال التجارية حينئذ ضعيف أو شاذ (23).

 

المبحث الثاني: الاتجاهات الفقهية في زكاة المخططات العقارية فترة تخطيطها وتطويرها.

توطئة:

تعتبر الاستثمارات العقارية من أنجح الاستثمارات وأكثرها ربحية؛ وذلك بسبب الطلب المتزايد على العقار، ولأن هذا النوع من الاستثمار من أقل الاستثمارات خطورة، ولذلك كثرت في الآونة الأخيرة مشاريع الاستثمار العقاري، التي تقوم بها مؤسسات أو شركات عقارية كبرى.

وتلك المشاريع قد يكون القصد فيها البيع وقد يكون القصد فيها الاستثمار بالإجارة ونحوها، والذي يعنينا هنا هي تلك المشاريع التطويرية التي يقصد منها البيع، وهذه يمكن تقسيمها من حيث طبيعة التطوير الذي يجري عليها إلى نوعين:

النوع الأول: تلك المشاريع المعمارية التي تهدف إلى بناء وإعمار وحدات سكنية أو مجمعات تجارية، أو نحوها، ويكون القصد من تلك العقارات من حين شرائها هو التجارة ببيعها بعد تمام البناء أو في أثنائه بحسب طبيعة المشروع ونوعه، وبحسب ما يسمح به النظام، وهذا النوع من العقارات يختلف فيه حكم الزكاة بحسب نوع تلك المشاريع، ولن أتعرض لبحث تلك الأنواع لأجل أن لا أثقل البحث، مع أن بعضها يتفق في الصفة والنتيجة في الحكم مع النوع الثاني (24).

النوع الثاني: المشاريع التطويرية للأراضي البيضاء، والتي تهدف إلى تطوير تلك الأراضي من خلال وضع المخططات العمرانية المناسبة، وتزويد تلك العقارات بما تحتاج إليه من خدمات وبنية تحتية؛ لتجهيزها للانتفاع بها، وفق أنظمة المدن الحديثة، ثم عرضها للبيع بعد أن يسمح النظام بذلك، وهذه في الغالب تقوم بها شركات مساهمة، وقد يقوم بها بعض الأفراد، وهذا النوع من الاستثمارات العقارية تحتاج في الغالب إلى فترة طويلة قد تصل إلى ثلاث سنوات أو أكثر بحسب نوع التطوير وما يحتاج إليه، وفي هذه الفترة لا يستطيع المالك بيع شيء من تلك العقارات مجزأة، بل لا بد من إنهاء كافة إجراءات التخطيط وإخراج صكوك التمليك بحسب الأنظمة المتبعة.

هذه الفترة التي يقوم المالك للعقار فيها بتخطيط عقاره وتطويره، أتجب الزكاة فيها كل حول، أم إنها لا تجب الزكاة فيها إلا بعد الانتهاء من التخطيط والعرض للبيع؟

يمكن أن تحصر اتجاهات الفقهاء حول هذه المسألة في قولين:

القول الأول:

وجوب الزكاة في المخططات العقارية فترة تخطيطها وتطويرها، في كل سنة، بحسب قيمتها السوقية.

وهذا القول يمكن أن يخرج على قول فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة الذين يقولون بوجوب الزكاة في مال التاجر المحتكر(المتربص) فترة التربص (25).

وهذا القول هو الذي تقتضيه فتوى كثير من الهيئات الشرعية، ولجان الإفتاء في المملكة العربية السعودية وفي غيرها (26).

أدلة هذا القول:

يمكن أن يستدل لهذا القول بعدة أدلة، منها ما يلي:

الدليل الأول: ما رواه سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: " أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يُعد للبيع" (27).

ووجه الدلالة من الحديث:

أنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالزكاة في كل ما يعد للبيع، وهذا الحديث يشمل بعمومه تلك المخططات العقارية فترة التخطيط والتطوير، لأنها معدة للبيع في المستقبل.

ويمكن أن يناقش الاستدلال بهذا الحديث بما يلي:

1 – أن هذا الحديث رغم شهرته فهو ضعيف، بل شديد الضعف، فإن في إسناده رواة مجهولين، لذا قال الذهبي لما ساق جملة من الأحاديث التي رويت بهذا الإسناد:"وبكل حال، هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم " (28)، لذلك فلا يصح الاحتجاج بهذا الحديث في مسألة مهمة كهذه.

2 – أن المقصود بالإعداد للبيع في الحديث هو أن يكون صالحاً للبيع بعد إعداده، وهذا يختلف بحسب العروض التي يراد بيعها، فطريقة الإعداد لكل العروض ليست متفقة، فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم صفة الإعداد وطريقته، ولفظ الشارع إذا لم يرد له حد في الشرع ولا في اللغة، فإنه يرجع فيه إلى العرف، لذلك فإن لفظ: "مما نعد للبيع" يشير إلى ما تعارفوا عليه في الإعداد بأنه ما اعتبره الناس صالحاً للبيع بعدما تم إعداده، والمخططات العقارية تحت التخطيط والتطوير لم تصلح للبيع بعد، يؤكد هذا أن رغبة الناس في عروض التجارة إما أن تكون لعينها فقط، أو لعينها وما تشتمل عليه من منفعة تختص بها، فإذا اجتمع الأمران صارت معدة للبيع (29).

