البذل للحياة
19 ذو القعدة 1437
عبد الله بن عبد اللطيف الحميدي

إن حياة المسلم الحقيقية هي الحياة بعد الممات كما قال الله – تبارك وتعالى -: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:64]، وكما قال – سبحانه – حاكياً عن الكافر إذا لقي الله - تبارك وتعالى -: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر:21-24]، فهو علم أن الحياة الباقية والمستمرة والتي تستحق العمل والاجتهاد والبذل هي الحياة الأخرى، الحياة الطويلة الممتدة التي بعد الموت وبعد الحساب.

 

لذا فإنه يتكرر في القرآن الكريم الأمر بالصدقة والحث عليها، ويقترن أحياناً بتذكير المؤمن بالموت وفراق الدنيا وبأن أجله سينتهي وربما ندم أو تحسّر على عدم الصدقة، يقول الله - تبارك وتعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:254].

 

ويقول – سبحانه -: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون:10-11]، فهو ما ندم وما طلب أن يرجع إلى الدنيا إلا ليتصدق ويتقرب إلى الله، لما للصدقة من أثرٍ وأجرٍ وغنيمة، ثم بمجرد خروج روحه من نفسه انتقل هذا المال من كونه مالاً له إلى كونه مالاً لورثته لهم غنمه وعليه غرمه، والله المستعان.

مضى أمسك الماضي شهيداً معدلا *** وأعقبه يوم عليك جديدُ
فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة *** فثنّ بإحسان وأنت حميدُ
ولا تُرْجِ فعل الخير يوماً إلى غدٍ *** لعلّ غداً يأتي وأنت فقيدُ(1)

 

قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله في تفسير قوله – تعالى -: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس:12]: "إنا نحن نحيي الأموات جميعاً ببعثهم يوم القيامة، ونكتب ما عملوا من الخير والشر، وآثارهم التي كانوا سبباً فيها في حياتهم وبعد مماتهم من خير: كالولد الصالح والعلم النافع والصدقة الجارية، ومن شرّ: كالشرك والعصيان، وكل شيء أحصيناه في كتاب واضح هو أم الكتب، وإليه مرجعها، وهو اللوح المحفوظ، فعلى العاقل محاسبة نفسه؛ ليكون قدوة في الخير في حياته وبعد مماته"(2) اهـ.

 

وهكذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يذكّر أصحابه بفضل الصدقة ويحثّهم عليها ويرغّبهم فيها ولنستمع إلى هذه القصة التي رواها الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بيمنا رجل بفلاةٍ(3) من الأرض، فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحّى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حَرّة (وهي الأرض ذات الحجارة السود)، فإذا شَرْجةٌ (وهي مسيل الماء) من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبّع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟، قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله، لم تسألني عن اسمي؟، فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه، يقول: اسق حديقة فلان - لاسمك -، فما تصنع فيها؟، قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرد فيها ثلثه"(4).

 

ويستقى من هذه القصة النبوية جملة من الفوائد منها:

•    فضل الإنفاق في سبيل الله وأجلّه وأعظمه الوقف في سبيل الله – تعالى – قال النووي رحمه الله: "وفي الحديث فَضْل الصَّدَقَة والإحسان إلى المساكين وأبناء السبيل"(5).

 

•    أن من أنفق فهو موعود بخلف رباني كريم؛ لقول رب العالمين: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ:39].

 

•    إن المنفق في سبيل الله يدعو له مَلَك كل يوم، وأنّ الممسك الشحيح البخيل يدعو عليه مَلَك كل يوم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم يُصبح العباد فيه إلا مَلَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعْطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعْطِ ممسكاً تَلَفاً"(6).

 

ولا شك أن الواقف في سبيل الله ينال أجراً عظيماً وخيراً عميماً فهو بمثابة من ينفق كل يوم في سبيل الله، وجاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ إلا كان له به صدقة"(7).

 

قال أحدهم حاكياً على لسان أهل المقابر:

يا واقفين ألم تكونوا تعلموا *** إن الحُمام(8) بكم علينا قادمُ
لو تنزلون بشعبنا لعرفتموا *** أن المفرط في التزود نادمُ
لا تستعزّوا بالحياة فإنكم *** تبنون، والموتُ المفرقُ هادمُ(9)

 

_______________________

(1)    الأبيات لمحمود بن الحسن، ينظر الزهد الكبير للبيهقي رقم (1).
(2)    ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/692).
(3)    الفلاة: الصحراء.
(4)    أخرجه مسلم (2984).
(5)    ينظر: شرح النووي على مسلم (18/115).
(6)    أخرجه البخاري (1442)، مسلم (1010).
(7)    أخرجه البخاري (2320)، مسلم (1553).
(8)    الحُمام بضم الحاء المهملة: الموت.
(9)    ينظر: مرشد الزوار إلى قبور الأبرار (1/83).

2 + 10 =