الاستغاثة الشرعية والبدعية في اليوتيوب
21 صفر 1438
د. تركي بن خالد الظفيري

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

 

فأرسل الله – تعالى – رسله بالدعوة إلى العقيدة الصحيحة وعبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]، وأتى القرآن الكريم موضحاً بجلاء أن العقيدة هي الغاية من خلق الجن والإنس، فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، فأهمية العقيدة لا تخفى على مسلم يقرأ القرآن الكريم والسنة النبوية. وإن المتتبع لكيفية عرض العقيدة على عامة الناس يجدها تختلف في كل زمان ومكان، فكانت في قرون سابقة عن طريق المقابلة والحديث المباشر والخطابة وكتابة الرسائل، أما اليوم فقد اختلفت وسيلة نشر الأفكار والمعتقدات لتصل إلى أفراد الناس في أي مكان تواجدوا فيه عن طريق تطور الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي، وهنا تكمن الأهمية والخطورة في ذات الوقت، ويبرز من خلال هذا التطور التقني أهمية نشر العقيدة الصحيحة، كما يظهر جلياً خطورة نشر المعتقدات الضالة.

 

وإن من التحديات التي يواجهها أطفال المسلمين وشبابهم تعرّضَهم لرسائل ومقاطع لطوائف ضالة فيتناقلونها إما على سبيل الإعجاب أو الطرافة، وكلاهما خطر على المعتقد، فعلى سبيل المثال هناك مقاطع إنشادية لطائفة مخالفة يتناقلها أهل السنة على سبيل الإعجاب بصوتها وأدائها، مع أن المحتوى مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة، ولهذا وجب تتبع المسائل العقدية في الوسائل الإعلامية المعاصرة وكتابة التوصيات حول الحلول في تحذير الناس منها من جهة، واستخدامها في تأصيل المعتقد الصحيح من جهة أخرى.

 

وتعتبر مسألة الاستغاثة من المسائل التي يظهر الفرق فيها بين أهل السنة والفرق البدعية كالشيعة والصوفية على سبيل المثال، لهذا قام الباحث بدراسة هذه المسألة في موقع اليوتيوب، والمقارنة بين الاستغاثة المشروعة والبدعية في هذه الوسيلة الفاعلة.

 

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلى ما يلي:
-    معرفة مفهوم الاستغاثة والفرق بينها وبين الدعاء والتوسل.
-    معرفة أنواع الاستغاثة المشروعة والبدعية.
-    المقارنة بين واقع الاستغاثة المشروعة والبدعية في اليوتيوب.

 

أسئلة الدراسة:

تناقش الدراسة الأسئلة التالية:
-    ما مفهوم الاستغاثة وما الفرق بينها وبين الدعاء والتوسل؟
-    ما أنواع الاستغاثة المشروعة والبدعية؟
-    ما واقع الاستغاثة في اليوتيوب؟

 

أهمية الدراسة:

تظهر أهمية الدراسة من خلال ما يلي:
-    تبرز أهمية هذا الموضوع من خلال أهمية تأصيل العقيدة الصحيحة والرد على المخالفين.
-    التعرف على الوسائل المعاصرة لنشر العقيدة الصحيحة.
-    الاستغاثة والدعاء من أهم الأعمال التي يقوم بها المتدين على اختلاف اعتقاده، لذلك نجد انتشارها في الإنترنت بوجه عام، وفي موقع اليوتيوب على وجه الخصوص، فوجب دراسة واقعها ومقارنة مقاطع الاستغاثة المشروعة بالاستغاثة البدعية، ومعرفة جوانب القوة والضعف وإيجاد المقترحات في تحسين عرض هذه المسألة على الجمهور أو الرد على المخالفين.
-    أهمية فتح باب الدراسات الإعلامية العقدية، والتعرف على أداء العلماء والدعاة فيها، وتطوير هذا الأداء حتى تصل إلى جمهور واسع.
-    أهمية التعرف على أساليب ووسائل الفرق المخالفة لتحديد الأسلوب الأمثل للرد عليها.

 

الدراسات السابقة:

لم يطلع الباحث على دراسات تناقش الاستغاثة في وسائل التواصل الاجتماعي، وأكثر الدراسات حول هذا الموضوع ناقش الجانب التأصيلي لمسألة الاستغاثة، وأهم هذه الكتب هو كتاب الاستغاثة في الرد على البكري، لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقد قام بتحقيقه د. عبدالله السهلي، وهو من إصدارات دار الوطن لعام 1417هـ، وهذا الكتاب يعد من أهم المراجع في تأصيل الاستغاثة، وهو من المراجع التي رجعت لها في الجانب النظري لهذه الدراسة.

 

منهج البحث:

يعتمد البحث المنهج الاستقرائي والوصفي.

 

حدود الدراسة:

يتركز هذا البحث في موضوع الاستغاثة على موقع اليوتيوب، وقد اخترت أول مائة نتيجة لمادة "استغاثة".