ولذلك فيمكن أن يقلب الاستدلال بهذا الحديث – لو صح – فيقال: ليس في المخططات العقارية التي لا يراد بيعها فترة التطوير زكاة؛ لأنها ليست معدة للبيع، فإذا انتهت فترة تطويرها وأعدت للبيع ففيها الزكاة كل حول.

الدليل الثاني: عموم الأدلة الدالة على وجوب زكاة عروض التجارة، والمخططات العقارية فترة التخطيط لا تخرج عن هذا العموم، حيث تنطبق عليها شروط وجوب الزكاة في عروض التجارة، فنيّة البيع لذلك المخطط عند المالك موجودة منذ تملكه وشرائه، فهو اشترى ليبيع، ولا فرق بين أن ينوي البيع في الحال أو في المستقبل، أو أن يتم عرض السلعة للبيع أو يحتكرها فلا يعرضها (30).

ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بما يلي:

  1. عدم التسليم بأن شروط وجوب الزكاة في عروض التجارة متحققة في فترة تطوير المخططات العقارية، فالمال في الوقت الراهن ليس عرضاً تجارياً صالحاً للبيع، لأن من شرط كون المال عرضاً تجارياً نية التجارة وكون المال متجراً فيه يتصرف فيه مالكه ويقلبه كيف يشاء، ولذلك نص جماعة من الفقهاء على أن نية التجارة معناها:" تقليب المال بالتصرف فيه لطلب النماء" (31)، ولذا فالأقرب في تلك المخططات العقارية أنها أموال قنية في فترة التطوير حتى يتم عرضها للبيع حقيقة (32).
  2. عدم التسليم بتساوي المحتكر والمدير في وجوب الزكاة في ماليهما، وهذا جواب فقهاء المالكية، فإن المحتكر عندهم لا زكاة عليه، يقول ابن رشد:"وأما غير المدير وهو المحتكر الذي يشتري السلع ويتربص بها النفاق، فهذا لا زكاة عليه فيما اشترى من السلع حتى يبيعها، وإن أقامت عنده أحوالاً" (33).
  3. على التسليم بوجوب الزكاة على المحتكر(المتربص) فإن المالك للعقار فترة التطوير لا يدخل في حكمه، ذلك أن المحتكر المخاطب بوجوب الزكاة هو من يستطيع عرض سلعته للبيع في أي وقت، أما مالك تلك المخططات العقارية فترة تطويرها فهو غير محتكر، بل هو لا يستطيع أن يعرض سلعته للبيع؛ لأن عرضها في ذلك يعرضه للخسارة، لعدم رغبة المشترين فيها وهي على تلك الحال، فبينهما في الحقيقة فرق ظاهر، فالمحتكر يستطيع التصرف بالبيع، وسلعته مرغوب فيها، أما مالك تلك المخططات العقارية فهو لا يستطيع بيع شيء منها في تلك الفترة كما يريد، بل لو عرض المخطط للبيع جملة في تلك الفترة لدخل عليه الضرر، إذ إنه يبيع سلعة لم تكتمل الرغبة فيها بعد.

الدليل الثالث: أن هذه المخططات العقارية فترة التخطيط والتطوير مال فاضل عن الحوائج الأصلية، والمقصود بها النماء والزيادة – أي طلب الربح – فأشبهت أجناس المال المتفق على وجوب الزكاة فيها من الزروع والماشية والذهب والفضة (34).

ويمكن أن يناقش هذا بما يلي:

1 - بأن تحقق وصف النماء في المخططات العقارية فترة التطوير لا يجعلها أموالاً زكوية، فوصف النماء ليس وصفاً مطرداً موجباً للزكاة في الأموال، بل من الأموال ما هو نام حقيقة ومع هذا لا تجب فيه الزكاة، كبعض المزروعات من الفواكه والخضار، عند أكثر أهل العلم (35).

2 – يمكن أن يقال إن النماء غير متحقق في المخططات العقارية فترة التطوير، إنما يتحقق النماء في الأموال التي تكون متداولة ويمكن التصرف فيها بسهولة، أما تلك المخططات فهي قد يتحقق فيها النماء التقديري أو الحكمي وهو مجرد حولان الحول على العروض التجارية، والنماء التقديري أو الحكمي غير معتبر، وهذا هو الذي جعل فقهاء المالكية لا يوجبون الزكاة في مال المتربص(المحتكر).

ومما يؤيد ذلك أن المخططات العقارية قد تبقى فترة طويلة - قريبة من السنة أو أكثر- وهي على وضعها لم تحدث فيها أي خدمات تزيد في سعرها وتنميها، وذلك بسبب انتظار التصاريح والأوراق النظامية التي تسمح بإجراء الخدمات في ذلك المخطط، وهذا الأمر قد يستغرق حولاً أو أكثر، والأرض في تلك الفترة لا يمكن أن تعتبر نامية نمواً حقيقياً، وإنما هو النمو التقديري أو الحكمي فقط.

الدليل الرابع: استدل بعضهم:" بأن الأموال نوعان عروض قنية وعروض تجارة، فعروض القنية لا زكاة فيها إلا ما كان مالاً زكوياً بأصله، كالنقود، وعروض التجارة تجب فيها الزكاة، والعقارات تحت التطوير أقرب إلى عروض التجارة منها إلى عروض القنية" (36).

