من يقود الأمة ؟!

يقنع البعض من العلماء والدعاة بأثر محدود ودور قاصر لا يرقى لما ينتظره منهم أبناء أمتهم , ويتحجج غالبهم بحجج مختلفة على قصور دوره وقناعته بعمله المخبوء عديم الأثر ..
والأمة الإسلامية فيما تمر به من ظروف أليمة بحاجة ماسة لمن يقودها من الداخل فيعينها على الوقوف في وجه التحديات , وعدم الانكسار أمام الريح العاتية القادمة من كل اتجاه .

كما تحتاج إلى من يحفظ لها هويتها ويحمي لها قيمها ومبادئها , ويرفع في عيون أبنائها قدر ثقافتها , ويهيئ مواطنيها لتحمل مسئولياتهم والقيام بدورهم كمسلمين صالحين ومؤمنين عابدين .
كما تحتاج تلك الأمة إلى من يعيد لها ثقتها في نفسها , ويربطها بربها , ويحيى فيها روح الإيمان , ويجدد فيها أمر دينها .

كل ذلك وغيره يجتمع ويصير مرهونا بدور علمائها ودعاتها , فهم المرشحون للقيام بذاك الدور الأعظم في تلك الفترة العصيبة , بما عرفوه من علم وفهموه من دراية عن منهاج دينهم وقيمة أمتهم والمسئولية أمام ربهم .

وبرغم الأحداث العاصفات التي تحدث للأمة من احتلال عسكري لبقاع منها وأجزاء عزيزة وتذويب لهويتها الثقافية والدينية , ومحاولات متتابعات لاستئصال شأفتها فإنه لا يزال حتى الآن هناك بعض من العلماء والدعاة يرتضون لأنفسهم بالقعود والخمول في أفنية مجالسهم المنغلقة على أنفسهم رافضين تحمل مسئولياتهم ومواجهة مشكلات أمتهم بشجاعة ووضوح ..

لايزال هناك من العلماء والدعاة من هم بمعزل بعيد عن أفراد هذه الأمة وأبنائها ولا يزالون بعيدين عن حمل هم المسلمين في بقاع الأرض إضافة إلى كونهم في منأى عن خلطة الناس ومشكلاتهم وآلامهم سوى في درس علم أو حلقة تعليم منغلقة , كما لايخفى أن هناك الكثير من أولئك العلماء لا يتحدثون إلى الناس بلسان الناس ولكن يخاطبونهم خطابا إما أن يكون انعزاليا بحتا أو أصوليا محضا.. حتى غدا المتابع لأحوال أمتنا يلاحظ مدى بعد الشارع المسلم عن علمائه كما يلاحظ تراجع دورهم المنوط بهم وهامشية هذا الدور في قطاعات بالغة الأهمية في حياة الأمة من قضايا الناس ، وما يتعلق بالمرافق الثقافية والتنموية ، وحيث لا ترى مشاركة العلماء والدعاة في كثير من الأعمال التي تقوم بها قطاعات وأجهزة ويندر أن يستشاروا في قرارات داخلية أو خارجية هامة فقد تأكد ذلك المعنى من تحييد دورهم الذي نرى بعضهم – وللأسف – قد رضو به !

إن كل ذلك قد يؤدي إلى فصل الدين عن واقع حياة الناس وعزله عن التأثير في أمر معاشهم وما قد يترتب على ذلك من اثر خطير يزلزل المعاني التي تربط الناس في معاشهم بدينهم , وقد نجد الكثير من المعاذير لقطاع واسع من العلماء والدعاة الذين قد قيدتهم الدوائر الرسمية في بلادهم عن قول المشاركة في الأمور المختلفة وإثبات وجودهم على مستويات مختلفة إلا أننا يصعب أن نجد معاذير لما قد أتيحت لهم الحرية في أدائه من التواصل مع الناس وترسيخ معاني الشريعة في قلوبهم , وبذل النصح ليل نهار لجميع أفراد أمتهم , والسعي الدؤوب في سبيل توصيل كلمة الإسلام للبيوت والمؤسسات ومحاولة التأثير في قرار الشارع الإسلامي ومحاولة تبوء مكانة ذات أثر في كل ما يحيط بنا من مقامات تأثيرية .

