أهم الأحداث التي وقعت في ربيع الأول
8 ربيع الأول 1441
سليمان بن جاسر الجاسر

أهم الأحداث التي وقعت في ربيع الأول

أولاً: ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم :

ولد صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم الإثنين فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَىَّ فِيهِ» الحديث(1).

 

أما عن الشهر الذي ولد فيه وتاريخ هذا اليوم فقد اختلف فيه العلماء، فقال ابن إسحاق: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، عام الفيل(2).

 

وقال ابن كثير: ولد صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول وقيل: ثامنة، وقيل: عاشرة، وقيل: لثنتي عشرة منه، وقال الزبير بن بكار ولد في رمضان وهو شاذ حكاه السهيلي في (الروض)(3)، وقيل: في التاسع من شهر ربيع الأول(4).

 

أما العام: فقال ابن إسحاق: عام الفيل، قال ابن كثير: وهو المشهور عند الجمهور، وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي شيخ البخاري: وهو الذي لا يشك فيه أحدٌ من العلماء(5).
وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل. يعني عام الفيل(6).
وروى ابن إسحاق وأبو نعيم و البيهقي عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قال: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل كنا لدَيْن(7).

 

وسأل عثمان بن عفان رضي الله عنه قياث بن أشيم الكناني ثم الليثي: يا قياث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني، وأنا أسن منه!!(8) ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ووقفت بي أمي على خذق الفيل أخضر محيلا(9).
وعلى هذا فقيل: بعد الفيل بخمسين يومًا.
قال ابن كثير وهو أشهر، وصححه المسعودي والسهيلي، وزاد أنه الأشهر والأكثر وقيل: بزيادة خمس، وقيل: بزيادة ثمان.
وروى ابن مسعود وابن عساكر عن أبي جعفر الباقر: قال: كان قدوم أصحاب الفيل في النصف من المحرم ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده بخمس وخمسين ليلة.
وصحح الحافظ الدمياطي هذا القول.
وقيل: بأربعين يومًا. وقيل: بشهر وستة أيام، وقيل: بعشر، وقيل: بثلاثين عامًا، وقيل: بأربعين عامًا، وقيل: بسبعين عامًا(10).

 

وكان مولده صلى الله عليه وسلم لأربعين خلت من ملك كسرى أنو شروان، ويوافق ذلك العشرين أو الثاني والعشرين من شهر أبريل سنة 571، وقيل: 570(11).

 

ومن هنا نأتي على القول بأنه ولد في يوم الإثنين في شهر ربيع الأول لأول عام من حادثة الفيل، هذا هو القول الذي عليه أغلب العلماء.
وروى ابن سعد أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: «لما ولدته خرج مني نور أضاءت له قصور الشام»(12).
وقد روي أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت. روى ذلك البيهقي(13).

 

قال الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ: «ذكر ارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات وخمود النيران ورؤيا الموبذان وغير ذلك من الدلالات وليس فيه شيء»(14).
قلت: ومراده ـ رحمه الله ـ أنه لم يرد فيه شيء صحيح.

 

ويقول الدكتور أكرم ضياء العمري: «... وكذلك وردت روايات موضوعة حول هواتف الجان في ليلة مولده وتبشيرها به، وانتكاس بعض الأصنام في المعابد الوثنية بمكة، وحول ارتجاس إيوان كسرى، وسقوط شرفاته، وخمود نيران المجوس، وغيض بحيرة ساوة، ورؤيا الموبذان الخيل العربية تقطع دجلة، وتنتشر في بلاد الفرس، كذلك وردت روايات ضعيفة عن إخبار يهود بليلة مولده، وإخبار الراهب عيصا بمر الظهران بمولده. وقول العباس عمّه إنه رآه في المهد يناغي القمر، ولكن ثمة أخبار تقوى ببعضها إلى الحسن احتفت بمولده، منها ما يفيد أن آمنة رأت حين وضعته نورًا خرج منها أضاءت منه قصور بصرى من أرض الشام» ا.هـ.(15)
ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشرًا ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له، واختار له اسم محمد(16).