ويمكن أن يناقش هذا بما يلي:

أن الأصل في العقار كله أنه مال قنية وليس مال تجارة، فالعقار في أصله ليس مالاً زكوياً، ولا يصح وصف المال بأنه عروض تجارة تجب فيه الزكاة بمجرد وجود نيّة البيع فقط، إذ لو قيل بذلك لوجبت الزكاة في كل مال يقتنى وينوي مالكه بيعه، ولا يقول بهذا أحد من أهل العلم.

يقول الباجي: "فما دام عرضاً فلا شيء فيه؛ فإن النية مفردة لا تؤثر، ولو أثرت دون عمل لوجبت الزكاة على من كان عنده عرض للقنية فنوى بذلك التجارة، وقد أجمعنا على بطلان ذلك" (37).

والمخططات العقارية فترة التخطيط والتطوير أقرب إلى القنية؛ ولا يؤثر وجود نيّة البيع فيها، حتى يتم إعدادها وعرضها للبيع، فإذا انتهت فترة تخطيطها وأمكن بيعها صارت أموال تجارة، أما قبل ذلك فالأصل عدم الزكاة، ومن خرج عن هذا الأصل فعليه الدليل.

خاصة أن تلك الفترة في كثير من الأحيان قد تمتد وتطول طولاً خارجاً عن إرادة المالك بسبب الأنظمة، وربما كانت أنظمةً جديدة لمثل تلك المخططات، أو بسبب طبيعة الأرض، أو لأسباب وعوارض أخرى.

القول الثاني:

عدم وجوب الزكاة في المخططات العقارية فترة تطويرها، وإنما يجب على المالك زكاتها إذا باعها لسنة واحدة، وهذا القول هو مقتضى مذهب المالكية في التاجر المحتكر(38).

وهو الذي أخذت به ندوة دلة البركة في دورتها السادسة (39)، وهو الذي يقتضيه قول بعض الباحثين المعاصرين(40).

ويمكن أن يستدل لهذا القول بعدة أدلة منها:

الدليل الأول: أن المخططات العقارية في فترة التخطيط والتطوير أشبه ما تكون بعروض التاجر المحتكر، الذي ليس من شأنه تقليب المال، وهذه العروض لا زكاة فيها على الراجح(41).

ويمكن أن يناقش هذا:

بأن التفريق بين التاجر المحتكر والمدير تفريق لا دليل عليه، والعبرة بوجود نيّة التجارة، فما دامت نيّة التجارة حاضرة وقت شراء تلك المخططات والقصد بيعها فتجب الزكاة كل سنة، ولو لم يعرضها للبيع.

ويمكن أن يجاب عن هذا:

بأنه مع التسليم بعدم وجود الفرق بين التاجر المحتكر والمدير في وجوب الزكاة في ماليهما لوجود نيّة التجارة، إلا أنه يمتنع التسليم بوجود وصف التجارة في المخططات فترة التخطيط، بل وصف التجارة فيها أضعف من وصف التجارة لمال المحتكر؛ من جهة أن التاجر المحتكر يستطيع التصرف بالبيع في أي وقت، ومالك المخططات العقارية لا يستطيع التصرف فيها في تلك الفترة، إلا على نحو يدخل عليه الضرر، ويلحق به الخسارة، وبهذا فإن وصف المخططات العقارية فترة تطويرها بالعروض التجارية وصف ضعيف، بل هو غير متحقق.

الدليل الثاني: أن المخططات العقارية لا تعتبر من عروض التجارة فترة تطويرها، لأنها غير معروضة للبيع في تلك الفترة، إنما يأتي العرض للبيع بعد سنتين أو ثلاث أو أكثر، وبهذا فلا ينطبق عليها وصف العروض التجارية التي عناها الفقهاء وهي التي تعرض وتعد للبيع (42).

ويمكن أن يعضد هذا الاستدلال حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: "أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يُعد للبيع" (43).

فوصف الإعداد للبيع لا ينطبق في تلك المخططات وقت تخطيطها، إنما ينطبق عليها هذا الوصف بعد عرضها للبيع.

        ويمكن أن يناقش هذا بما يلي:

  1. بأن الحديث ضعيف، بل شديد الضعف، فلا يؤخذ منه حكم.
  2. أن شرط وجوب الزكاة أن تكون معدة للبيع لا أن تكون معروضة للبيع، وتسميتها عروضاً لا يلزم منه أن تكون معروضة فعلاً، وإنما المراد أن من شأنها أن تعرض للبيع والشراء، فالعروض في اللغة جمع عرض، وهو كل مال سوى النقدين، وسمي بذلك لأنه لا يستقر، يعرض ثم يزول(44).

        لكن يمكن أن يناقش هذا الجواب:

بأن الفقهاء لم يتفقوا على وصف دقيق للعروض حتى تسمى عروضاً تجارية، بل الظاهر أن العرض في اللغة يسمى بذلك لأنه يعرض ويزول، ولأنه يعرض ليباع ويشترى، ومما يؤيد هذا قول البهوتي في شرح منتهى الإرادات:" والعرض بإسكان الراء، ما يعد لبيع وشراء لأجل ربح، ولو من نقد، سمي عرضاً لأنه يعرض ليباع ويشترى، تسمية للمفعول بالمصدر، كتسمية المعلوم علماً " (45).