** الأزمة ووجوب الدور القيادي :
إن شأن العمل الإسلامي يختلف مع غيره من الأعمال الحزبية والفئوية , ومن أهم تلك الاختلافات أن القائد الإسلامي لا يصلح أن يكون عنصرا مختفيا أو غائبا ولكن لابد دوما أن يكون ظاهرا أمام الناس ليقتدوا به ويتقلدوا بسلوكه ويتثبتوا بقوله وفعله ولتتمثل فيه التوجيهات الشرعية المرجوة ، إذ يصبح القائد في العمل الإسلامي هو النموذج في الإقتداء بالنبي _صلى الله عليه وسلم_ وهو خير قائد قاد البشرية كلها.. روى مسلم عن ‏ ‏أنس قال كان ‏بالمدينة فزع فاستعار النبي ‏ ‏_صلى الله عليه وسلم_ ‏ ‏فرسا ‏ ‏لأبي طلحة ‏ ‏يقال له مندوب فركبه فقال ‏" ‏ما رأينا من فزع وإن وجدناه ‏ ‏لبحراً "، فانظر إليه _صلى الله عليه وسلم_ كيف سارع بالنفرة والهبوب السريع إلى موطن الفزع حيث فزع الناس وما إن كاد الناس يخرجون ليعرفوا الخبر حتى وجدوا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ عائداً يطمئنهم قائلاً: " مارأينا من فزع ثم يسليهم بمدحه للفرس الذي يركبه قائلا " وإن وجدناه لبحرا "... وقال علي _رضي الله عنه_: لما حضر البأس يوم بدر اتقينا برسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وكان من أشد الناس ما كان، ولم يكن أحد أقرب إلى المشركين منه، وعنه من طريق ثان قال: رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وهو أقربنا إلى العدو وكان من أسد الناس بأسًا - رواه أحمد، فالقائد هنا _صلى الله عليه وسلم_ هو أقرب الناس للمواجهة وهو أحرص الناس على الشهادة وهو أشجع الناس عند اللقاء.. وعن البراء: أن رجلاً من قيس سأله: أفررتم عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لم يفر، كان هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلنا بالسهام، وفرت الأعراب ومن تعلم من الناس، ولقد رأيت النبي _صلى الله عليه وسلم_ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها، والنبي _صلى الله عليه وسلم_ يقول: أنا ابـن عبــد المطلب أنا النبي لا كذب، وفي حديث: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد من رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.

إنه دور العالم والداعية إذن وقت الملمات والأزمات والمشكلات , أن يثبت الناس ويعيد الثقة إليهم , وأن تتمثل فيه معاني المنهج الذي يرعاه ويعلمه للناس .
والأحاديث السابقة وإن كانت تبين موقف الرسول في الحروب والغزوات فإننا فقط ههنا نستأنس بها لنبين كيف كان يتحمل دوره صلى الله عليه وسلم بلا وجل أو خوف أو تردد , و المواقف الآن التي ندعو إليها العلماء ليست مواقف مواجهات أو تضحيات بالأنفس بقدر ماهي مواقف داخلية إصلاحية وتأثيرية لتقوية الداخل في مجتمعنا المسلم والقضاء على آفاته وتصويب آدائه وتربية أبنائه وإعادة الوعي المفقود والفهم الإسلامي الغائب لأفراده في مختلف الميادين .

إن رؤية بعض العامة لعالم أو داعية قد ارتضى بالراحة والعيش الهنىء الرغد والرفاهية وانكب على جمع المال والتكسب , وغفل عن آلام أمته ومصائبها ومشكلاتها ومعاناة إخوانه وابناء عقيدته , فلم يعد يذكرها حتى في أحاديثه أو كتاباته أو خطاباته , ويكتفي بمجرد الحديث الوعظي ضعيف الأثر , ليترك أسوأ الآثار عليه وعلى غيره من الناس , إذ يجعله مناطا للقياس على شأنه وشأن غيره , وإن استشرى ذلك القياس على تلك الحالة فقد نجد أنفسنا أمام ماهو أكثر من ضياع معنى المسئولية الشرعية والتاريخية لتلك الأمة , إن المأزق عندها سيصير خطيرا وعلى حافة الهاوية ..

