التصرف في الأعيان المملوكة بغير البيع قبل قبضها
1 ذو القعدة 1438
د. فهد بن خلف المطيري

المقدمة (*)

الحمد لله رب العالمين أحمده وهو للحمد أهل وأشكره وهو للشكر محل، وأصلي على المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للأنام أجمعين، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أما بعد:

فإن علم الفقه من العلوم الشريفة الرفيعة، وقد وفق الله طوائف من أهل العلم للغوص في بحوره، واستخراج دره وياقوته، وتسهيله لطالبيه، وإن من أجمل مباحث هذا العلم المبارك، ما يتعلق بمعاقد المسائل، ودقائق العلل، وبواعث الأحكام، وهو علم قل من الفقهاء من يتعرض له ويدخل مضماره، وقد حاولت في هذا البحث اللطيف أن أكتب في مسألة لها تعلق بهذا النوع من العلم وإن كان على وجه ليس بالقريب، إيمانًا مني أن طالب العلم ينبغي له البحث فيما تمس الحاجة إليه ويقل الوالجون فيه لتظهر الملكات الفقهية وتصقل المواهب الربانية لينتفع الباحث ومن ورائه المتخصصون والباحثون.

وقد تفكرت في الموضوعات المهمة فحضر لي كم ليس بالقليل، وكان من أهمها ما يتعلق بمسائل القبض وقواعده وأصوله وتطبيقاته، وكان من تلك المسائل المهمة مسألة التصرف في الأعيان المملوكة بغير البيع قبل قبضها وهل تأخذ حكم ما كان وسيلة ملكه البيع؟ وهل يجوز التصرف بها بكل أنواع التصرف أم لا؟ والحاجة ماسة لمثل هذه الموضوعات لكثرة تطبيقاتها الواقعة بين الناس، وقد اقتصرت على ما ملك بغير البيع لأمور ثلاثة:

الأمر الأول: إن ما ملك بالبيع يكثر بحثه، وتعرض الباحثين له بخلاف ما ملك بغيره.

الأمر الثاني: إن ما ملك بغير البيع من المسائل الدقيقة التي تثري الباحث وتطلعه على دقيق فهم الفقهاء وتطبيقاتهم للفروع على الأصول.

الأمر الثالث: إن طبيعة البحوث المحكمة قلة عدد الصفحات ولو تناولت التصرف بكل ما ملك لأدى ذلك إلى كتابة مئات الصفحات في هذا الموضوع.

الدراسات السابقة:

لم أعثر بعد البحث في فهارس مكتبة الملك فهد الوطنية على بحث خاص في هذا الموضوع بذاته، وكذلك بعد البحث في فهارس بعض الجامعات والرجوع إلى المواقع البحثية على الإنترنت.

أما الدراسات ذات الصلة فقد اطلعت على رسالتي ماجستير ودكتوراه الأولى منهما رسالة ماجستير مقدمة لجامعة أم درمان بعنوان: التقابض في الفقه الإسلامي وأثره على البيوع المعاصرة للباحث: علاء الدين بن عبدالرزاق الجنكو، وقد تكلم الباحث عن بعض المسائل لكن بطريقة وأسلوب وعرض غير ما تكلم به الباحث وبحثه لهذه المسائل جاء بطريقة مختصرة اختصارًا شديدًا يصل لدرجة الإخلال أحيانًا، وجاءت دراسته لمسائل هذا البحث في أربع ورقات وربع الورقة من 250 إلى ص254.

أما الرسالة الثانية: فهي رسالة دكتوراه مقدمة للمعهد العالي للقضاء بعنوان: القبض وأحكامه في الفقه الإسلامي للباحث د/عبدالله بن محمد الربعي وإشراف فضيلة أ.د/عبدالله بن محمد الطيار، وقد تكلم الباحث عن القبض كقضية كبرى، وطريقة البحث وتقسيماته تخالف طريقة الرسالة فلم يتكلم د/الربعي عن التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه ولا عن ما لا يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه، ولم يتكلم عن هذا المصطلح ويبين المراد منه وهو أمر ضروري ينبني عليه تصور هذه المسألة والوصول إلى الحكم فيها، وهذا الأمر قد أخذ حيزًا كبيرًا من البحث فهو من ص8 إلى ص32.

لم يتكلم د/الربعي عن التصرف في الأعيان بالميراث قبل قبضها.