وإذا لم نحصل على وصف دقيق لمعنى العروض التجارية التي تجب فيها الزكاة في نص الشارع، ولا في اللسان اللغوي، فإن هذا الوصف يجب أن يرجع إلى عرف الناس وما يتعاملون به، فما اعتبره الناس عروض تجارة فهو عروض تجارة، وما لم يكن فليس كذلك، وهذا يختلف باختلاف السلع، وباختلاف الأحوال التي يتم فيها العرض والإعداد للبيع والشراء.

الدليل الثالث: أن المخططات العقارية من عروض التجارة التي يشترط فيها النماء، ولا يمكن أن يتحقق النماء في تلك المخططات إلا حين بيعها وإدارتها، يقول ابن بشير من علماء المالكية:" لأن الزكاة متعلقة بالنماء أو بالعين لا بالعروض، فإذا أقامت أحوالاً، ثم بيعت لم يحصل فيها النماء إلا مرة واحدة، فلا تجب الزكاة إلا مرة واحدة" (46).

لكن يمكن أن يناقش هذا بما يلي:

1 - أن وصف النماء وصف غير مطرد في الأموال الزكوية،كما سبق.

2 – أن وصف النماء يكفي أن يتحقق تقديراً بحولان الحول، كما في النقدين، وهذا موجود في تلك المخططات، فلو لم تكن نامية حقيقة، فهي أموال نامية تقديراً.

3 – يمكن أن يقال بل النماء متحقق حقيقة في تلك المخططات وقت تطويرها، فإن قيمتها السوقية تزيد بمرور الوقت، وبما يتم عليها من إصلاحات وما يوضع فيها من خدمات.

الدليل الرابع: أن المخططات العقارية فترة التطوير وإن كانت مملوكة لصاحبها، إلا أن مالكها لا يستطيع الحصول على النقد منها في تلك الفترة، ومعلوم أن العروض التجارية ملحقة في حكمها بالنقود، فإذا لم يمكن تسييل تلك العروض نقداً، لم يصح إلحاقها بحكم النقد في وجوب الزكاة (47).

ويمكن أن يناقش هذا:

بأن مالك المخططات العقارية وإن كان لا يستطيع بيع شيء منها فترة التخطيط والتطوير في صورة قطع سكنية أو تجارية، إلا أنه يستطيع بيع كامل المخطط في تلك الفترة، لكنه ينتظر زيادة الربح فيها.

ويمكن أن يجاب عن هذا:

بالفرق بين من يستطيع البيع وتحصيل الربح، وبين من لا يستطيع البيع إلا بضرر عليه، فإن الغالب أن تلك المخططات لا تعرض للبيع وقت تخطيطها لبيعها جملة، ولو عرضت للبيع في تلك الفترة لم تلق رغبة في الشراء، ولربما هبطت قيمتها كثيراً لو عرضت في ذلك الوقت، وهذا فرق دقيق ومؤثر في مثل هذه الأحوال.

الدليل الخامس: أن في إيجاب الزكاة في المخططات العقارية فترة تخطيطها وتطويرها ظلماً للمالك من عدة جهات، إذ كيف يجب عليه زكاة مال يصعب عليه أن يتصرف فيه لعدة سنوات قد تطول، وكيف تجب عليه في هذه الفترة زكاة مع عدم تحقق شيء من الأرباح المرجوة، ولو قدرنا أن فترة التخطيط والتطوير أربع سنوات وهذا في عمر المخططات التي يتم تطويرها من حين تملكها حتى البيع متوقع بكثرة، لو فرض ذلك فإن المالك سيخرج من قيمة الأرض السوقية ما مجموعه عشر قيمة الأرض، وهذا كما هو ظاهر إجحاف بالمالك؛ ربما أذهب عليه كثيراً من الربح، بل ربما جرّ إليه خسارة وضرراً، والشريعة جاءت برفع الضرر ومنعه.

ويمكن أن يناقش هذا:

بأن وجوب الزكاة في عروض التجارة لا يسقط بسبب وجود الخسارة أو توقعها، فالزكاة فريضة في المال الزكوي ولو أدى ذلك إلى نقصه وخسارته، فالتاجر تجب في أمواله التجارية الزكاة سواء ربح أو خسر، فهي حق الله تعالى.

لكن يمكن أن يجاب عن هذا:

بأن القول بعدم وجوب الزكاة في المخططات العقارية إنما هو في فترة التخطيط والتطوير وعدم العرض للبيع، ثم بعد ذلك يزكيها عند العرض للبيع، فالزكاة في هذا المال لا تسقط مطلقاً، وكما أن المالك للمال - على الصحيح - لا يزكي ماله من الديون التي على معسر أو مماطل في تلك الفترة، أو ماله الضائع إلا لسنة واحدة، فكذلك هنا.

الدليل السادس: أن القول بوجوب الزكاة في المخططات العقارية فترة تخطيطها وتطويرها فيه ضرر اقتصادي عام؛ لأنه ربما أحجم كثير من التجار والمستثمرين والشركات العقارية عن هذه المشاريع التنموية بسبب إيجاب الزكاة كل سنة في مثل هذه المخططات العقارية فترة التطوير، وذلك من أجل النسبة المرتفعة في تحصيل الزكاة في أموال لم يتم تداولها بعد، مما يقلل فرصة الربح، بل ربما حدثت خسائر لو طالت سنوات التخطيط والتطوير.