** خطوات عملية للدعاة والعلماء في سبيلهم لقيادة أمتهم :
أكثر ما يجب على الدعاة والعلماء أن يولونه اهتماما في تلك الأيام العصيبة التي تمر بها الأمة , أن يولوا اهتماما بالعلاقة بربهم إذ إنها الدافع الأكبر في التثبيت وتسديد الأفعال والمباركة في القوة والقدرة وتوجيه الاختيار نحو الأصلح الذي قد يخفى على الناس، وكأني أنظر إليه _صلى الله عليه وسلم_ وهو يدعو ربه عشية بدر ويجأر إليه بالدعاء ويلح ويبكي حتى يشفق عليه أبو بكر في ذلك قائلا له: "يا رسول الله إن الله منجز وعدك"..ولازال عمر ابن الخطاب يخطب في جنده قبل اللقاءات قائلا لهم: "إننا لا ننتصر على عدونا بعدد ولا عدة وإنما هو التوكل على الله والثقة به فكونوا عندها ولا تترددوا "، وفي فتح مصر لما تأخر عليهم الفتح أرسل إليهم أن "انظروا إلى ما خلفتم من ذنب بغير توبة فإنه هو مانعكم، وانظروا إلى ما تركتم من سنة بغير عمل فإنما أنتم ممنوعون بركتها".. فعادوا إلى أنفسهم، فرأبوا الصدع فحل النصر عاجلا غير آجل..

كذلك يحتاج الداعية إلى تركيز فكره وإرادته نحو تحديد الإجابة عن سؤالين هامين هما (ماذا نريد؟ وكيف نريده؟) , فالأول سؤال حول الهدف من التصرف لكل عمل من أعماله والثاني هو سؤال حول الوسيلة المستخدمة للوصول إلى ذلك الهدف، وقد يضيع في زحمة الآلام المتوالية لأمتنا الشكل المحدد لتحديد الهدف نتيجة الخوف أو التردد أو عدم التركيز أو عدم تصور المآلات التي ستصير إليها الحال ، وواجب العالم والداعية هنا أن لا يجعل نفسه فريسة سهلة لتلك المعوقات وأن يستل نفسه خارجها ليستطيع تحديد هدفه بوضوح والتركيز على طريقة نيله.. بل إن قدرة القدوة على الاحتفاظ بطريقة هادئة ومتزنة وعاقلة وحكيمة وواقعية في أثناء الأزمة هي مثمنة عند أصحاب الفكر الرشيد وهي الوصف الأهم من صفات العالم العامل المؤثر .

إن الظروف الحاصلة للأمة الإسلامية قد تؤدي لفقدان توازن الجماعة المسلمة في لحظة من اللحظات , وإذا كان من الصعب بمكان منع المصائب والآلام من الحدوث فإنه ليس أقل من أن يعتبر علماؤنا ودعاتنا في برنامجهم العملي ما يمكننا أن نسميه "توقع الأزمة" وهي توقع لما يمكن أن يستحدث واقعيا للجماعة المسلمة في ظل الواقع المحيط والظروف المتوقعة .
كذلك ينبغي أن يسأل كل عالم وداعية نفسه عن مكانه ومقامه من التأثير في جمهور الناس , وماذا يمثل لهم , ومن أجل معرفة قيمته الحقيقية ينبغي عليه بكل تجرد أن يقيم آداء نفسه فيما مضى من عمره وماذا أنجز وكم استطاع هداية قوم أو تعليمهم وكم استطاع تغيير نفوس أو تربيتها وماهو الأثر الإيجابي الصائب الذي تركه في مجتمعه , وماهي أوجه التقصير والخلل في أدائه وماهي أسباب نفور الناس منه إن حصل ذلك وماهي طرق عودته للمضمار من جديد .
إن العالم التقيّ الموفق ليوفقه الله _سبحانه وتعالى_ إلى السداد في الخطى والتوفيق في الرأي والحكمة في القرار والشمولية في التصرف والمرونة في الأداء والثبات في الأمر كله.