 

الدروس والعبر في هذا الحدث:

كان هذا الحدث الجلل والأمر العظيم في حياة البشرية جمعاء، إيذانًا بنزول وحي الله ﻷ ليُصلح البشرية ويخرجها من الظلمات إلى النور، ولإفراد الله وحده بالعبادة، وترك الشرك والأنداد والأصنام.

فهذا الحدث العظيم نتعلم منه كيف أن الله ﻷ يرعى عباده ويمنُّ عليهم بإرسال الرسل والكتب، وأنه يحوطهم ويكلأهم ويرعاهم.

 

وفيها أن الله تعالى اختار هذه النشأة للنبي صلى الله عليه وسلم وهي كونه يتيمًا فقيرًا ليتولى الله رب العالمين عنايته وتربيته وليُصنع على عينه وحفظه سبحانه، فأعده الله ﻷ للبعثة وإخراج الناس من الظلمات إلى النور وأدَّبه ربه وقوّاه وأعانه، فأخرج جيلًا دانت لهم الدنيا وتحولوا من رعاة للإبل والغنم إلى سادة للأمم، وبنوا حضارة وأسسوا أمة انتشرت في الآفاق ونشرت الدين الإسلامي.

 

ثانيًا: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم :

كانت هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ودخوله لها في 12ربيع الأول سنة 622م، وكان خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة يوم الخميس أول يوم من ربيع الأول، وقدم المدينة لاثنتي عشرة خلت منه، وذلك يوم الإثنين الظهر لثلاث وخمسين سنة من مولده 28 يونيه 622م(17).

 

والهجرة النبويَّة حدث عظيم في تاريخ الأمة الإسلامية؛ لأنها كانت الخطوة الأولى في بناء الدولة الإسلامية؛ لذلك حرصت قريش أن لا يتم ذلك، وجاهدت في محاولة منع النبي صلى الله عليه وسلم من الوصول إلى المدينة، وحدث الهجرة أهمُّ عند الصحابة ي من حادث مولده صلى الله عليه وسلم بدليل أنهم حينما أرادوا أن يجعلوا للمسلمين تاريخًا خاصًّا بهم، نظروا في أعظم الأحداث التي يمكن أن يؤرخوا بها، فخيَّرهم الفاروق عمر رضي الله عنه بين حادثتين لا ثالث لهما، وهما: الهجرة والبعثة، ولم يعتبروا مولده صلى الله عليه وسلم من الأهمِّية التي تجعله حدثًا يؤرخون به.

 

الدروس المستفادة من حادث الهجرة:

1- كان حدث الهجرة المبارك نقطة تحول في التاريخ الإسلامي، فقد حوَّلت مجرى التاريخ، وغيرت مسيرة الحياة ومناهجها التي كانت تحياها وتعيش محكومة بها في صورة قوانين ونظم وأعراف وعادات وأخلاق وسلوك للأفراد والجماعات وعقائد وتعبدات وعلم ومعرفة وجهالة وسفالة وضلال وهُدى، وعدل وظلم(18).

 

2- تعتبر الهجرة من أهم الأحداث في تاريخ الدعوة الإسلامية، فقد كان المسلمون قبلها أمة دعوة يبلغون دعوة الله للناس دون أن يكون لهم كيان سياسي يحمي الدعاة أو يدفع عنهم الأذى من أعدائهم. وبعد الهجرة تكونت دولة الدعوة، وأخذت على عاتقها نشر الإسلام في داخل الجزيرة العربية وخارجها.

 

3- ظهر بوضوح وجلاء كيف أن العقيدة الصحيحة السليمة من الشرك سبب من أسباب إزالة العداوات والضغائن، وفي التأليف بين القلوب والأرواح، وهو دور لا يمكن لغير العقيدة الصحيحة أن تقوم به، فجمعت بين الأوس والخزرج وأغلقت باب الضغائن والمكائد وفتحت باب المحبة والمودة بين الناس(19).

 

ثالثًا: وفاة النبي صلى الله عليه وسلم :

موت النبي صلى الله عليه وسلم فهو حدث جليل عظيم، ولم يختلف على يوم وفاته حيث كان يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، ورأى الجمهور أنه كان في اليوم الثاني عشر منه، يقول ابن رجب ـ رحمه الله ـ: «ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطرب المسلمون، فمنهم من دُهش فخولط، ومنهم من أُقْعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية»(20).
قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي؛ فإنّها أعظم المصائب»(21).