 

إجراءات البحث:

1-    عزو الآيات القرآنية إلى سورها وأرقامها، وكذلك عزو الأحاديث إلى مصادرها الأصلية.
2-    اختيار أول مائة نتيجة لمادة "استغاثة" في اليوتيوب.
3-    بعد النظر في هذه المقاطع تم تصنيفها إلى ما يوافق المعنى العقدي وما لا يوافقه.
4-    المقاطع التي توافقت معنى الاستغاثة الشرعي 61 نتيجة من أصل 100 مقطع، لذلك سيكون محل الدراسة 61 المتطابقة مع المعنى العقدي.

 

خطة الدراسة:

تكونت الدراسة من مقدمة وفصلين وخاتمة.
الفصل الأول: تأصيل مفهوم الاستغاثة الشرعية والبدعية، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: مفهوم الاستغاثة.
المبحث الثاني: الاستغاثة المشروعة.
المبحث الثالث: الاستغاثة البدعية.
أما الفصل الثاني فعنوانه: الاستغاثة في اليوتيوب، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مقارنة تحليلية بين الاستغاثة الشرعية والبدعية في اليوتيوب.
المبحث الثاني: أهم موضوعات الاستغاثة التي تم نقاشها في اليوتيوب.
والله أسأل حسن القصد وصلاح العمل، وأسأله التوفيق والسداد، وأن ينفع بهذه الدراسة.

 

الفصل الأول: تأصيل مفهوم الاستغاثة الشرعية والبدعية

المبحث الأول: مفهوم الاستغاثة:

سأتطرق في مفهوم الاستغاثة إلى ثلاث مسائل، هي: تعريف الاستغاثة لغة واصطلاحياً، ولفظ الاستغاثة في القرآن الكريم، والفرق بين الاستغاثة والدعاء والتوسل.

 

أولاً: تعريف الاستغاثة لغة واصطلاحاً:

الاستغاثة لغة: الاستغاثة مصدر استغاث، وهو مأخوذ من الغوث، بمعنى الإغاثة والنصرة عند الشدة(1).

 

الاستغاثة اصطلاحاً: هي طلب الغوث من الله عز وجل ويطلب من المخلوق ما يقدر عليه إن كان حياً حاضراً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الاستغاثة طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها، كما قال – تعالى -: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال:72]، وكما قال: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص:15]، وكما قال: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:2](2).

 

ثانياً: لفظ الاستغاثة في القرآن الكريم:

ورد لفظ الاستغاثة في كتاب الله – تعالى – في أربع آيات وهي:
1-    قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال:9]. نزلت هذه الآية بعد أن استغاث النبي صلى الله عليه وسلم بربه في غزوة بدر لينصره على المشركين، فاستجاب الله – تعالى – له فأمده بالملائكة(3).

 

2-    {وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ} [الكهف:29] الآية. تبين أن أهل النار يتسغيثون بربهم إذا أصابهم العطش، فيغاثوا بماء كالمهل، والمهل: ماء "أسود منتن غليظ حار، ولهذا قال: {يَشْوِي الْوُجُوهَ} أي من حره إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه حتى تسقط جلدة وجهه"(4).

 

3-    {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص:15]. الآية تبين استغاثة الإسرائيلي بموسى عليه السلام عندما اقتتل هو والقبطي. فوكز موسى القبطي، "قال مجاهد: فوكزه أي طعنه بجميع كفه، وقال قتادة: وكزه بعصا كانت معه فقضي عليه"(5). والآية أصل في استغاثة المخلوق بالمخلوق.

 

4-    {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأحقاف:17]. الآية تتحدث عن الولد الذي أنكر البعث، وأنكر على والديه متأففاً منهما بسبب دعوتهما له بأن يؤمن بالبعث بعد الموت، وأخذ الوالدان يستغيثان ويسألان الله – تعالى – بأن يهيده، ويقولان: {وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأحقاف:17](6).

 

ثالثاً: الفرق بين الاستغاثة والدعاء والتوسل:

أ – الفرق بين الاستغاثة والدعاء:

عند الحديث عن الفرق بين الاستغاثة والدعاء يحسن بنا تعريف الدعاء، حتى يتبين لنا الفرق بينه وبين الاستغاثة.

 

فالدعاء لغة: قال ابن منظور: "دعا الرجلَ دعواً ودعاءً: ناداه. والاسم: الدعوة. ودعوت فلاناً: أي صِحت به واستدعيته"(7)، "وهو أن تُميل الشيءَ إليك بصوت وكلام يكون منك، تقول: دعوتُ أدعوه دعاءً"(8)، وقال الخطابي: "أصل هذه الكلمة مصدر من قولك دعوت الشيء أدعوه دعاء، أقاموا المصدر مقام الاسم. تقول: سمعت دعاء كما تقول: سمعت صوتاً، وكما تقول: اللهم اسمع دعائي، وقد يوضع المصدر موضع الاسم، كقولهم: رجل عدل، وهذا درهم ضرب الأمير، وهذا ثوب نسج اليمن"(9).