التعليقات

علماء الأمة الإسلامية والدور المنتظر منهم د. أحمد بن سعد بن غرم الغامدي الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : فإنه من المسلمات شرعاً وعقلاً أن علماء الأمة الإسلامية هم خيارها عند الله تعالى ، لما عرفوا من الحق كما قال تعالى : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ). [المجادلة/11]، ولما لهم من السمع والطاعة على الأمة باعتبارهم على الراجح هم ولاة أمرها كما قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ) [النساء/59] ، قال البغوي ـ رحمه الله ـ في تفسيره اختلفوا في :{ أُولِي الأمْرِ } قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: ( هم الفقهاء والعلماء الذين يعلِّمون الناس معالِمَ دينهم ) ، وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد، ودليله قوله تعالى: "ولو رَدُّوُه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطٌونَهُ منهم"( النساء -83 )، (ج 2 / ص 239)، و ما دام الشأن كذلك فإنه يجب على العلماء ما لا يجب على غيرهم لما أخذ الله عليهم من البيان وعدم الكتمان ،كما قال تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) . [آل عمران/187] من أجل ذلك كله كان العلماء قديماً وحديثاً محط أنظار الأمة الإسلامية ، الذين يؤمل فيهم ما لا يؤمل في غيرهم من النصح للأمة ورعايتها وحمايتها وتفوقها . ـ فمن هؤلاء العلماء ؟ ـ وما درجاتهم ؟ ـ و ما صفاتهم ؟ ـ وما هو الدور المنتظر منهم ؟ ـ وكيف يمكنهم القيام به ؟ هذه أسئلة مهمة للغاية الإجابة عليها بصدق و بجلاء تسهم بقوة في النهوض بالأمة الإسلامية من جديد ، وإعادة دولتها ووحدتها ودورها في الحياة بعامة ، كما كانت من ذي قبل . أولاً : من العلماء ؟ العلماء هم الذين تعلموا العلم وأتقنوه وعقلوه ، وعملوا به وعلموه ، العدول الذين استقاموا لله تعالى بالدين والمروءة الذين يخشونه ولا يخشون أحداً سواه . والمقصود بالعلم هنا علم الكتاب العزيز والسنة النبوية من حيث معرفة الأوامر والنواهي و الحلال والحرام والكراهة والاستحباب . فكل من عقل عن الله تعالى ذلك العلم وامتثل أوامره واجتنب مساخطه ، وعلم من سأله ، وأفرد الله تعالى بالخوف منه على وجه التعظيم له فهو العالم حقاً. وفي تفسير ابن كثير – رحمه الله ـ (ج 6 / ص 545) ، قال الحسن البصري: العالم مَن خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سَخط الله فيه، ثم تلا الحسن: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) . [فاطر/28].وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية.وقال أحمد بن صالح المصري، عن ابن وهب، عن مالك قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب.قال أحمد بن صالح المصري : معناه: أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية، وأما العلم الذي فرض الله، عز وجل، أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة، وما جاء عن الصحابة، رضي الله عنهم، ومن بعدهم من أئمة المسلمين، فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله: "نور" يريد به فهم العلم، ومعرفة معانيه.وقال سفيان الثوري، عن أبي حيان [التميمي] ، عن رجل قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله. فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله ويعلم الحدود والفرائض. والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض. والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله عز وجل. وفي تفسير القرطبي - (ج 14 / ص 343ـ 344) ، قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله تعالى فليس بعالم.وقال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز وجل.وعن ابن مسعود:( كفى بخشية الله تعالى علما وبالاغترار جهلاً.وقيل لسعد ابن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة ؟ قال أتقاهم لربه عز وجل.وعن مجاهد قال: إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل.وعن علي رضي الله عنه قال: إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها). ومن هذا كله يتلخص لنا أن شروط العالم و هي : 1. العدالة ، ونعني بها استقامة الدين بالسلامة من الفسق وخوارم المروءة . 