النهضة الحقيقية للأمة
10 رمضان 1430

إن تطلع الإنسان لتحسين أحواله والارتقاء بها نحو الأفضل أمر طبعي يكاد يكون مجبولاً عليه، ولذلك فليس من المستغرب أن نجد بني البشر يتنافسون فيما بينهم في مجالات الحياة المختلفة، سواء كان هذا التنافس على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الأمم. ويزداد تطلع المرء لهذا الارتقاء عندما تكون حاله سيئة أو غير مرضية، ويشتد الأمر عليه عندما تكون هذه الحال طارئة؛ فيعاني الضعف بعد القوة، والفقر بعد الغنى، والذل بعد العز، فعندها تتحرق نفسه وتتشوف لاستعادة ما كان من قوة وغنى وعز؛ وهذا هو سبب ما نجده في كثير من بلاد المسلمين من صيحات تتعالى داعية إلى النهضة من الركود، والقيام من السبات العميق.

 

إن كثيراً من هذه الدعوات -للأسف- تنظر إلى الأمور بمنظار ضيق، وتقيس الأشياء بمقياس مادي بحت، فهي تدعو إلى النهوض في مجال الصناعة والزراعة والعمران وبناء الأبدان، وتغفل ما وراء ذلك مما لا غنى عنه للإنسان. وهذا مفهوم خاطئ، فمهما قيل عن تقدم أوروبا وأمريكا وحضارة الشرق والغرب فإن هذا فيه شيء من التزوير، نعم قد حصلوا على شيء من التقدم في مجال الدنيا كبير، أما العز المتكامل في أمر الدين والدنيا فلهذه الأمة فقط، لأن غيرها إما على دين محرف أو شرك وكفر بالله، وأي عز وأي نهضة وأي مجد لناس لا يؤمنون بالله؟

 

لقد بين الله عز وجل زيف هذا العز لمن تدبر قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} [البروج: 12-18]، فقد بلغ هؤلاء من القوة في الدنيا والتمكن من أسبابها ما يزال بعضه شاهداً عليه حتى اليوم، فأين ذهب كل ذلك؟

 

لذا، فعندما ندعو إلى نهضة الأمة، فإننا لا ندعو إلى ما قد يتردد في الأذهان مما تتناقله الصحف ووسائل الإعلام، لكننا ندعو إلى النهضة الحقيقية، الشاملة لشؤون الدين والدنيا؛ نهضة تبني الحياة الدنيا بكل مقومات العمران، لكنها لا تغفل عمارة الجنان.

 

إن حال أمتنا اليوم لا تخفى على أحد، فمن بعد العز والقوة والمنعة، صارت إلى الذل والضعف والهوان، وبعد أن كانت تقود الأمم وتسوقها، صارت في ذيل الركب وتراجعت وتأخرت مكانتها؛ تكالبت عليها الأمم كما تتكالب الأكلة على قصعتها، فمزقت أوصالها، ونهبت خيراتها، وشردت وقتلت كثيراً من أبنائها.

 

ومن كان يظن أن تبديل هذه الحال يكون بالأخذ بأسباب التقدم المادي فحسب فهو واهم، فإن مصدر عز هذه الأمة هو تمسكها بدينها لا غير، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8]؛ أما المؤمنون فقد علموا ذلك ووعوه، وعبر عنه أميرهم الفاروق رضي الله عنه بقوله: "إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله"(1)؛ والتاريخ خير شاهد على ذلك، فلما تمسك المسلمون الأوائل بعرى هذا الدين فتح الله لهم البلاد وقلوب العباد، ودانت لهم الأمم، وأتتهم الأرزاق من كل حدب وصوب، وأعزهم الله وجعلهم سادة وقادة، وحققت الأمة -في وقت قصير- نهضة مادية لا يكاد يسمع بمثلها، فلما بدأ تمسك المسلمين بهذا الدين يضعف شيئاً فشيئاً بدأ عقد الأمور يفلت من بين أيديهم بحسب ذلك، حتى آلت الأمور إلى ما آلت إليه اليوم.

 

إننا لا يمكن بحال أن نغفل جانب الصناعة والزراعة والتجارة وغيرها من أسباب النهضة المادية، فإغفال الأسباب ليس من الدين في شيء، لكننا لا نقبل في المقابل أن تكون هذه الأسباب هي أساس نهضتنا لأمور؛ أولها أن الواقع يشهد أنها لا يمكن أن تكون كذلك، فقبل أكثر من عشرين سنة كان الخبراء يقولون إن الفجوة بيننا وبين الغرب تقدر بمائة سنة وهي آخذة في الازدياد بسبب سرعة تطورهم وبطء سيرنا، فالركون إلى هذه الأسباب والمقاييس المادية وحدها كفيل ببعث روح اليأس والهزيمة وفقدان الأمل، والثاني أن التاريخ يشهد أن الفرق المادي بين أمتنا في صدر الإسلام وبين أعدائها كان كالفرق بيننا وبين أمم الشرق والغرب اليوم، يزيد قليلاً أو ينقص قليلاً، حيث كانت تلك الأمم تنظر للعرب كأمة فقيرة ضعيفة متخلفة، وما هي إلا سنوات قلائل حتى استلمت هذه الأمة راية قيادة البشرية كلها، ولم يكن ذلك بمنافسة غيرها في الأسباب المادية ابتداء، وإنما بالتمسك بعرى هذا الدين ثم الأخذ بالأسباب المادية، وثالثها أن الله سبحانه وتعالى بين بما لا لبس فيه ولا خفاء أن حجر الزاوية في القيادة والريادة والاستخلاف إنما هو التمسك بهذا الدين، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]، فجعل الإيمان هو الأساس ثم العمل الصالح، ويدخل في العمل الصالح الأخذ بأسباب الاستخلاف المادية.

