نحو منهج عدل في النقد والرد
8 محرم 1433
علي الشايب

فهذه نقاط موجزة، وتنبيهات مختصرة رأيت أهميتها لما بدا لي من أساليب بعض الكتاب الغيورين من خشونة في القول وغلظة على المخطئ وتعجل في الإنكار يخشى منه التنفير، والنفوس تأنف من الغلظة عليها، بل والنصيحة إن لم تراع فيها آدابها. ولا أقصد - أبدا- تبرير خطأ وقع فيه فلان كائنا من كان. كما أني أتحدث في دائرة أهل السنة فلا يحتجن علي محتج بالغلظة على أهل البدع ومنحرفي الفكر من أهل العلمنة وأشياعهم، وإن كان في الكلام ما يصلح لمخاطبة الجميع.

 

فإليك هذه الإشارات المجملة التي أرى  أهمية مراعاتها للوالج باب الرد والنقد:
أولا: أن مقاصد الخلق معتبرة، ويتعلق بها الثواب والعقاب، والحكم الدنيوي والأخروي، فمن قال كلمة أو فعل فعلا ما، ظاهره الخطأ والمخالفة للدين جاهلا بمدلول ما يقول أو ناسيا أو متأولا ليس كمن خلا من ذلك،- خاصة إن كان حال المتحدث وبساط مقاله لا يساعد على إرادة المعنى المذموم – وإن كان هؤلاء متفاوتين في العذر فمنهم المعذور ومنهم المأجور ومنهم الموزور.

 

ثانيا: استصحاب حال المخطئ السابقة والحالية، فمن عرف بتعظيم الدين والتزام حدود الشرع، ورعاية الحقوق، واتباع السنة وتوقير صاحبها، وكان من أهل الجمعة والجماعة، والمسارعة إلى الخيرات، ليس كمن عهد مستهترا بالدين مستخفا بحرماته، أو مبتدعا مجاهرا مضللا بمقولاته وشبهاته، فالأول يلتمس له من العذر ولو كان بعيدا، ويحسن به الظن ما وجد إلى إحسان الظن به سبيلا ، ثم يبين له وجه الخطإ بالرفق واللين والشفقة، مع بيان خطورة لوازم القول أو الفعل، ويستحسن أن يكون ذلك مباشرة من غير وساطة النشر العالمي الذي سيمته التشهير والفضح المعلن، وتعريض المخطئ لتهكم المتهكمين ولمز اللامزين،وتندر المنتهزين للفرص، واستباحة ساحة حرمته والتشهير به، بل وإغلاق باب التوبة والأمل في وجهه بالفعل أو بالقول أو بكليهما.
  ويحضرني في هذه الفقرة حال النبي "صلى الله عليه وسلم" مع بعض المخطئين كحاله مع حاطب ابن أبي بلتعة ومع الأعرابي الذي بال في المسجد ومع معاوية بن الحكم السلمي الذي تكلم في الصلاة، وقصدي أنها حالات اتسمت بالرفق مع المخطئ وتعليمه وجه الخطإ بألطف أسلوب وأحكم طريقة، مما كان أثره مباشرا على المخطئ بإعلان توبته أو تصحيح خطئه.
 ثم حال المنصفين من أهل السنة لبعض علماء أهل الكلام  ومن قلد طريقتهم من المحدثين والمفسرين الذين كانت مقاصد كثير منهم حسنة لكن كثيرا من أفعالهم سيئة، فانظر إلى عظم جرم من عطل الله جل وعز عن صفات الكمال، ووصفه بالنقص، وحمل نصوص القرآن والسنة على التأويل البعيد، مخالفا لصريح النصوص وصحيحها وإجماع السلف ومن سار على طريقتهم من الخلف. ومع ذلك تجد النقد مسلطا على المقالة لا على القائل –خاصة- من ظهرت منهم النصرة للدين وتعظيم حرماته، والوقوف في وجه أعدائه، وتبين أن خطأهم وقع بسبب تقليد لمن سبق، أو سلوك منهج في الدراسة متبع، أو طريقة سادت في عصر أو مصر فتبع فيها اللاحق السابق. ويحضرني من الأسماء، ابن حزم والقرطبي وابن العربي والشاطبي الأندلسيون ومن المشارقة النووي وأبن حجر وقبلهم الذين تآمروا على شيخ الإسلام ووشوا به وزجوا به في غياهب السجون حتى مات حبيسا رحمه الله . فانظر إنصاف أهل السنة لهم. مع لوازم أقوالهم الشنيعة، أعني أقوالهم في المعتقد من نفي صفات الباري وتأويل النصوص.