 

الدعاء اصطلاحاً: ذكر الخطابي معنى الدعاء بأنه: استدعاء العبد ربه عز وجل العناية، واستمداده إياه المعونة، وحقيقته: إظهار الافتقار إليه والتبرؤ من الحول والقوة"(10).

 

ومن أهم الفروقات بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب كما قال تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص:15]، وقال: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال:9]، أما الدعاء فهو أعم من الاستغاثة؛ لأنه يكون من المكروب وغيره(11)، وبينهما "عموم وخصوص مطلق يجتمعان في دعاء المكروب، وينفرد الدعاء عنها في غير ذلك، فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة"(12)، وعلى هذا فإن دائرة الدعاء أوسع من دائرة الاستغاثة.

 

ب – الفرق بين الاستغاثة والتوسل:

التوسل لغة: قال الفيروز آبادي: "الوسيلة والواسلة: المنزلة عند الملك، والدرجة، والقربة. ووسّل إلى الله توسيلاً: عمل عملاً تقرب به إليه"(13)، وقال ابن منظور: "توسّل إليه بوسيلة إذا تقرّب إليه بعمل"(14).

 

التوسل شرعاً: عرّفه الرفاعي بأنه: "التقرب إلى الله بطاعته وعبادته، واتباع أنبيائه ورسله، وبكل عمل يحبه ويرضاه"(15).

 

ويرى بعض المجيزين للتوسل والتشفع والاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم وبغيره من الأنبياء والأولياء؟ أنه لا فرق بين هذه المعاني، كأمثال أحمد بن علي البصري الشهير بالقباني فيقول: "جواز التوسل والتشفع والاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم وبغيره من الأنبياء والأولياء.. ولا فرق في ذلك بين التعبير بالتوسل، أو الاستعانة، أو التشفع، أو التوجه به صلى الله عليه وسلم في الحاجة..."(16)، وقد رد عليه عدد من العلماء وأبطلوا شبهته(17).

 

وقد نفى شيخ الإسلام أن يكون التوسل بمعنى الاستغاثة بقوله: "وقول القائل: أنه من توسل إلى الله بنبي فقال: أتوسل إليك برسولك قد استغاث برسوله حقيقة، في لغة العرب وجميع الأمم فقد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بني آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسؤول به مدعو، ويفرقون بين المسؤول والمسؤول به"(18)، ويتجلى الفرق بين الاستغاثة والتوسل عند التمعن بقول القائل: استغثت بفلان، وبقوله: توسلت بفلان إلى فلان، فيظهر أن "في الاستغاثة لا يقال: استغثت إليك يا فلان بفلان أن يفعل بي كذا، وإنما يقال استغث بفلان أن يفعل بي كذا، وفي التوسل يقال ذلك، كما أن من سأل بشيء أو توسله به لا يكون مخاطباً له ولا مستغيثاً به؛ لأن قول السائل المتوسل: أتوسل إليك إلهي بفلان، إنما هو خطاب لله، لا ذلك المتوسل به، بخلاف المستغاث به فإنه مخاطب مسؤول الغوث"(19).

 

المبحث الثاني: الاستغاثة المشروعة:

وهي ما دلت الأدلة الشرعية على جوازها، ويندرج تحتها نوعان:

النوع الأول: الاستغاثة بالله – تعالى -:

الاستغاثة بالله – تعالى – قربة عظيمة وعبادة جليلة، وهي من أفضل الأعمال وأكملها، وهي دأب الرسل وأتباعهم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "يجب على المكلف أن يعلم ألا غيّاث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله، وإن كل غوث فمن عنده، وإن كان جعل ذلك على يدي غيره فالحقيقة له سبحانه وتعالى ولغيره مجاز"(20). والاستغاثة من الدعاء، فالله – سبحانه – "غياث المستيغيثين: ومعناه المدرك لعباده في الشدائد"(21). وقد نهى الله عز وجل عن صرف الاستغاثة والدعاء لغيره، كما قال تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس:106-107]. وقال الشيخ سليمان بن عبد الله عند هذه الآية: إن "حاصل كلام المفسرين أن الله – تعالى – نهى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعو من دونه ما لا ينفعه ولا يضره، والمراد به كل ما سوى الله، فإنهم لا ينفعون ولا يضرون، وسواء في ذلك الأنبياء والصالحون وغيرهم، كما قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن:18]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك"(22) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وفي الآية تنبيه على أن المدعو لا بد أن يكون مالكاً للنفع والضرر حتى يعطي من دعاه أو يبطش بمن عصاه، وليس ذلك إلا لله وحده، فتعين أن يكون هو المدعو دون ما سواه..."(23). وجاء في الكتاب والسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم استغاث بربه في مواطن كثيرة، ومن أمثلتها: استغاثته صلى الله عليه وسلم بربه ليلة بدر، قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال:9]، وكذلك جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "إن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا، قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا..." الحديث(24).