وهذا الضرر الاقتصادي ربما أدى إلى هجرة كثير من أموال المستثمرين خارج حدود الدولة، ولم ينتفع منها الموطنون، ولو بقيت تلك الاستثمارات العقارية مع فرض الزكاة فيها فإن الضرر أيضاً سيلحق بالمستهلك في آخر المطاف، إذ إن التاجر سوف يرفع نسبة الربح لتعويض النقص الذي حصل عليه كل سنة من الزكاة، والشريعة كما هو معلوم جاءت بمنع الضرر ورفعه.

الدليل السابع: أن وجوب الزكاة في المخططات العقارية فترة تخطيطها وتطويرها مشكل من جهة التقويم المعتبر، إذ من الصعوبة تقويم تلك الأراضي كل عام في أثناء جريان التخطيط والعمل فيها، ومن المعلوم أن مثل هذه المخططات تحتاج في الغالب إلى تسوية وردم، وربما شق لبعض الجبال، وتحتاج إلى أنواع الخدمات من أرصفة وإنارة وكهرباء وماء وصرف صحي وتصريف أمطار وغيرها، ففي أثناء تلك الأعمال كيف سيجري التقويم كل سنة؟ لا شك أنه من الصعوبة الوصول إلى تقويم عادل (48).  

ويمكن أن يجاب عن هذا:

أن صعوبة التقويم ليست دليلاً على سقوط الزكاة، كما أنه ليس من شروط الزكاة دقة التقويم، بل التقويم قد يكون قائماً على الخرص والتخمين كما في خرص الثمار، فيكون تقويم تلك المخططات من أهل الخبرة في تلك الأعمال في كل عام، ويكفي في ذلك التقويم التقريبي ولو لم يكن دقيقاً، لصعوبة الدقة في مثل ذلك، فتقدر قيمتها السوقية، وإن تعذر فتقدر بقيمة التكلفة مع نسبة الربح المتوقع، مع اعتبار حركة السوق وغيرها من المؤشرات.

 

المبحث الثالث: الموازنة والترجيح.

يتحرج المفتي –أحياناً-في شأن فريضة الزكاة حين تعرض له الفتوى فيها؛ ذلك لأن الفتوى حينئذٍ أشبه ما تكون بفصل القضية بين المتخاصمين،  فالمال المسؤول عنه في الزكاة إما مال للفقير، يجب أن يصل إليه ولا يجوز منعه منه، أو هو مال لمالكه فالأصل تركه بيده؛ فلا يؤخذ منه إلا ببيّنة، وفي الخطأ الحاصل بين هذا وهذا قد يحصل الظلم والضرر، وبقدر ما تكون الأموال التي تخرج من الزكاة كثيرة بقدر ما يكثر الحرج، ويصعب على المفتي الجسور في شأن هذه الأموال.

ولقد تأملت في مسألة زكاة المخططات العقارية فترة تخطيطها وتطويرها، ونظرت الأقوال، وفحصت الأدلة، وتبيّن لي أن كلا القولين له حظ من النظر، وأنه ينطلق من أدلة قوية، أثرية ونظرية، وأن وجود المناقشات على بعض الأدلة لا يعني سقوطها مطلقاً.

ولأنني أمام واقعة يلزمني الخروج منها بقول واحد، فإني أجد أن القول الأقرب للرجحان في هذه المسألة هو القول بعدم وجوب الزكاة في المخططات العقارية فترة تخطيطها وتطويرها، إذا تجاوزت تلك الفترة الحول الواحد، فلا تجب الزكاة في تلك المخططات التي يتجاوز وقت تخطيطها وتطويرها أكثر من سنة إلا زكاة سنة واحدة حين عرضها للبيع، فإذا انتهت التصاريح وأذنت الجهات المسؤولة بالبيع للمخطط تجزئة، فإنه يجب تقدير قيمتها السوقية، وتجب فيها الزكاة من ذلك الوقت، سواء تم بيعها، أو لم يتم، فإذا تم بيع المخطط كاملاً في نفس الوقت أو في أيام متقاربة فالأمر واضح، إذ تجب الزكاة في مجموع ما تم بيعه، وبغض النظر عن سعر الشراء وعما صرف في المخطط من تكاليف الخدمات، فالمجموع من البيع والأرباح إن وجدت تجب فيه الزكاة في تلك الحال.

أما لو كان البيع للمخطط متفرقاً عبر أوقات طويلة فإنه يجب تقييم كامل المخطط حين العرض – تقييماً تقديرياً بالخرص واعتبار حال السوق- وتجب الزكاة فوراً مرة واحدة عن سنة واحدة، فإن بقي المخطط كله أو بعضه أكثر من سنة بعد تجهيزه وعرضه للبيع فتجب الزكاة لكل سنة في القيمة السوقية لتلك العقارات المتبقية (49).

وإنما ترجح هذا القول للأسباب التالية:

أولاً: أن القول بعدم وجوب الزكاة في المخططات العقارية فترة تخطيطها وتطويرها يعضده الأصل في العقار، فإن الأصل في العقار أنه مال قنية، والأصل في المال عدم وجوب الزكاة، ولا ينبغي الخروج عن هذا الأصل إلا بدليل، كما لا ينبغي الخروج عن وصف القنية إلى التجارة إلا بدليل واضح.