2. الضبط ، ونعني به ضبط مسائل العلم وفقهها بعيداً عن الخطأ . 3. العمل بالعلم وامتثاله باطناً وظاهراً . 4. تعليمه لمن سأل عنه . 5. الخوف من الله تعالى المشوب بتعظيمه دون سواه . وهاهنا يجب على العالم الحذر كل الحذر من ثلاثة أمور وهي : الأول : الحذر الشديد من حمل العلم دون العمل به حتى لا يكون كالحمار يحمل كتب العلم ولا ينتفع بها كما قال الله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) . [الجمعة/5] . والثاني : الحذر الشديد أن يكون الباعث الأصلي من تعلم العلم هو حظوظ الدنيا ، ومن ذلك لصرف وجوه الناس إليه أو ليقال هو عالم ، أو للمماراة به ، أو ليأكل به باطلاً ، كما قال الله تعالى : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) . [الأعراف/175 [وفي سنن ابن ماجه (ج 1 / ص 303)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ وَيُجَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ وَيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ ) . وقال تعالى مؤكداً على تجنب ذلك كله : (وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) . [البقرة/41، 42] ، وقال تعالى(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) .[المائدة/44] . والثالث : الحذر الشديد من شرك الطاعة وذلك بطلب العالم له أو لغيرهم من الحكام والكبراء الطاعة فيما حرم الله تعالى ، لأن من يدعوا لذلك فقد جعل نفسه أو غيره من الكبراء والحكام طاغوتاً يعبد من دون الله تعالى ، وانظر مصداق ذلك في قوله تعالى : (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) . [الأنعام/121] وفي قوله تعالى : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) . [آل عمران/64] وفي حديث الطبراني في المعجم الكبير - (ج 12 / ص 7) عَنْ عَدِيِّ بن حَاتِمٍ، قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ:"يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ"، فَطَرَحْتُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةٌ، فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة/31] حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ:"أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟"قُلْتُ: بَلَى، قَالَ:"فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ" . ثانياً : ما هي درجات العلماء ؟ العلماء درجات بقدر تبحر العالم في العلوم والقيام بها بقدر تقدمه فيها ورفعته بين العلماء بها ،لأن العلم مسائل فكل من استزاد منها مسئلة استزاد في العلم درجة . والعلماء هنا ليسوا على حد سواء فمنهم المقلون من العلم وهم صغار العلماء ، ومنهم المستكثرون منه وهم كبار العلماء ، ولا يحيط بالعلم أحد مهما بذل له . ثالثاً : ما هي صفات العلماء ؟ جاء في الذكر الحكيم أن للعلماء صفتان ، وهما كالآتي : الصفة الأولى : العلماء الربانيون ،كما قال الله تعالى : (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) . [آل عمران/79] قال البغوي - رحمه الله ـ في تفسيره (ج 2 / ص 60) واختلفوا في قوله : ( وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) ، قال علي وابن عباس والحسن:" كونوا فقهاء علماء" وقال قتادة: "حكماء وعلماء" وقال سعيد بن جبير: العالم الذي يعمل بعلمه، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: "فقهاء معلمين". وقيل: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقال عطاء: "علماء حكماء نُصحاء لله في خلقه"، قال أبو عبيدة:" سمعت رجلا عالمًا يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العالم بأنباء الأمة ما كان وما يكون، وقيل: "الربانيون فوق الأحبار"، والأحبار: العلماء، والربانيون: الذين جمعوا مع العلم البصارة بسياسة الناس. قال المؤرّج : "كونوا ربانيين تدينون لربكم، من الربوبية" ...