 

النوع الثاني: الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه:

الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائزة، سواء هذا المخلوق نبياً أو رجلاً صالحاً أو فاسقاً أو مشركاً أو كافراً فالاستغاثة به فيما يقدر عليه جائزة، ولكن بالشروط التي حددها الشرع لذلك. والأصل في جواز هذا النوع قول الله – تعالى -: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص:15]، فهذا الإسرائيلي استغاث بموسى عليه السلام فأغاثه موسى، ولم ينكر الله عز وجل عليه هذا الفعل، وهذا لا ينافي كمال التوحيد(25)، ومن هذا النوع – أيضاً – ما وردت به النصوص من الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة(26). يقول شيخ الإسلام في جواز الاستغاثة بالمخلوق في الأمور التي يقدر عليها: "فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على النصر فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل المخلوقين يستغاث به في مثل ذلك"(27). وأورد صاحب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد عن الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي قوله: "والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، كقولهم: يالزيد، يالقوم، ياللمسلمين، كما ذكروا ذلك في كتاب النحو بحسب الأسباب الظاهرة بالفعل"(28).

 

شروط الاستغاثة بالمخلوق:

لجواز الاستغاثة بالمخلوق أربعة شروط، وهي:
الأول: أن يعتقد المستغيث أنه لا نافع ولا ضار ولا أحد يستطيع التأثير بهذا الكون إلا الله – تعالى – وحده.
الثاني: أن يكون المخلوق المستغاث به قادراً.
الثالث: أن يكون المستغاث به حياً.
الرابع: أن يكون المستغاث به حاضراً عالماً.

 

الشرط الأول: أن يعتقد المستغيث أنه لا نافع ولا ضار، ولا أحد يستطيع التأثير بهذا الكون إلا الله – تعالى – وحده، والأمر كله بيد الله – تعالى – قال – تعالى-: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:5]، وقال – تعالى-: {لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ} [المائدة:120]، ومن خلال تتبع لجواز شروط الاستغاثة بالمخلوق لم أجد من أفرد هذا القيد كشرط مستقل مع أهميته وأثره في المسألة، ومن وجهة نظري أنه من الأولى ذكره مستقلاً عن الشروط الأخرى، لأن من استغاث بمخلوق حي قادر وحاضر واعتقد فيه النفع والضر، فقد وقع في الاستغاثة الشركية، ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن هذا الشرط ليس خاصاً بالاستغاثة بل يشمل غيرها كالدعاء والرجاء والتوكل وغيرها من العبادات.

 

الشرط الثاني: أن يكون المستغاث به قادراً: المخلوق المستغاث به لا بد أن يكون قادراً ومستطيعاً على إغاثة من استغاث به. فمن استغاث بغير القادرين لا يخلو من حالتين: إما أن يعتقد أن لهم تصرفاً خفياً في الكون، أو لا يعتقد ذلك، فإن اعتقد أن لهم تصرفاً خفياً في الكون فقد جعل "لهم حظاً من الربوبية قال – تعالى-: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62]"(29).

 

وأما من لم يعتقد أن لهم تصرفاً خفياً في الكون "مثل أن يستغيث الغريق برجل مشلول فهذا لغو وسخرية بمن استغاث به فيمنع منه لهذه العلة، ولعلة أخرى وهي الغريق ربما اغتر بذلك غيره فتوهم أن لهذا المشلول قوة خفية ينقذ بها من الشدة"(30).

 

الشرط الثالث: أن يكون المستغاث به حياً: الحياة شرط في صحة الاستغاثة بالمخلوق، فالميت لا يملك نفعاً ولا ضراً لنفسه فكيف ينفع ويضر غيره؟! فمن استغاث بالموتى فقد وقع في الشرك الأكبر، قال ابن القيم رحمه الله: "ومن أنواعه – أي الشرك – طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فضلاً لمن استغاث به أو سأله أن يشفع إلى الله..."(31).

 

الشرط الرابع: أن يكون المستغاث به حاضراً عالماً: المستغاث به لا بد أن يكون حاضراً وعالماً، فالذي يستغيث بغائب كالذي يستغيث بميت لعدم علمهما بمن استغاث بهما، وكلاهما شرك أكبر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين، مثل أن يقول: يا سيدي فلاناً أغثني، وانصرني، وادفع عني، أو أنا في حسبك، ونحو ذلك. بل كل هذا من الشرك الذي حرَّمَ اللهُ ورسولُه، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام"(32).