 

 

ثالثا: الغيرة على الدين وعلى جناب الرسول الكريم دليل إيمان صاحبها، ولازم من لوازم اتباع الحق والدفاع عنه، وعدم الغيرة دليل ضعف الإيمان، وجبن غير مقبول، ونكوص عن الجهاد لنصرة الإسلام، والوقوف في وجوه العابثين والمفرطين، لكن "لكل شيء وفاء وتطفيف" كما قال الإمام مالك رحمه الله، فقد تتجاوز الغيرة حدها ويشتط صاحبها فتنقلب إلى أشبه ما يكون بتشف وحنق على المخطئ، وغلظة سمجة، وفظاظة منفرة، ومخالفة للهدي النبوي. فليس من الغيرة المحمودة التجني على المخطئين، واستباحة أعراضهم، والولوج إلى مكنونات صدورهم، والحكم على نواياهم، وحمل كلامهم على أسوأ المحامل، وعدم قبول عذر من اعتذر منهم، وإلزامهم بما لم يلتزموه إن صح أنه لازم، فكيف إذا لم يصح؟، فإن هذا جرم أيضا، وخطأ قد يساوي خطأ المخطئ أو يكافئه؛ إذ بيان الحق ينبغي أن يكون بحق، وإنكار المنكر يجب أن يكون بالمعروف لا بالمنكر.
 فالغيرة غيرتان: محمودة في أصلها ووصفها، ومذمومة كذلك، فانظر من أي القسمين غيرتك؟

 

 

رابعا: الحذر من المبالغة في ذكر اللوازم، -وبعضها غير لازم-، وتشقيق الكلام وتفريعه بأسلوب التقريع والتوبيخ، كأنه أب يخاطب ابنه الصغير، أو سيد يعنف عبده على التقصير!......، إن الشدة والغلظة في غير محلها منفرة عن الحق صادة عن قبوله، والنفوس جبلت على بغض من أساء إليها، وقد ينقدح في نفس المنتقد (بالفتح) عدم سلامة قصد الناقد، والنفس الشيطان يفتحان باب الاحتمالات والوساوس، فينفر عن ذلك، ويلتمس من الأعذار ما شاء بعد ذلك، وإن كانت خشونة الأسلوب ليست عذرا لترك الحق ورفضه، بل ولو أراد الناقد الباطل كما قيل: "كلمة حق أريد بها باطل" ومع ذلك لا يجوز ردها لفساد مراد قائلها.
لكن طالب بيان الحق إنما يعرضه بألطف أسلوب، وأقوى حجة، كصاحب البضاعة الذي يرغب تسويقها فإنه يلتمس أجمل الأساليب لجلب المشترين، وكسب المتعاملين، والحق أغلى بضاعة يمتلكها المحق فينبغي أن يتفنن في عرضه ليكسب اكبر عدد من التائبين.

 

 خامساً: التسارع في النقد والرد على المخطئين ليس دائما هو السبيل الأمثل، وليس-بالضرورة - دليلا على غيرة صاحبه، وحرصه على حماية جناب الشريعة كما قد يظن، كما هي سمة بعض الكتاب المعاصرين، كأنهم قطعوا على أنفسهم الرد على كل مخطئ والتشنيع على كل مخالف، ولا أقصد أحدا بعينه، لكن الناظر في سير العلماء يجد أنهم يردون في الوقت المناسب، بالكلام المناسب على الوجه المناسب، وقد يسكتون أحيانا، ولا يفتحون الباب على مصراعيه ويجعلون كل قضية أخطأ فيها زيد أو عمرو محل جدل وصراع، وتحزب وتراشق، ومن فقههم في ذلك: أن من الأخطاء ما ينبغي السكوت عنه لتموت بموت صاحبها أو بالسكوت عنه؛ لأن في الكلام عنها إشهار لها وإشاعة. ولئلا يكون ردهم سببا في شهرة مغمور خامل الذكر ولولا ردهم لما اشتهر.
ومنها: الخوف من أن يأتي الرد ضعيفا في تفنيد الشبه فتعلق بأذهان بعض الناس، الذين لم يقفوا عليها إلا من خلال رد ذلك العالم.
ومنها: أنهم- أحيانا- يفضلون المراسلة، أو المناصحة الشخصية للمخطئ؛ لأنها أدعى لقبول الحق، بعيدة عن التشهير والتعيير. وغير ذلك من المقاصد التي تختلف باختلاف الأحوال.