 

 

أوجه المشابهة بين البحث والرسالة:

تكلم د/الربعي عن التصرف في الأعيان المملوكة في عقد الفرض، والهبة والوصية، والوقف، لكن بطريقة وأسلوب غير ما ذكر في البحث، والباحث لا يوافقه على بعض استدلالاته، ولا في طريقة بحثه، وذكره للأقوال، لاختلاف منهج كل من الباحثين عن الآخر، وما من موضوعين في موضوع متقارب إلا وبينهما أوجه مشابهة، لكن المهم هل أضاف الباحث الثاني إضافة وجاء بشيء جديد؟ وهذا ما أظن أني قد أتيت به في هذا البحث، وباطلاعي على رسالة الباحث الربعي فإن إمكانية الإضافة على ما كتب ممكنة، وواردة في مواضع كثيرة، وليس هذا تقليلًا من جهد الباحث، لكن لطبيعة البحث واختلاف وجهات النظر الكثيرة فيه، فقد بذل جهدًا كبيرًا، وفتح أبوابًا كثيرة للباحثين فيه.

 

 

المطلب الأول:

المراد بالتصرف

وفيه فرعان:

الفرع الأول: تعريف التصرف لغة:

التصرف لغة: مصدر تصرف يتصرف، وأصل هذه الكلمة يدل على رد الشيء عن وجهه يقال: صرفه يصرفه صرفًا فانصرف(1)، قال في «معجم مقاييس اللغة»: «الصاد والراء والفاء معظم بابه يدل على رَجْع الشيء، من ذلك صرفت القوم صرفًا وانصرفوا، إذا رجعتهم فرجعوا»(2).

ويطلق التصرف على الاحتيال، قال في القاموس: «والصيرفي المحتال في الأمور»(3)، يقال: فلان يتصرف أي: يحتال، ومنه على أحد التفاسير: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلاَ نَصْرًا﴾(4)، وهو أي الاحتيال الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف(5).

يظهر من التعريف اللغوي لكمة تصرف أنها تدل على تقليب الشيء، وجودة النظر، والقدرة على التصريف، سواء أكان مالًا، أم غيره، ومنه سمي الصيرفي صيرفيًّا؛ لأنه يقلب المال بحذق ومهارة وجودة نظر حتى تصبح الأمور في صالحه، وهذا المعنى الذي ينطبق على ما نحن بصدده فإن المشتري يتصرف في المال غالبًا بقصد الربح والتجارة وتنمية المال، إذًا فهو التقلب في الأمور والسعي في طلب الكسب(6).

الفرع الثاني: تعريف التصرف اصطلاحًا:

من خلال النظر في كتب الفقه لم أجد من تعرض لتعريف التصرف من الفقهاء المتقدمين، وإن كانت هذه الكلمة كثيرة الاستعمال في الفقه؛ ويبدو أن الفقهاء لم يحتاجوا إلى إيجاد تعريف اصطلاحي لهذه الكلمة وذلك لوضوحها ووضوح المقصود منها، والتصرف عند الفقهاء قولي وفعلي، ولهذا يرى المتصفح لكتبهم كثرة إطلاقهم هذه اللفظة على القول والفعل، قال أحمد بن علي الجصاص (ت370هـ): «تصرف المريض جائز عندنا في جميع ماله بالهبة، والصدقة، والعتق، وسائر معاني التصرف ووجوهه»(7).

وقد عرفه بعض المعاصرين بقوله: «إن التصرف يفهم من كلام الفقهاء أنه ما يصدر عن الشخص بإرادته، ويرتب الشرع عليه أحكامًا مختلفة»(8).

وعرف أيضًا بأنه: «ما يصدر عن الشخص المميز بإرادته، ويرتب عليه الشارع نتيجة من النتائج سواء كانت في صالح ذلك الشخص أو لا»(9).

وعرف أيضًا بأنه: «ما يصدر عن الشخص بإرادته، ويرتب عليه المشرع أحكامًا مختلفة»(10).

وعرف أيضًا: «بأنه كل ما يصدر عن شخص بإرادته، ويرتب عليه المشرع نتائج حقوقية»(11). وهذه التعاريف يظهر لي والله أعلم أنها تعريفات صحيحة تخدم المعنى المقصود في هذا البحث؛ لأن التصرف في البيع لا يمكن أن يكون تصرفًا صحيحًا حتى يكون تصرفًا صادرًا ممن يملك أهلية التصرف في العقود المالية، وليس الغرض هنا هو التعرض لكل تصرف ينتج عن الإنسان حتى يتم إطلاقه عن قيد الإرادة والتمييز.