 

المبحث الثالث: الاستغاثة البدعية:

وهي ما دلت الأدلة الشرعية على منعها وعدم جوازها. وتسمى بالاستغاثة الشركية، والاستغاثة غير المشروعة، وهي نوعان:

 

النوع الأول: الاستغاثة بالمخلوق الحي الشاهد الحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، مثل غفران الذنوب، وهداية القلوب، ودخول الجنة والبُعد عن النار، وشفاء مرض، وغير ذلك من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله – تعالى-. قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عند قول الله – تعالى-: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس:106-107] "الآية نص في أن دعاء غير الله والاستغاثة به شرك أكبر، ولهذا قال: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} لأنه المتفرد بالملك والقهر والعطاء والمنع، ولازم ذلك إفراده بتوحيد الإلهية لأنهما متلازمان، وإفراده بسؤال كشف الضر وجلب الخير؛ لأنه لا يكشف الضر إلا هو ولا يجلب الخير إلا هو {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر:2]، فتعين أن لا يدعى لذلك إلا هو، وبطل دعاء من سواه ممن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فضلاً عن غيره"(33).

 

النوع الثاني: الاستغاثة بالميت أو الغائب في حال غيبته:

فمن استغاث بميت أو غائب فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج عن الملة؛ لأن جميع المستغيثين بالموتى لا يفعلون ذلك إلا وهم معتقدون أنهم يضرون وينفعون إما مع الله أو من دونه وكلاهما شرك، قال – تعالى-: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62]. قال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله: "من دعا ميتاً أو غائباً فقال يا سيدي فلان أغثني، أو انصرني، أو ارحمني، أو اكشف عني شدتي، ونحو ذلك فهو كافر مشرك، يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء، فإن هذا هو شرك المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم لم يكونوا يقولون: إنها تخلق، وترزق، وتدبر أمر من دعاها، بل كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده كما حكاه عنهم في غير موضع في كتابه، وإنما كانوا يفعلون عندها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم من دعائها الاستغاثة بها.."(34). ويقول الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي: "وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم، وينادونهم في قضاء الحاجات مستدلين على أن ذلك من الكرامات.. وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة وفي التنزيل: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء:115]"(35).

 

الفصل الثاني: الاستغاثة في اليوتيوب:

المبحث الأول: مقارنة تحليلية بين الاستغاثة المشروعة والبدعية في اليوتيوب:

يعتبر موقع اليوتيوب من أشهر المواقع الإلكترونية التي تحتفظ بمخزون هائل من ملفات الفيديو، لذلك رأيت أن أرصد المقاطع التي ناقشت الاستغاثة بأسلوب نظري أو التي طبقتها بأسلوب عملي، فقمت باختيار أول مائة مقطع فيديو على اليوتيوب لمادة "الاستغاثة"، وحددت بعض العناصر لمعرفة تأثير هذه المقاطع وحكم التفاعل معها؛ ولمقارنة المقاطع التي تتبنى المنهج الشرعي للاستغاثة والأخرى التي تتبنى المنهج البدعي، وهذه العناصر هي: عدد المشاهدات، والذين فضلوا هذه المقاطع والذين لم يفضلوها، وعدد التعليقات، ومعرفة المخالفين والموافقين لها، فمن خلال المقارنات توصلت لهذه النتائج:

 

أولاً: المقاطع التي تقرر المنهج الشرعي للاستغاثة:

عدد المقاطع

المشاهدات

المفضلون

غير المفضلين

التعليقات

المخالفون

الموافقون

36

349.138

1.813

85

139

3

136

ثانياً: المقاطع التي تقرر المنهج البدعي للاستغاثة:

 

 

عدد المقاطع

المشاهدات

المفضلون

غير المفضلين

التعليقات

المخالفون

الموافقون

25

237.466

380

35

62

33

29

 

 

 

 

 

ومن خلال النتائج السابقة أسجل بعض الملاحظات والتحليلات حولها:

1-    عدد المقاطع التي تحدثت عن الاستغاثة بالمفهوم العقدي الذي نريد هو 61 من 100، أي 61% منها تحدثت عن موضوع البحث، و39% منها تحدث عن معانٍ أخرى للاستغاثة كنداء استغاثة من أشخاص أو أحداث إخبارية لها علاقة بالاستغاثة. وهذا مما قد يُشْكل على الباحث في الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي فقد يبحث عن كلمة بمفهوم محدد وتخرج لها آلاف النتائج وعدد كبير منها استخدم ذات الكلمة لمفهوم آخر.

 

2-    عدد المقاطع الشرعية بلغ 36 من أصل 61 مقطع، بينما عدد المقاطع البدعية وصل إلى 25 من أصل 61 مقطع، وهذا يعني أن 59.016% من المقاطع يتحدث عن الاستغاثة بمعناها الشرعي، 40.98% منها تحدث عن المعنى البدعي للاستغاثة. وهذا يدل على أن تواجد الاستغاثة بالمعنى الشرعي في اليوتيوب يفوق تواجدها بالمعنى البدعي بما يقارب 18%.