ثانياً: أن ملاك المخططات العقارية لا يمكنهم التصرف فيها فترة التخطيط والتطوير تصرفاً معتاداً مربحاً، بل جرت العادة أنهم لا يعرضون شيئاً من تلك المخططات للبيع قبل إتمام التخطيط والتطوير، وإذا كان الأمر بهذه الصورة فإن تسمية المال حينئذٍ عروض تجارة فيه شيء من المخاطرة، إذ كيف يوصف بذلك والمالك شبه ممنوع من بيعه في ذلك الوقت، بحكم العرف والعادة.

ثالثاً: أن من المقرر عند فقهاء المسلمين أن الضرر يزال، وفي القول بوجوب الزكاة في المخططات العقارية فترة تخطيطها وتطويرها ضرر كبير على المالك، وإجحاف في ماله مع مرور السنين، مع عدم تمكنه عرفاً من بيعه.

رابعاً: أن القول بعدم وجوب الزكاة في المخططات العقارية فترة تطويرها فيه تيسير على مجموع الأمة، فهو وإن كان فيه مراعاة لجانب المالك الغني، إلا أنه فيه أيضاً مراعاة لجانب عموم الناس من الأغنياء والفقراء، فإن ارتفاع تكاليف الاستثمارات العقارية يزيد -بلا شك- في سعر العقار، الذي يطال ضرره عموم الناس، ويؤثر سلباً على الاقتصاد العام للدولة، كما سبق.

خامساً: أن القول بعدم وجوب الزكاة في العقارات فترة تطويرها وتخطيطها يشجع على الاستثمار والتنمية العقارية، خاصة مع تزايد أعداد السكان، وحاجتهم إلى المساكن بالأسعار المناسبة، ففي هذا القول اعتبار لمآلات الأحكام، والمقاصد الشرعية في حفظ حاجات الناس وأموالهم ومصالحهم.

هذا ما بلغه اجتهاد العبد الضعيف، فإن كان صائباً فهذا هو توفيق الله تعالى، ومحض فضله، وإن كان مخالفاً للصواب فأستغفر الله وأتوب إليه، وأسأله أن يعفو عن كل خطأ وتقصير، كما أسأله سبحانه أن يكتب لي أجر هذه الأحرف التي سطرتها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.

والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على خير خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

-------

(1) تناول الباحثون زكاة العقارات خاصة المنشآت العقارية تحت التطوير في دراسات وبحوث، منها على سبيل المثال: مجموعة أبحاث ندوة بيت التمويل الكويتي الثانية والعشرين لقضايا الزكاة المعاصرة، والتي أقيمت في تركيا، بعنوان "زكاة الأصول تحت التطوير" عام 1414م، لكنهم لم يتعرضوا لبحث المخططات العقارية فترة التطوير على وجه الخصوص.

(2)  جلّ ما في هذا المبحث مختصر من بحث زكاة الأراضي وقضاياها المعاصرة، للباحث، وهو منشور في مجلة البحوث الإسلامية العدد (86) ص 36- 49.

(3) المبسوط 2/199، بدائع الصنائع 2/12، الفواكه الدواني 1/331، كفاية الطالب 1/614، الأم 2/51، المهذب 1/141، المجموع 5/303، 311، 321، الفروع 2/514، كشاف القناع 2/169.

(4) أخرجه البخاري بهذا اللفظ في الزكاة باب ليس على المسلم في فرسه صدقة 2/532 رقم (1394)، ومسلم في الزكاة باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه 2/675رقم (982).

(5) التمهيد لابن عبد البر 17/126.

(6) شرح النووي 7/55.

(7) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة باب العروض إذا كانت للتجارة هل فيها من زكاة ؟ 2/95 رقم (1562)، والطبراني في الكبير 7/253 رقم (7029)، والدارقطني في كتاب الزكاة باب زكاة مال التجارة وسقوطها عن الخيل والرقيق 2/127، 128، رقم (2027) والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الزكاة باب زكاة التجارة 4/146رقم (7388)، وابن حزم في المحلى 5/234، وابن عبدالبر في التمهيد 17/130، كلهم من طريق جعفر بن سعد عن خبيب بن سليمان عن أبيه، وفيه زيادة عند الدارقطني في أوله، ومدار الحديث على جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب،وهذا إسناد ضعيف لما يلي:

1 ـ فيه جعفر بن سعد، ذكره بن حبان في الثقات، وقال ابن حزم: مجهول، وقال عبد الحق ـ في الأحكام ـ ليس ممن يعتمد عليه، وقال ابن عبد البر: ليس بالقوي، وقال ابن القطان: ما من هؤلاء من يعرف حاله ـ يعني: جعفر، وشيخه، وشيخ شيخه ـ. قال الذهبي: وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم،وهو إسناد يروى به جملة أحاديث قد ذكر البزار منها نحو المائة،ولذا قال ابن حجر في التقريب: (ليس بالقوي).

ينظر: الأحكام الوسطى 2/171،بيان الوهم لابن القطان 5/139،ميزان الاعتدال 1/407، تهذيب التهذيب 2/80، التقريب: (941).

2 ـ خبيب بن سليمان، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حزم: مجهول، وقال عبد الحق: ليس بقوي، قال ابن حجر: وقرأت بخط الذهبي: لا يعرف، ولذا قال ابن حجر في التقريب: (مجهول).

ينظر: تهذيب التهذيب 3/116، تقريب التهذيب: (1700).

3 ـ سليمان بن سمرة بن جندب: قال عنه ابن القطان: مجهول، ولذا قال ابن حجر في التقريب: (مقبول).