 

سادسا: المرحلية في الرد – أعني بها أن يكون الرد على المخطئ متدرجا بمراحل – فالمرحلة الأولى هي مرحلة التثبت، ثم مرحلة بيان الخطأ عن طريق المراسلة أو المقابلة الشخصية وبيان خطورة القول أو الفعل، فإن انتهت القضية طوي بساطها، وإلا فإن كان الخطأ جسيما وخشي منه ضرر متعد جاءت مرحلة البيان العام نصحا للمسلمين، وتحذيرا من سبيل المفرطين. فإن لم يخش ضرر متعد فقد يكون عدم الرد أولى خاصة إذ ترتب على السكوت مصلحة. 
فكم غابت هذه المرحلية في أساليب بعض الكاتبين! فتراهم يبدؤون من النهاية، ويقفزون إلى آخر نقطة، ويستخدمون ألفاظا يظن القارئ أنهم يخاطبون بها الجهم بن صفوان أو الجعد بن درهم أو رافضيا من الروافض، لا أخا حبيبا يوافقهم في المعتقد والمنهاج اشتط قلمه في مسألة أو زل لسانه بمقالة،  وقد رأيت من طرائق بعض العلماء( ) في التعامل مع أخطاء المتحدثين والكاتبين أنهم يبدؤون بالاتصال الشخصي أولا ليسمعوا من صاحب المقالة ومحاورته، وربما أرسلوا رسالة فيها طلب استيضاح عما قيل وهل الأمر كما قيل؟ ثم طلب البيان من الشخص نفسه حتى لا يكون كلامه سببا في إضلال غيره، فإن أقوى رد هو أن يرد الشخص على نفسه ويعتذر عن خطئه،وهذا من الرد الذي لا يتعقب في الغالب؛ لأنه من صاحب المقالة، ومن الذكاء أن تجعل الشخص يرد على نفسه ليكفي غيره مؤونة الرد ولينقطع القيل بقلم القائل.

 

سابعا: قبول عذر من اعتذر، فإنه لا يعتذر – في الغالب- إلا طالب حق معظم للشرع، شجاع ينتصر على نفسه، ومن شيم الرجال وأخلاق الكبار الاعتذار، وقبول الاعتذار، ثم الفرح بهذا الاعتذار وفتح باب الأمل والرجاء أمام المعتذرين ليواصلوا طريقهم في التخلص من رواسب الخطأ وآثاره، حتى ولو بدا في عذرهم ضعف أو نقص فليمهد لهم الطريق، لا أن يرد عليهم اعتذارهم ويقنطوا من رحمة الله، ومن سوء الصنيع طريقة بعضهم في التهوين من اعتذار المعتذرين والدخول في نوايا هم والتمسك بالخطإ الأول، خاصة من علم من حاله أنه لم يقع في الخطأ بسوء قصد، ولا فساد معتقد، فلماذا الإصرار  على الملاحقة، على كل حال؟.

 

أخيرا: هذه همسات سبع جالت بخاطري عند وأنا أقرأ بعض مقالات الغيورين هنا وهناك من غير تعيين أشخاص الكاتبين، وهم في الغالب من أحبابي وأصحابي لكن رأيت شيئا من خلل في بعضها وخشيت أن يؤدي ذلك إلى غيرة غير محمودة تصد عن الحق وتقف في وجوه المنيبين إليه، ولم أقصد بها تسويغ خطإ معين أو الدفاع عن شخص بعينه.
والله أعلم بالصواب وهو الهادي إليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وآله وصحبه.

لقد أجدت وأفدت
10 + 3 =