اللهم بلغنا رمضان وأعنا
28 شعبان 1438

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد فلم يبق على رمضان إلا قليل، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتهيأ لرمضان، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن عائشة -رضى الله عنها- أنها قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النبي صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ.

وفي زيادة لمسلم: كان يصوم شعبان كله؛ كان يصوم شعبان إلا قليلا.

والصحابة كانوا يتهيؤون في هذا الشهر لدخوله، وكان السلف يدعون الله أشهراً أن يبلغهم رمضان.

 

وواقع كثير من المسلمين اليوم أنهم يعيشون غفلة عن هذا الشهر، وإن تهيؤوا فلا يتهيؤون لشهر رمضان إلاّ بالأطعمة والمآكل والمشارب، والذي يرى الناس قبيل دخول رمضان بأيام يعجب؛ فكأنهم مقبلون على مجاعة! من شدة حرصهم على ما يأكلون ويشربون، ومع أنه شهر الإمساك! وشهر الصوم! مع ذاك ترتفع ميزانية بيوتهم ومصاريفهم فيه أضعاف ما كانوا ينفقون في الأشهر الأخرى! قد تصل إلى ميزانية شهرين أو ثلاثة أو أربعة!

أَوَهكذا يكون الاستعداد لرمضان؟!

 

إن الاستعداد لرمضان هو التهيؤ للعبادة، من صوم وصلاة وقراءة قرآن، وقد نبه العلماء كابن رجب في لطائف المعارف، وكذلك ابن القيم وغيرهما رحمهم الله جميعاً على شأن العناية بالنوافل والصلاة دون ابتداع في شهر شعبان تهيئة لشهر رمضان.

 

إن رمضان هو شهر الصلاة والقرآن وشهر الصيام، إنه شهر العبادة وفي ذلك فليتنافس المتنافسون! والرابح من تهيأ لتلك المنافسة بتمرين النفس على الصيام والإكثار من النوافل وقراءة القرآن بتدبر وتأمل قبل رمضان، عسى أن يفوز في رمضان.

 

ومن جملة الإعداد المطلوب في رمضان الإعداد لبذل الخير فقد كان صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان، ثبت ذلك في الصحيحين.

 

وفي واقعنا أسر بل أمم تحتاج إلى من يحسن إليها وهذا الأمر يحتاج إلى ترتيب وإعداد. فرمضان شهر للعطف على الفقراء والمساكين، وليقع الإحسان في موضعه ووقته فلابد من تفقد حاجات هؤلاء ومعرفة طلباتهم الملحة قبل دخول رمضان.

 

وضرب آخر من الاستعداد يتعلق بالقلب واللسان، يشمل المعالجة للنية والإصلاح، والتمرين على القول الطيب، وكظم الغيظ، والعفو عن الإساءة، ففي الصحيح: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).

 

إذاً الاستعداد لرمضان هو استعداد عملي يمرن المسلم على الطاعة، وكذلك مالي، وقلبي ولساني.

 

إن أمامنا فرصاً عظيمة ومغانم كبيرة فيا فوز من اغتنمها! قال صلى الله عليه وسلم:  «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ »، فتلك غنيمة، وقال: « مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وتلك غنيمة، وقال: « مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وتلك غنيمة! وكلها في الصحيحين.

 

ومعروف من واقع الناس أن من استعد لشيء وُفِّق له، ومن فوجئ به فقد لا يوفَّق، أو يثقل عليه، ولذلك على العاقل الراغب في الخير أن يستعد ليغنم، وأول ذلك الاستعداد النفسي بأن يصلح قلبه، ويدعو ربه أن يبلغه شهر رمضان وأن يعينه على صيامه وقيامه وأن يتقبله منه.

 

وينتهي ذلك بالتخطيط لاغتنام العشر حتى آخرها بالاستعداد للاعتكاف وترتيب الأمور ليتيسر له، وأيضاً بالاستعداد لقيام الليل، وترتيب الأعمال بحيث لا تعقيه عنه، وبخاصة في العشر الأواخر، وفي أثناء ذلك يحسن بالمرء أن يخطط لعمرة في رمضان فقد جاء في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي).

 

ومن الاستعداد له معرفة فضله، واستحضار النصوص في ذلك لتكون منه على بال، تدفعه إلى العمل، (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة] وقدم تقدم ذكر طرف من المغانم التي تعرض في هذا الشهر الثابتة في الصحيحين.

 

ومن جملة الاستعداد معرفة الأحكام حتى لا يقع المرء في المخالفات التي تسبب فطرهم أو نقص أجرهم، والملاحظ أنه ما أن يبدأ الشهر حتى ترد الأسئلة بعد أن يقع المحذور، وكان المفروض أن يتهيأ العبد للعبادة قبل ذلك، وقد وُفِّق كثير من طلاب العلم، وكذلك بعض أئمة المساجد، في إقامة دورات أو دورس في أحكام شهر رمضان تفيد العامة وتبين الأحكام الشرعية، والآداب المرعية المهمة في هذا الشهر الفضيل.

 

ومن أوجب ما يكون من الاستعداد، الاستعداد بترك ما أُلف من الحرام، فليس الصيام هو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوات المباحة فقط ولكن الإمساك عما حرّم الله عموماً، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، وهل فرض رمضان إلاّ لأجل التقوى! وكيف يتقي من يعصي الله في رمضان!

 

فتهيئة النفس بترك العادات السيئة، والأمور المحرمة من الأهمية بمكان، وهي محرمة في رمضان وغيره، لكن في رمضان تحريمها أعظم.

 

ختاماً: إن أهل الشر يتهيؤون ويهيؤون لأجل إفساد الناس في رمضان! وبعضهم قد أخذ الأهبة منذ بضعة أشهر -قد تصل إلى ستة أشهر- لإفساد الناس في الشهر الذي تصفد فيه شياطين الجنِّ وتغلق فيه أبواب النار، ومع ذلك كم أفسدوا من إنسان! وكثروا من منكرات! لا بارك الله لهم في باطل.

 

والواجب على المسلم الفاضل والمربي العاقل والوالد الحادب أن يهيئ نفسه وأهله وأولاده لهذا الشهر، وأن يقيهم مصائد الفساق من أهل اللهو والأهواء، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6].

 

ومن جملة ما يجب الحذر منه وصيانة الأهل والقرابات من الوقوع فيه البدع التي يرتكبها بعض الناس في رمضان.

 

وكل ما سلف من الإعداد مطلوب، والتحقق به سبب للقبول بإذن الله، أسأل الله أن يبلغنا رمضان، فقد كان السلف يدعون الله جل وعلا أشهراً أن يبلغهم رمضان، وهذا الدعاء من أعظم الاستعداد لشهر رمضان يملأ القلب شوقاً إليه والنفس عزماً على اغتنامه، ولهذا كانوا كلما قرب الشهر زاد شوقهم إليه، فإذا جاء قاموا بصيامه وقيامه والوفاء بحقه فإذا انتهى جلسوا أشهراً يسألون الله أن يتقبل منهم رمضان، فالعام كله عندهم رمضان، وبهذا يُعان المرء بإذن الله ويوفق، {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، فلنكن من هؤلاء المحسنين، بلغنا الله رمضان وأعاننا على صيامه وقيامه ووفقنا لحسن العبادة فيه ووفقنا لليلة القدر وتقبله منا، فمن الغرور الفرح بالعمل ممن لم يُضمن له القبول، (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، [المؤمنون]، والحمد لله رب العالمين.

10 + 1 =