أقسام التصرف: ينقسم التصرف إلى قسمين:

القسم الأول: تصرف فعلي: وهو «ما كان قوامه عملًا غير لساني»، كإحراز المباحات، والغصب، والإتلاف، واستلام المبيع، وقبض الدين، وما أشبه ذلك.

القسم الثاني: تصرف قولي، وهو: «ما كان قوامه عملًا لسانيًا»، مثل الطلاق، والرجعة. والتصرف القولي يتنوع إلى نوعين:

تصرف قولي عقدي، وهو: «الذي يتكون من قولين من جانبين يرتبطان»، أي: ما يكون فيه اتفاق إرادتين، مثل البيع، والشراء، والإجارة، والشركة ونحوها.

النوع: الثاني: تصرف قولي غير عقدي، وهو نوعان:

النوع الأول: نوع يتضمن إرادة إنشائية وعزيمة مبرمة من صاحبه، على إنشاء حق، أو إنهائه، أو إسقاطه، وهذا مثل الوقف، والطلاق، والإبراء، ونحوها، وهذا النوع يسمى عقدًا عند بعض الفقهاء لكنه عقد من جهة واحدة لوجود الإرادة المنشئة.

النوع الثاني: نوع لا يتضمن إرادة إنشاء حقوق أو إسقاطها، لكنه أقوال من أصناف أخرى تترتب عليها نتائج حقوقية، مثل الدعوى، والإقرار، والإنكار، ونحوها، وهذا النوع تصرف قولي محض ليس فيه شبه عقدي(12).

والمملوكات التي يتصرف فيها قبل قبضها في العقود على نوعين: نوع يخشى انفساخ العقد فيه بالتلف قبل القبض، ونوع لا يخشى انفساخ العقد فيه بالتلف قبل القبض، وهذه التصرفات هي محل البحث والنظر.

المطلب الثاني:

المراد بالقبض

وفيه فرعان:

الفرع الأول: المراد بالقبض لغة:

  1. القبض بمعنى: الأخذ.
  2. القبض: خلاف بمعنى: التوفي.
  3. القبض بمعنى: تناول الشيء.
  4. القبض بمعنى: تناول الشيء.
  5. القبض بمعنى: التملك(13).

قال في «أساس البلاغة»: «قبض المتاع وأقبضته إياه وقبضته، وتقابض المتبايعان، وقابضته مقابضة، واقتبضته لنفسي...»(14).

الفرع الثاني: المراد بالقبض اصطلاحًا:

ليس في كتب الفقهاء رحمهم الله تعريف خاص للقبض اصطلح عليه أهل مذهب معين، وإنما هم في الجملة يردونه إلى أعراف الناس، ولهذا الأمر فإن الأفضل هو نقل بعض نصوص الفقهاء ليتبين من خلالها معنى القبض.

قال أبو بكر بن مسعود الكاساني (ت578هـ): «وأما تفسير التسليم، والقبض، فالتسليم والقبض عندنا هو التخلية والتخلي، وهو أن يخلي البائع بين المبيع وبين المشتري برفع الحائل بينهما على وجه يتمكن المشتري من التصرف فيه، فيجعل البائع مسلمًا للمبيع، والمشتري قابضًا له»(15).

قال خليل بن إسحٰق الجندي (ت776هـ): «وقبض العقار بالتخلية، وغيره بالعرف...»(16).

قال يحيى بن شرف النووي (ت676هـ): «قال أصحابنا: الرجوع في القبض إلى العرف»(17).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ): «الأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع كالصلاة، وتارة بالعرف كالقبض والتفرق»(18).

 

المبحث الأول:

التصرف في الأعيان قبل قبضها في العقود

وفيه مطلبان:

المطلب الأول:

التصرف في الأعيان بعقود المعاوضات قبل قبضها

وفيه فرعان:

الفرع الأول: التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه:

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: المراد بما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه: الأصل في الملك أن يكون مستقرًا غير قابل للسقوط والانفساخ، لكنه يقبل النقل إما عن طريق المعاوضة ببيع، وإما نحوه، وإما عن طريق غير البيع كالهبة، والوصية، ونحوهما، وبناء على ذلك فإن الملك المستقر يؤمن فيه الانفساخ بزوال سببه، وكذلك يؤمن فيه الفسخ بغير رضا المتعاقدين والفرق بين الفسخ والانفساخ أن الفسخ قلب كل واحد من العوضين لصاحبه، والانفساخ انقلاب كل واحد من العوضين لصاحبه.