وقال المبرد: "هم أرباب العلم سُموا به لأنهم يربون العلم، ويقومون به ويربون المتعلمين بصغار العلوم " . قلت : ولا خلاف فاللفظ محتمل ذلك كله . والصفة الثانية : العلماء الراسخون في العلم ، كما قوله تعالى : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) . [آل عمران/7] قال البغوي - رحمه الله- في تفسيره ، (ج 2 / ص 10) : (هم الداخلون في العلم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في معرفتهم شك، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ثبوته ) . رابعاً : ما هو الدور المنتظر من العلماء ؟ الدور المنتظر من العلماء على سبيل الواجب أمران وهما مقتضى النصيحة الدينية : الأمر الأول : صيانة الكتاب والسنة من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين .روى البيهقي في السنن الكبرى - (ج 10 / ص 209) ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين ) . وأحسن ما رأيت في تأويل هذا الحديث أنه يخرج من صيغة الخبر إلى الإنشاء الطلبي أي ليرث هذا العلم من الأقوام المتأخرين العدول الذين ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين في جميع أبواب العلم . والأمر الثاني : سياسة الأمة و رعايتها بالشريعة الإسلامية في جميع مناشط حياتها الدينية والدنيوية ، لأن العلماء هم ورثة الأنبياء والأنبياء كانت تسوس الناس بالشرع ، كما في صحيح البخاري - (ج 11 / ص 271) عن أبي حَازِمٍ قَالَ : قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ ) . وهذا ما كان في زمن الخلفاء الراشدين فإنهم أئمة العلم وقد ساسوا الأمة بالشرع ، أما من عداهم فليس سياسته بسنة لخروجها عن السنن النبوية والراشدية في الحكم ، وهكذا يجب على العلماء العودة بسياسة الأمة إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده ، فإن لم يقوموا بذلك اتخذ الناس أئمة ضلال يسوسونهم بغير الشرع فيضلوا عن الهدى كما جاء في صحيح البخاري - (ج 1 / ص 176) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) ، وهذا الحديث صريح في وجوب رياسة أهل العلم للأمة وسياستهم شؤونها بالشرع السليم من البدع والخرافات التي لم يقم عليها دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة . وها هنا يجب التنبيه على أمور منها : 1. أن الحاجة ماسة للعلوم الشرعية ، وكلما ازدادت الحاجة للعلم ازداد الواجب على العلماء ، واليوم لا يشك عاقل في شدة حاجة الأمة لعلوم الشريعة بعد أن طمس التغريب والتبشير والبدع والخرافات كثيراً من معالم الدين لا سيما في باب السياسة والحكم . 2. أن الأمة لم تعد جسداً واحداً كما أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، بل تقطعت دويلات ومزقت وحدتها ، وتعززت القطرية والعصبية والطائفية والفئوية ، وعدت الدعوت لوحدة الأمة عند كثير من المنهزمين ضرباً من الخيال الذي لا يمكن تحقيقه، متناسين أن ذلك من الواجبات على الأمة فضلاً عن علمائها . 3. أن استقلالية العالم وتحرر فتواه من هيمنة السلاطين تراجعت ، وغدت مسائل من الدين وجمل من الفتاوى خادمة للقهر والاستبداد ومكرسة للظلم ومصادرة للحقوق والحريات ، مما جعل الناس يفتنون في دينهم ويرتمي طائفة منهم في أحضان المذاهب الفكرية والأنظمة السياسية العلمانية وغيرها. 4. أن عودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة من واجبات العلماء قبل غيرهم ، وليت شعري لو أن العلماء تدبروا اشتغال علماء الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ بتنصيب الخليفة قبل دفن جثمان النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يعني ذلك ؟ أليس من الدلالة بوضوح أن اشتغال العلماء بعودة الخلافة الراشدة مقدم على كثير من الواجبات والتكاليف الشرعية ، باعتبار خلو الأمة من منصب الخلافة الراشدة يعطل كثيراً من المصالح الدينية والدنيوية ، وهو حق في ذاته دون غيره ، إذا كان الأمر كذلك فلما هذا التغييب الصارخ لمفهوم الأمة الواحدة ووجوب تنصيب الخليفة الواحد الذي توافرت فيه شروط الإمامة وبايعته الأمة عن رضاً واختيار ، والتعايش المشين مع الأنظمة السياسية القائمة على غير سنن الهدى ، ففي كل قطر من أقطار المسلمين لحن بالقول يصرف الأنظار عن هذا الواجب الشرعي على العلماء والأمة بعامة . 