 

إن النهضة التي ندعو إليها هي النهضة التي تعيد للأمة مجدها وعزها، كالذي كان يوم نظر الخليفة هارون الرشيد رحمه الله لسحابة وقال: أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك؛ لأنها إما أن تمطر في بلاد المسلمين أو في بلاد تدفع الجزية للمسلمين. وكالذي كان يوم رفض نقفور ملك الروم أن يؤدي له الجزية وطالبه بما كان أخذه ممن قبله فأرسل له رسالة مقتضبة: (بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم؛ قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام)(2)، فأرسل له جيشاً عظيماً وقاتله حتى طلب الصلح مع أداء الجزية، فلا مجاملات دبلوماسية ولا تذلل.

 

إننا ندعو لهذه النهضة والعزة ونحن على ثقة أنها ستكون، لا عن رجم بالغيب، بل إيماناً وتصديقاً بموعود الله على لسان رسوله عليه السلام في كثير من الأحاديث، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل، إما يعزهم الله عز وجل فيجعلهم من أهلها أو يذلهم فيدينون لها"(3)، وقوله: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها"(4)؛ ومع هذا اليقين فإنني على يقين آخر من كون هذه الريادة لن تأتي الأمة على طبق من ذهب بينما هي لاهية غافلة غارقة في البطالة! بل لا بد من الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، فيا ليت قومنا يعلمون.

 

_______________

(1)    رواه الحاكم في المستدرك 1/130 (207)، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(2)    الكامل في التاريخ لابن الأثير 3/107.
(3)    مسند الإمام أحمد بن حنبل 6/4 (23865)، قال الأرنؤوط: إسناده صحيح.
(4)    سنن الترمذي 4/472 (2176)، وصححه الألباني.

إن النهضة التي ندعو إليها هي النهضة التي تعيد للأمة مجدها وعزها، كالذي كان يوم نظر الخليفة هارون الرشيد رحمه الله لسحابة وقال: أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك ...فلا مجاملات دبلوماسية ولا تذلل. إننا ندعو لهذه النهضة والعزة ونحن على ثقة أنها ستكون، لا عن رجم بالغيب، بل إيماناً وتصديقاً بموعود الله على لسان رسوله عليه السلام في كثير من الأحاديث، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل ...إنني على يقين آخر من كون هذه الريادة لن تأتي الأمة على طبق من ذهب بينما هي لاهية غافلة غارقة في البطالة! بل لا بد من الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، فيا ليت قومنا يعلمون جزاكم الله خيرا فضيلة الشيخ .. ورزقنا وإياكم الفهم والعمل والسداد

مقال رائع جدا جدا فعلا هذه النهضة هي التى طالما غفلنا عنها و نحن نطالب بنهضة الصناعة

كلام جميل من شيخ جليل لكن لي وقفة معك أيها الشيخ الجليل إذا كنا نحن امة محمد صلى الله عليه وسلم نشكوا من الضعف بعد القوة ومن الإنهزام والرقود والتقهقر بعد العلوا والعز، فلماذا لا يسلط فضيلتكم الضوء على تحليل علمي دقيق ومنهجي وثيق لحال الأمة اليوم هو من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من فم مثقف أو محلل سياسي أو اقتصادي أو مفكر اسلامي أو منظر فضائي أو غير ذلك .. فلقد قال ( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها . فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن . فقال قائل : يا رسول الله ! وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا وكراهية )الموت الراوي: ثوبان المحدث: الألباني - المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 4297 خلاصة الدرجة: صحيح ألا ترى يا شيخنا الفاضل أن الذين يطنطنون آذاننا بالليل والنهار بالنهضة هم من أولئك الذين يرون نهضة الأمة في دنياها وتقدمها الدنيوي لتكون في مصاف الدول المتقدمة دنيويا، بمعنى أقرب ( حب الدنيا ) فإذا كان منظروا الفكر في زماننا لا هم لهم إلا الحديث عن هذه النهضة الدنيوة ، فماذا أبقوا من ( الوهن ) ؟!!