ينظر: تهذيب التهذيب 4/173، تقريب التهذيب: (2569).

فهذا كلام أهل العلم بالرجال في رواة هذا الإسناد تفصيلاً،وبخصوص هذا الإسناد بعينه،فقد قال الحافظ الذهبي ـ كما في الميزان 1/408 ـ لما ساق جملة من الأحاديث التي رويت بهذا الإسناد: (وبكل حال، هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم). ولذا قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" 2/179: (في إسناده جهالة)، وقال في البلوغ (ص 160): إسناده لين، وقال الهيتمي في مجمع الزوائد: " وفي إسناده ضعيف " 3/69. وقال الألباني في الإرواء 3/310: " ضعيف ".

وبهذا يتبيّن أن أكثر أهل العلم بالحديث لا يثبت هذا الحديث، أما قول النووي: "وفي إسناده جماعة لا أعرف حالهم، ولكن لم يضعفه أبو داود، وقد قدمنا أن ما لم يضعفه فهو حسن عنده" المجموع 6/40، وكذا قول الشنقيطي: "وهذا الحديث سكت عليه أبو داود رحمه الله ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج عنده" أضواء البيان 2/137. فإنه اعتماد على إخراج أبي داوود للحديث وسكوته عنه، والاعتماد على سكوت أبي داوود غير مقبول عند جماعة من أهل العلم، لأنه ثبت أن أبا داوود يسكت أحياناً عما في الصحيحين وعما هو شديد الضعف.

قال الحافظ ابن حجر في النكت على كتاب ابن الصلاح 1/439-444 بعد أن ذكر أن أبا داود يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عنها: "فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم،ويتابعه على الاحتجاج بهم، بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به، أو هو غريب فيتوقف فيه ؟ إلى أن قال: فالصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته ".

(8) قال النووي: "رواه البيهقي بإسناده عن أحمد بن حنبل بإسناده الصحيح" المجموع 6/40. وصححه ابن حزم كما في المحلى 4/41.

(9) التمهيد لابن عبد البر 17/126.

(10) المحلى 4/14.

(11) المبسوط 2/199، بدائع الصنائع 2/12، إعلام الموقعين 2/70.

(12) كشاف القناع 2/169.

(13) المبسوط 3/50، بدائع الصنائع 2/12،13، المدونة 1/383، مواهب الجليل 2/311، الأم 2/51، المهذب والمجموع 5/483، الإنصاف 3/161، المبدع 2/377.

(14) سورة البقرة آية: 267.

(15) وذلك في حال كون المالك للأرض هو الذي يزرعها، أما لو أجر الأرض الزراعية على غيره ليزرعها، فقد ذهب أبو حنيفة إلى وجوب الزكاة على صاحب الأرض دون المستأجر لها، وذلك بناء على أن وجوب الزكاة متعلق بالأرض نفسها، والذي عليه جمهور الفقهاء من أصحاب المذاهب وجوب الزكاة على المستأجر لأن الواجب جزء من الخارج والمالك له هو المستأجر، ينظر: (المبسوط 3/6، بدائع الصنائع 2/57، الذخيرة 3/87، المنتقى شرح الموطأ 2/167، بداية المجتهد 1/301، المهذب والمجموع 5/479، أسنى المطالب 1/370، المغني 4/201، الفروع 2/436، المحلى 4/47).

(16) تقدم تخريج الحديث قريباً.

(17) القول بوجوب الزكاة في عروض التجارة هو قول عامة علماء الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقد نقل غير واحد إجماع العلماء على وجوب الزكاة في عروض التجارة، قال ابن عبد البر: "ولا أعلم أحداً روي عنه أنه لا زكاة في العروض للتجارة حتى تباع إلا ابن عباس على اختلاف عنه". الاستذكار 9/113، وقال الماوردي: "وأسقط داود زكاة مال التجارة، وشذ بهذا القول عن الجماعة" الأحكام السلطانيّة ص 154، وقال شيخ الإسلام: "الأئمة الأربعة وسائر الأمة إلا من شذ متفقون على وجوبها"  مجموع الفتاوى 25 / 45، ينظر في مذهب  فقهاء المذاهب الأربعة: بدائع الصنائع 2/21، 22، الذخيرة 3/7، الأم 2/46، المغني 4/249.

(18) بدائع الصنائع 2/21، 22.

(19) الذخيرة 3/7.

(20) مقدمات ابن رشد 1/284.

(21) الإقناع للشربيني 1/215، تحفة الحبيب على شرح الخطيب 2/323.

(22) المغني 4/249.

(23) خالف في زكاة عروض التجارة الظاهرية فلم يقولوا بوجوب الزكاة في أموال التجارة، كما خالف فيه بعض المعاصرين كالشوكاني وصديق حسن والألباني، وخلافهم مردود بصريح السنة، وبقول سائر الأئمة، وليس لقولهم دليل صريح معتبر يدل لما ذهبوا إليه، لذلك لم أقصد إلى إثقال البحث بمناقشة هذا الرأي، انظر هذا الرأي ومناقشته في: المحلى 5/240، الاستذكار 9/111، حلية العلماء 3 / 86، المجموع 6 / 46، المغني 4/ 249، عارضة الأحوذي 3/104، الدرر البهية ص190، السيل الجرار 2/ 26، الروضة الندية ص 190، تمام المنة ص 363.