5. أن كثيراً من العلماء بالغوا في التواضع حتى وصلوا إلى الاستخذاء ، مما جعل الساسة يزيدونهم ذلة وهواناً يقربونهم عند حاجتهم ويعرضون عنهم عند الغنى عنهم ، فأصبح أبناء الأمة لما يرون من هوان وضعة لكثير من العلماء يمجدون الرموز الثورية وإن كانت شيوعية ، ويعرضون عن علوم الشريعة حتى لا ينالهم نصيبهم من الذلة والهوان الذي أصاب أولئك العلماء ، وصدق القاضي الجرجاني حين قال : ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ****ولو عظموه في النفوس لعظم أي لو عظموا العلم الذي يحملونه ولم يذلوه لعظم شأنهم ورفع مكانتهم . 6. أن كثيراً من العلماء المعاصرين لا يعملون بعلمهم إلا في ضوء ما يسمح به السلاطين ، بل والأشد خطراً من ذلك أنهم يبررون له ذلك ويحملون الناس على وجوب طاعته في ترك الطاعات ، وهذا الشأن القبيح جعل الأمة تفقد الثقة العلمية والدينية في هؤلاء العلماء ، مما جعلهم يلتمسون العلم عند صغار العلماء فيختلط حينها الحابل بالنابل . 7. أن السواد الأعظم من العلماء غدوا شذر مذر لا تجمعهم رابطة وترعاهم مؤسسة بحيث يقوي بعضهم بعضاً، ويفتح بعضهم على بعض مما يجعل جنابهم أكثر صوناً وعلومهم ورياساتهم أكثر قبولاً . 8. أن كثيراً من العلماء عندما انهزم نفسياً في التعامل مع هذا الواقع المرير للأمة انعكس ذلك على أدائه في درسه وتأليفه فغدا من حيث يشعر أو لا يشعر يعزز مذهب الإرجاء ، ويشجع العزلة ويحبذ ترك العامة ، ويقلل من شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب على الأنظمة وأرباب السياسات والرياسات ، وكأن الأمر والنهي إنما يكون من أهله على الضعفاء والمساكين ، وما علم هذا العالم أن هذا من نقص الدين كما جاء في سنن أبي داود - (ج 11 / ص 412) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رضي الله ـ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنْ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قَالَ : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79 ( تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ]المائدة/78-82] ثُمَّ قَالَ (كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا ) . 9. أن من العلماء من ظاهر الظالمين ، وخاصم عنهم ونسي قول الله تعالى (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ) . [القصص/15-17] وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) . ، وقوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ). [النساء/105]، وقوله تعالى : (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ) . [النساء/107-109] . 10. أن من العلماء من يهون من شأن إخوانه العلماء ، وبل ويتعدى الأمر عند قلة إلى الهمز واللمز والتنفير ، لمجرد خلاف سائغ ، أو اجتهاد يعذر صاحبه ، أو الأخذ برخصة ، أو ضعف في موقف ، وهذا الأمر أبعد الشقة بين الأتباع وكان الأولى التزام أدب الخلاف والتماس العذر ، والقيام بواجب النصح والإصلاح ، وما علم من هذا شأنه من العلماء أن الحامل على ذلك هو الحسد المذموم أو الظن الفاسد ، وأن ذلك ينقص من قدر قائله أكثر ممن المقول فيه ، وأين هؤلاء من حديث الترمذي في السنن - (ج 7 / ص 166) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَخُونُهُ وَلَا يَكْذِبُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ التَّقْوَى هَا هُنَا بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ) . خامساً : كيف يمكن العلماء القيام بدورهم المنتظر منهم ؟ يمكن العلماء القيام بدورهم المنتظر منهم إذا توافرت عدة أمور منها : 1. أن يتحلى العلماء بالشجاعة العلمية . 2. أن يأخذ العلماء بزمام المبادرة . 3. أن يعيد العلماء جسور التواصل مع عامة الأمة من خلال المواقف الحازمة ، والسعي في مصالح الشعوب . 4. أن يتنادى العلماء عبر وسائل التواصل الحديثة لمشروع جامع للأمة . 5. أن يؤسس طليعة من العلماء رابطة علماء الأمة الإسلامية الشعبية المستوعبة للجميع دون تمييز ، وأن يختار لها البلد المناسب الذي لا يتدخل أو يملي عليها شروط أياً كانت .

إضافة تعليق جديد

5 + 9 =