 

3-    نتائج عدد مشاهدات مقاطع الاستغاثة الشرعية والبدعية متقاربة والفروقات ضئيلة بينهما، فقد كان إجمالي المشاهدات للمقاطع الشرعية: 349138 مشاهدة أي ما نسبته 50.53% من المجموع الكلي لعدد المشاهدات، بينما نسبة عدد مشاهدات المقاطع البدعية هي 49.47% وكان إجمالي عدد مشاهدات المقاطع البدعية هو 237396 مشاهدة، ونلاحظ من خلال الأرقام السابقة أن الفرق بينهما كان بنسبة 1.06%.

 

4-    أما نتائج التعليقات فقد سجلت ارتفاعاً ملحوظاً للمقاطع الشرعية، وكانت عدد التعليقات 139 تعليقاً وبنسبة 61.41% من إجمالي نتائج التعليقات، أما البدعية فقد ظفرت بـ63 تعليقاً وبنسبة 38.59%، ونرى بوضوح أن الفرق بينهما التعليقات على المقاطع الشرعية أكثر من التعليقات على المقاطع البدعية بنسبة 22.82%، وهذا يظهر أن التفاعل مع مقاطع الاستغاثة الشرعية أكثر من التفاعل مع المقاطع البدعية.

 

5-    الذين قاموا بالتعليق على المقاطع الشرعية والبدعية لم يكن كلهم متوافقون مع ما يعرض في هذه المقاطع، فالذين وافقوا محتوى الاستغاثة الشرعية كان عددهم 36 وبنسبة 59.62%، والذين خالفوا عددهم 3 أشخاص وبنسبة 1.26%، أما الذين وافقوا على محتوى الاستغاثة البدعية فقد كان عددهم 29 شخصاً وبنسبة 18.30%، والذين خالفوا كان عددهم 33 شخصاً وبنسبة 20.82%، وهذا يؤكد على أن التفاعل كان إيجابياً مع المقاطع الشرعية وأكثر المعلقين عليها موافقون على محتواها، بعكس المقاطع البدعية التي أظهرت أن أكثر المعلقين لا يوافقون المحتوى البدعي الذي تقرره.

 

6-    أظهرت الدراسة أن عدد المفضلين للمقاطع الشرعية كان عددهم 698 شخصاً وبنسبة 72.73% من إجمالي نتائج التفضيلات، وعدد الذين لا يفضلون عددهم 32 شخصاً، وبنسبة 3.39%، أما عدد الذين يفضلون المقاطع البدعية كان عددهم 380 شخصاً وبنسبة 21.68%، وعدد الذين لا يفضلون 35 شخصاً وبنسبة 2.01%، وهنا بإمكاننا قراءة هذه الأرقام بمقارنة المفضلين وغير المفضلين لكل جهة على حدة بشكل مستقل، وكذلك مقارنة كلا الجهتين الشرعية والبدعية مع بعضها البعض. فقد أظهرت النتائج أن أغلب جمهور الاستغاثة الشرعية يفضلونها وكذلك أغلب جمهور المقاطع البدعية للاستغاثة يفضلونها، لكن المفضلين للاستغاثة الشرعية أكثر من المفضلين للبدعية بنسبة 51.05%، أي أكثر من الضعف يفضل المقاطع الشرعية على البدعية.

 

7-    تظهر النتائج أن عدد المخالفين في التعليقات للمقاطع البدعية أكثر من الموافقين عليها، وهذا بعكس التفضيلات التي تظهر أن عدد المفضلين أكثر من غير المفضلين، وهذا يدل أن المخالفين للمقاطع البدعية يميلون للتعليق والتعبير عن رأيهم حولها أكثر من اختيار عدم تفضيلها، ومن التوصيات في هذا الأمر أنه يحسن التعامل مع المقاطع البدعية بكلا الطريقين: عدم تفضيلها، والتعليق عليها وبيان الخطأ فيها.

 

8-    كما تظهر النتائج أن جمهور المقاطع الشرعية يميل إلى اختيار التفضيل أكثر من التعليق عليها، وهذا التصرف لا بأس به وهو التصرف المنطقي عند النظر لما يعجبك في اليوتيوب، فإظهار التفضيل لا يعني ضرورة التعليق، وإن جمع بينهما كان أفضل ويعطي قوة للمسائل العقدية الشرعية ويظهر قوة أتباعها، كما يشجع من يقوم بتقرير العقيدة الإسلامية نظرياً أو عملياً.

 

9-    تظهر النتائج بمجملها أن التفاعل مع الاستغاثة الشرعية أكثر من البدعية من حيث عدد التعليقات والموافقين والمفضلين لها، ويدل ذلك أن أغلب الجمهور هم من أهل السنة والجماعة، وهذا وإن كان شيئاً إيجابياً لكنه يحتاج مزيداً من التوعية حول التعامل والتفاعل مع ما يرونه يوافق المعتقد الصحيح، وكذلك التنبيه حول ما يجب فعله تجاه المقاطع البدعية سواء ناقشت موضوع الاستغاثة أم غيرها من المسائل العقدية.