(24) في هذا النوع من العقارات دراسات وبحوث كثيرة، ينظر على سبيل المثال: مجموعة أبحاث الندوة الثانية والعشرين لقضايا الزكاة المعاصرة، والتي أقيمت في تركيا، بعنوان "زكاة الأصول تحت التطوير" عام 1414م.

(25) المبسوط 2/190، المجموع 6/6، المغني 4/248.

(26) جاء في فتوى اللجنة الدائمة في السعودية: "من دخل المساهمة العقارية بنية التجارة: فإنه يلزمه الزكاة مطلقًا، فتقيم الأرض المساهم فيها عند نهاية كل حول ويخرج زكاة نصيبه منها بناء على ذلك"، فتاوى اللجنة الدائمة 1/550 الفتوى رقم: (22394).

وبهذا الرأي أخذ المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، حيث نص معيار الزكاة على أن: "الأعمال الإنشائية قيد التنفيذ تزكى بقيمتها يوم الوجوب وبحالتها الراهنة "، وبهذا القول أخذ كذلك دليل الإرشادات لحساب زكاة الشركات لبيت الزكاة الكويتي.

(27) تقدم تخريج الحديث قريباً.

(28) ميزان الاعتدال 1/408، وانظر ما تقدم في تخرج الحديث.

(29) زكاة العقارات تحت التطوير.د. محمد عود الفزيع، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 18.

(30) زكاة العقارات تحت التطوير.د. محمد عود الفزيع، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 13، زكاة العقارات تحت التطوير أ.د. يوسف الشبيلي، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 12.

(31) حواشي الشرواني على تحفة المحتاج بشرح المنهاج 3/292.

(32) زكاة العقارات تحت التطوير، د. محمد عود الفزيع، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 19.

(33) المقدمات الممهدات 1/285.

(34) هذه هي علة وجوب الزكاة في عروض التجارة، ينظر:  المبسوط 2/191، بدائع الصنائع 2/21، المنتقى 2/121، بداية المجتهد 1 / 254، المهذب 6/4.

(35) زكاة العقارات تحت التطوير، أ.د. يوسف الشبيلي، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 12.

(36) زكاة العقارات تحت التطوير، أ.د. يوسف الشبيلي، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 13.

(37) المنتقى شرح الموطأ 2/122.

(38) المقدمات الممهدات 1/285، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي 1/ 473.

(39) ندوة دلة البركة السادسة المنعقدة في الجزائر عام 1990م. وقد جاء فيها: " أما المشروع إذا كان معداً للبيع فإنه قبل اكتماله لا زكاة فيه  إلى أن يكتمل". وكذلك أخذت به هيئة الفتوى والرقابة الشرعية بشركة الامتياز للاستثمار بدولة الكويت.

(40) رجح القول بعدم وجوب زكاة العقارات فترة التطوير مجموعة من الباحثين في البحوث المقدمة للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة، فقد جاء في بحث أ.د عبد العزيز القصار  " زكاة الأصول تحت التطوير"، ص 13، "وعليه فأقرب ما يكون في العقارات تحت التطوير هو التاجر المتربص أو المحتكر، وحكمها عدم وجوب الزكاة في كل سنة إلاّ إذا باعها فيزكيها لسنة واحدة، وإن تأخر بيعها"، وكذلك رجح هذا القول د محمد الفزيع في بحثه "زكاة العقارات تحت التطوير"، وكذلك هو الذي رجحه أ.د يوسف الشبيلي في بحثه" زكاة العقارات تحت التطوير"، في حال إذا كان العقار لا يسمح ببيعه إلا بعد اكتمال المشروع أو في حال وجود عدم الرغبة من المشترين قبل اكتمالها بحيث يترتب على البيع خسارة"، طالع خاتمة البحث ص 27.

(41) ذكر هذا الاستدلال مجموعة من الفقهاء، ينظر: زكاة العقارات تحت التطوير، أ.د. يوسف الشبيلي، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 13، زكاة الأصول تحت التطوير، أ.د. عبدالعزيز القصار، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 13، زكاة العقارات تحت التطوير،.د. محمد الفزيع، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 13.

(42) زكاة العقارات تحت التطوير، أ.د. عبدالعزيز القصار، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 14.

(43) تقدم تخريج الحديث قريباً.

(44) زكاة العقارات تحت التطوير، أ.د. يوسف الشبيلي، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 14.

(45) شرح منتهى الإرادات 1/434.

(46) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي 1/ 473، وينظر: زكاة العقارات تحت التطوير، أ.د. عبدالعزيز القصار، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 14.

(47) زكاة العقارات تحت التطوير، أ.د. يوسف الشبيلي، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 14.

(48) زكاة العقارات تحت التطوير، أ.د. عبد العزيز القصار، بحث مقدم للندوة التاسعة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 16.

(49)  استثنى جماعة من فقهاء المالكية وهو قول بعض الفقهاء المعاصرين أحوال الكساد والبوار في العقارات، فلم يوجبوا فيها الزكاة في تلك الحال، وفي المسألة خلاف، عرضه الباحث بشيء من التفصيل مع بيان معنى الكساد الاصطلاحي وضوابطه، وأقوال أهل العلم وأدلتهم والترجيح، ينظر: زكاة الأراضي وقضاياها المعاصرة، للباحث، منشور في مجلة البحوث الإسلامية العدد (86) ص 36- 49.

1 + 12 =