السلام عليكم .. لو يقوم أحد المحررين بمتابعة نشاطات الشيخ ، ودروسه ومحاضرته ، ثم يصيغها في شكل تقرير كتابي ، لتتم الاستفادة . وينتفع قراء المسلم ممن لا يستطيعون المتابعة المباشرة سواء بسبب العمل أو عدم التقاط القنوات التي تستضيف الشيخ الجليل ، أو لأسباب أخرى .. أرجو أن تهتموا بهذا الاقتراح ، حتى لو تطلب تكليف اعلامي بهذا الأمر .. وجزاكم الله عنا وعن الاسلام خيرا

أثار شجوني الأخ الطيب أبو السعدين ، حفظه الله . حيث يبدو أنه لم يفهم الحديث ومقاصده . يا أخي الفاضل إذا لم نأخذ بناصية العلم والتكنولوجيا ، فلن نصل إلى ما أشرت إليه من القوة والعز .. وإذا لم نبن نهضة دنيوية ، فلن نستطيع الانتصار على أعدائنا . ولن يهابنا الأعداء إذا لم نكن قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية ، وكلها ( دنيوية ) يا أخي الحبيب ، ألم تقرأ قوله تعالى " واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ... " وفي زمننا القوة تكمن في الوحدة الثقافية والجيوسياسية ، والاقتصادية والعسكرية .. يا أخي المبجل ألم تقرأ قوله صلى الله عليه وسلم " الدنيا مزرعة الآخرة " . الاسلام يا أخي الحبيب لم ينفر من الدنيا ، بل قال الرسول صلى الله عليه ، نعم المال الصالح عند الرجل الصالح ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، وإنما عاب الدنيا ومن يجري وراءها عندما تكون في القلب ، ويكون جمع المال من أجل خويصة النفس أو مرض نفسي مع الكبر والشح والبخل . الاسلام يا أخي الحبيب يطلب منا أن نجعل الدنيا مطية للآخرة ، فننفق في سبيل الله ، ونساعد بعضنا بعضا ، ونتعاون في الخير ، نتكافل ونتعاون ويجير القوي منا الضعيف والغني الفقير ، ولا نعيش لأنفسنا ، فالعيش للنفس هي الدنيا التي حذرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم .. سلام على أمة محمد .. سلام على ملايين المشردين .. سلام على أرض ممزقة .. سلام على أراض محتلة .. سلام على أشلاء طاهرة في فلايا أمة كانت خير أمة أخرجت للناس .. سلام على نفوس تتجاذبها النفوس المطمئة واللوامة والأمارة والمسولة .. فتميل للأولى ..سلام علينا جميعا

أخي الكريم أبو النفسين والإخوة القراء الكرام ،أود أن اطرح عليكم هذه الأسئلة وأترك الإجابة لكم ؟ هل بنا رسولنا الكريم نهضة دنيوية تضاهي نهضة الروم والفرس في وقته ؟ هل حرص على النهضة الدنيوية التي كانت في عصره حتى ينهض بالأمة نهضة أخروية؟!!! قل بربك كيف جهز جيش العسرة ؟! قل بربك بماذا بنا مسجده صلى الله عليه وسلم ؟ هل بناه من الرخام الفارسي ؟ لماذا لم يجد صلى الله عليه وسلم رواحل يركب عليها بعض من نفروا معه في غزوة تبوك ؟ ففاضت أعينهم حزنا ألا يجدوا ما ينفقون !! ، هل أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا همهم التفوق التجاري والسياسي والاقتصادي ، أم أنه أعد رجالا يحبون الموت كما نحب نحن الحياة ، وأعد ما استطاع من قوة بأيديهم في ذلك الزمان، ولكل زمان قوة يستطيع المسلمون أن يعدوها لزمانهم ، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها ، ثم قل لي أخي الكريم ما فائدة قوة الدنيا كلها إذا كانت بأيدي أناس ضرب في قلوبهم الوهن ؟! ولا تقل لي اننا لا نحب الدنيا ، فانظر حولك ترى عجبا .

اولا اخي ابو السعدين لايمكن ان يقارن هذا العصر بعصر محمد صلى الله عليه وسلم واصحابه ولايمكن ان يقارن شباب اليوم بالصحابه الكرام رضي الله عنهم اجمعين. فنحن في هذا العصر نعيش حياه الضعف والذل والان لاندري ماذا نفعل فشبابنا هداهم الله اكثروا السفر واللهو ولكن انا من هنا اعد الشيخ ناصر والامه الاسلاميه محاوله تغيير ولو جزء بسيط من هذا الواقع بالدين والحكمه والحلم ان شاء الله العلي القدير

نحن بحاجة لتحويل هذا المقال إلى برامج ومشاريع كبرى

بالفعل كما قال أخي أبوسعود نحن بحاجة لتحويل هذا المقال إلى برامج ومشاريع كبرى

موضوع رائع احسنت

يسلمووووووو مشـــكووووور/ة~~_~~

جزاك الله الف خير شيخ ناصر وزاد الرجال من امثالك
11 + 0 =