 

قال القرطبي: «وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة؛ انقطع الوحي، وماتت النبوَّة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير، وأول نقصانه»(22).
فأشار ـ رحمه الله ـ إلى أمرٍ عظيمٍ انقطع بموت النبي صلى الله عليه وسلم ألا وهو: انقطاع الوحي الذي كان يتنزل من يوم أهبط آدم إلى الأرض؛ فانقطع بموته صلى الله عليه وسلم.
دخل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على أم أيمن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يتفقدانها، فوجداها تبكي، فقال لها أبو بكر: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، قالت: والله ما أبكي أن لا أكون أعلم ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي أنّ الوحي انقطع من السماء، فهيَّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان(23).

 

لقد كان موت النبي صلى الله عليه وسلم أعظم مصيبة ابتليت بها الأمة مطلقًا، وكان له أثر عظيم على نفوس الصحابة وحالهم؛ حتى صدق فيهم وصف عائشة رضي الله عنها: صار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم.

 

يقول أنس رضي الله عنه: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلَّ شيء، وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا(24).

 

فأيُّ احتفال يكون في يوم رزئت فيه الأمة بأعظم مصيبة في تاريخها، يقول الفاكهاني: «هذا مع أنّ الشهر الذي وُلِد فيه صلى الله عليه وسلم هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه».

 

بعض الدروس والعبر في وفاته صلى الله عليه وسلم:

1- كان هذا الحدث الذي هو من أعظم مصائب المسلمين في دينهم، كا قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي، فإنه أعظم المصائب»(25)، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب، وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه(26).

 

2- إن قضية التوحيد أخطر قضية في حياة الإنسان، فقد كان ينادي بها صلى الله عليه وسلم قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه وفي حياته وفي لحظات مماته، ففي سكرات الموت يقول: «لا إله إلا الله»، وفي سكرات الموت يقول أيضًا: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(27).

 

3- الإنسان لا محالة ميت وملاقٍ ربه سبحانه وتعالى، ولا بدّ له من المثول أمام الله، والسؤال عن عبادته وأمانته وقد قال صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت: «الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم»(28).

-------

(1)    صحيح مسلم (2804).
(2)    السيرة النبوية لابن هشام (1/183).
(3)    الفصول في سيرة الرسول لابن كثير (ص:9).
(4)    الرحيق المختوم (ص:45).
(5)    سيرة ابن هشام (1/183)، والفصول في سيرة الرسول (ص:9).
(6)    دلائل النبوة للبيهقي (1/175).
(7)    دلائل النبوة للبيهقي (1/176).
(8)    انظر لهذا الأدب الرفيع والخلق الجميل والجواب اللطيف لله درك من متفوه.
(9)    دلائل النبوة لأبي نعيم (1/178).
(10)    سبل الهدى والرشاد (1/335-336).
(11)    الرحيق المختوم (ص:45).
(12)    الطبقات الكبرى (1/102).
(13)    دلائل النبوة (1/126).
(14)    صحيح السيرة النبوية (ص:14)
(15)    السيرة النبوية الصحيحة (1/98-101).
(16)    ابن هشام (1/ 184-185).
(17)    محمد رسول الله (1/159).
(18)    محمد رسول الله (2/423).
(19)    الهجرة النبوية المباركة (ص:205).
(20)    لطائف المعارف (ص:114).
(21)    ابن ماجة (1599)، وهو صحيح. انظر: السلسلة الصحيحة، رقم (1106).
(22)    تفسير القرطبي (2/176).
(23)    أخرجه مسلم (103).
(24)    أخرجه الترمذي (3618)، وابن ماجة (1631)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (3861).
(25)    سبق تخريجه.
(26)    تفسير القرطبي (2/176).
(27)    رواه البخاري رقم (437)، ومسلم رقم (530).
(28)    رواه أبو داود، رقم (5134).

3 + 3 =