 

المبحث الثاني: أهم موضوعات الاستغاثة التي تم نقاشها في اليوتيوب:

يمكننا تصنيف مقاطع الاستغاثة على اليوتيوب إلى ثلاثة أقسام رئيسة:

القسم الأول: تأصيل الاستغاثة من متخصصين سواء كان ذلك التأصيل شرعياً أو بدعياً، ويلاحظ أن التأصيل هو أقل هذه الموضوعات، وربما يرجع ذلك أن الجمهور لا يفضل النفَس التأصيلي للمسائل العقدية، فهي عادة تهم المتخصصين والباحثين، ومع ذلك من الواجب تأصيل المسائل العقدية لإحقاق العقد ولحماية جناب التوحيد.

 

القسم الثاني: الردود والمناظرات: وهو الغالب على المقاطع التي عنونت للاستغاثة، وهذا راجع للإثارة فيها وقدرتها على جذب جمهور عريض، لذلك نجد كثير من هذه المقاطع تهتم بالرد على المخالف، بل حتى الطرح التأصيلي يتضمن الرد على المخالفين.

 

القسم الثالث: التطبيق العملي للاستغاثة، وذلك يتجلى في الاستغاثة بالله وحده عند أهل السنة، أو الاستغاثة بالأولياء والأموات عند الرافضة والصوفية.

 

وحتى تتضح معالم الموضوعات التي يتم طرحها في اليوتيوب، فسأذكر عدداً من العناوين لكلا الاتجاهين الشرعي والبدعي، وسأذكر العنوان كما جاء في اليوتيوب إلا أن ما يطلب تصحيحه لغوياً، وهذه الأمثلة على النحو التالي(36):

 

أولاً: أمثلة الاستغاثة المشروعة في اليوتيوب:

1-    رد الشيخ محمد العريفي على الشيعة في الاستغاثة بعلي والحسين رضي الله عنهما وسؤال غير الله.
2-    الرد على شركيات الجفري في الاستغاثة والتوسل، د. سعد بن عبدالله السبر.
3-    التشيع تحت المجهر: الاستغاثة والاستعانة عند الشيعة، ياسر مرزوق.
4-    ما حكم الاستغاثة بالقبور جهلاً وهل يعذر بجهله؟ الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.
5-    عبد الرزاق البدر حكم الاستغاثة بغير الله.
6-    برنامج شرعة ومنهاج حكم الاستغاثة بغير الله الشيخ عبد العزيز الطريفي.
7-    الاستغاثة بالله وحده الشيخ الزغبي.
8-    التوسل ولادعاء والاستغاثة الشيخ عدنان العرعور.
9-    إمام مسجد يدعو الناس إلى الاستغاثة بغير الله من الأموات – الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين.
10-    شرح كتاب التوحيد 17 الاستغاثة المشروعة والممنوعة / الشيخ إبراهيم بانصير.
11-    من استغاث بالصالحين يكفر ولا يعذر بقوله إني جاهل، ابن باز.

 

ثانياً: أمثلة الاستغاثة البدعية في اليوتيوب:

1-    الاستغاثة بغير الله وإشكال الوهابية على الشيعة إجابة الشيخ الحبيب.
2-    الرادود هاني محفوظ دعاء الاستغاثة بالإمام الحجة عج.
3-    المهاجر صلاة الاستغاثة بفاطمة الزهراء والسجود لها.
4-    الاستغاثة بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
5-    مشروعية التوسل والاستغاثة/ السيد حسن السقاف.
6-    دليل التوسل والاستغاثة والجاه – الحبيب علي الجفري.
7-    مرجع شيعي يعلم الشيعة الاستغاثة بـ علي وقت الشدة!!
8-    رقعة الاستغاثة بالإمام صاحب الأمر عليه السلام.
9-    كمال الحيدري: عائشة طلبت من الصحابة الاستغاثة بقبر رسول الله.
10-    عبد الرضا معاش؛ الاستغاثة بالزهراء والسجود لها 510 مرة.
11-    الاستغاثة – الأحباش.
12-    سؤال 70 – أيهما أفضل الاستغاثة بالله أم بآل البيت.
13-    مشروعية الاستغاثة (الحلقة الأولى 1) الشيخ أحمد الدر العاملي غرفة علي مع الحق.
14-    حقيقة الجفري ومشايخه لنسمع إلى الاستغاثة بالأموات عند القبور.
15-    قصة السيد محمد الآوي في الاستغاثة بالحجة المنتظر والوصية بقراءة دعاء العبرات، السيد هاشم الهاشمي.

 

الخاتمة:

توصلت الدراسة إلى نتائج منها ما يلي:

1-    مسألة الاستغاثة من المسائل التي يتجلى فيها المذهب، فهي تنطلق من أصل عقدي، وتظهر من خلال ممارسات عملية، وهذا أمر ظاهر في تطبيقاتها في اليوتيوب.
2-    أوضح البحث أن الاستغاثة بالمخلوق جائزة إذا استوفت أربعة شروط، هي: أن يعتقد المستغيث أنه لا نافع ولا ضار إلا الله، ولا أحد يستطيع التأثير بهذا الكون إلا الله – تعالى – وحده، وأن يكون المخلوق المستغاث به قادراً حياً حاضراً عالماً.
3-    أظهرت النتائج تقارباً بين عدد مشاهدات مقاطع الاستغاثة الشرعية والبدعية متقاربة، ولهذا الباحث يوصي بأهمية توعية المتابعين لليوتيوب بدعم المقاطع التي تدعو للسنة، فعدد المشاهدات مؤثر للمتابع.
4-    التفاعل الإيجابي مع التعليقات والتفضيلات كان يميل بوضوح إلى المقاطع الشرعية، وهذا التفاعل يتطلب الاستمرارية والمؤازرة لكل ما يدعم المنهج الحق.
5-    يوصي الباحث بالتفاعل مع المقاطع الشرعية بتفضيلها، والتعليق عليها إيجاباً، دعماً وحواراً ونقاشاً، أما المقاطع البدعية فيتعامل معها بعدم التفضيل، والتعليق عليها وبيان الخطأ فيها، نصحاً لأهلها وإقامة الحجة عليهم.
6-    يوصي الباحث بأهمية إنشاء مراكز دراسات تبحث المسائل العقدية في وسائل الإعلام بأنواعها، فالإعلام وسيلة مؤثرة، والدخول لها بوعي أمر يحتمه الشرع والعقل.

 

_____________________

(1)    انظر: المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني 2/467، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر 2/1684، وتاج العروس من جوهر القاموس 5/313، ومختار الصحاح، محمد بن أبي بكر الرازي، ص438.
(2)    مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 1/105-106.
(3)    انظر: تفسير القرآن العظيم، الحافظ ابن كثير 2/301-302.
(4)    المرجع السابق 3/86.
(5)    المرجع السابق 3/394.
(6)    المرجع السابق 4/172.
(7)    لسان العرب، ابن منظور، 1419هـ، 4/360.
(8)    معجم مقاييس اللغة، ابن الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، 1399، 2/279.
(9)    شأن الدعاء، الخطابي، ص3.
(10)    المرجع السابق، ص4.
(11)    تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ص12-13.
(12)    فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ص223.
(13)    القاموس المحيط، الفيروز آبادي، 1068.
(14)    لسان العرب 15/301.
(15)    التوصل إلى حقيقة التوسل المشروع والممنوع، محمد نسيب الرفاعي، ص20.
(16)    دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عبد العزيز العبد اللطيف، ص246.
(17)    أمثال الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه: التوضيح عن توحيد الخلاف، ص307-312.
(18)    مجموع الفتاوى 1/104.
(19)    الاستغاثة في الرد على البكري، ابن تيمية 1/57.
(20)    مجموع الفتاوى 1/110-111.
(21)    الاستغاثة في الرد على البكري 1/58.
(22)    أخرجه الترمذي برقم (2516) 4/576.
(23)    تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، ص236-237.
(24)    أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد برقم (1013) 2/582، ومسلم في كتاب الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء 2/3/191، وأبو داود في كتاب الصلاة باب رفع اليدين في الاستسقاء برقم (1174) 1/693، والنسائي في كتاب الاستسقاء، باب رفع الإمام يديه في الاستسقاء كيف يرفع 3/158، وابن ماجه في كتاب إمامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الدعاء في الاستسقاء برقم (1269)/404.
(25)    الاستغاثة في الرد على البكري 1/58.
(26)    المرجع السابق 1/58.
(27)    مجموع الفتاوى 1/105.
(28)    تيسر العزيز الحميد، ص234.
(29)    شرح ثلاثة الأصول، محمد بن صالح العثيمين، الرياض: دار الثريا، ط2، 1414هـ، ص61.
(30)    المرجع السابق ص61.
(31)    تيسر العزيز الحميد، ص232.
(32)    قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ابن تيمية، الرياض: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، 1404هـ، ص154.
(33)    تيسير العزيز الحميد (237-238).
(34)    دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (359).
(35)    تيسير العزيز الحميد (232).
(36)    رتبت العناوين وفقاً لترتيبها في اليوتيوب.

* روابط المقاطع تم حذفها، ويمكنك مراجعته من أصل البحث المنشور في مجلة العلوم الشرعية اللغة العربية بجامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز.

4 + 15 =

مُجرد كون البيان بياناً للأمة وتبصيراً لها يحيي قضية في قلوب بنيها ويبصرهم بما يجب عليهم، وهذا الأمر بمجرده من الأهمية بمكان...