أما الملك غير المستقر فهو الذي يمكن انفساخ العقد فيه بغير إرادة المتعاقدين كتلف الملك في عقد البيع قبل قبض المبيع وليس هذا محل اتفاق بين الفقهاء أعني العقود التي ينفسخ العقد فيها بالتلف قبل القبض، فالحنفية(19) يرون أن العقد ينفسخ بتلف المبيع مطلقًا، وكذا الشافعية(20)، وأما المالكية(21)، والحنابلة(22)، فيقصرون الانفساخ فيما فيه حق توفيه، لكن الفقهاء في الملة على أن العقد لا ينفسخ إذا هلك المبيع قبل القبض بفعل المشتري(23).

وهذا هو الذي حمل الجمهور على أن قالوا إن علة النهي عن بيع المبيع قبل قبضه هي خشية انفساخ العقد بتلف المبيع قبل قبضه، فإذا كان العقد يخشى انفساخه بتلف المبيع قبل قبضه فلا يجوز التصرف فيه بالبيع(24).

ومن أمثلة الانفساخ: انفساخ عقد الإجارة إذا تلفت العين المستأجرة سواء أكان الانفساخ للعقد كله أم بعضه، ومثل انفساخ عقد الشركة، والمزارعة، والمساقاة بموت أحد المتعاقدين، ويترتب على الانفساخ إعادة العاقدين إلى سابق وضعهما قبل التعاقد(25).

وكذلك يعد المالك غير مستقر إذا كان يمكن فسخه بغير إرادة المالك، ومثل له الفقهاء بمال الكتابة، فإن ملك السيد غير مستقر فيه؛ لأنه يمكن

للمكاتب أن يعجز نفسه(26).

ومما يبين حقيقة الملك المستقر وغيره أن الملك المستقر تكون العين فيه مضمونة على مالكها في عقود المعاوضات أو على متملكها في غير عقود المعاوضات؛ لأن العين ينتقل ملكها من مالكها الأول إلى الثاني، وهذا الانتقال يكون عن طريق القبض على اختلاف صوره وضوابطه.

ومع هذا كله فإن تعليل الجمهور النهي عن بيع المبيع قبل قبضه بخشية انفساخ العقد بالتلف قبل القبض غير متفق عليه، بل هو محل للنقل والاعتراض، فهذه العلة منقوضة بثلاثة أمور:

الأمر الأول: جواز إجازة المنافع المستأجرة على قول جمهور أهل العلم في الجملة(27).

الأمر الثاني: جواز تصرف المشتري في الثمر على رؤوس الشجر مع كونه مضمونًا على البائع، وإذ تلف الثمر أعاد البائع للمشتري ما دفعه؛ لأنه السنة قد جاءت بوضع الجوائح(28).

الأمر الثالث: أن جمهور أهل العلم يرون جواز بيع الدين لمن هو عليه(29).

وبالنظر إلى هذه الأمور الثلاثة يتضح أن تعليل النهي عن بيع المبيع قبل قبضه، وكذا ما قيس عليه من عقود المعاوضات، نرى أن التعليل بخشية انفساخ العقد بتلفها قبل القبض غير مسلم، مع أن لقائل أن يقول إن الأمر الثالث وهو جواز بيع الدين لمن هو عليه لا يصلح ناقضًا؛ لأن الدين في ذمة من هو عليه مستقر لا يتطرق إليه احتمال الانفساخ.

قال عبدالرحمن بن رجب (ت795هـ): «وكذلك التعليل بخشية انتقاض الملك بتلفه عند البائع يبطل بالثمر المشتري في رؤوس الشجر، وبإجارة المنافع المستأجرة، وببيع الدين ممن هو عليه؛ لأن البائع وفّى ما عليه بالتخلية والتمييز، فلم يبق له علقة في العقد»(30).

ومن المهم القول إن بعض الفقهاء يرى أن الملك التام هو الملك المستقر، فإن كان غير مستقر فهو ملك ناقص، كما هو مذهب الشافعية في القول الأظهر(31)، والحنابلة(32)، وبناء على هذا القول فإن الملك يعد تامًّا ولو لم يتمكن الإنسان من التصرف في المملوك.

الخلاصة أن جمهور أهل العلم يرون أن الملك غير المستقر هو الملك الذي يمكن انفساخ العقد فيه من غير إرادة المتعاقدين، أو يمكن فسخه بغير إرادة المالك، ويرى جمهور أهل العلم في الجملة أن الذي يمنع التصرف فيه هو ما كان فيه احتمال انفساخ العقد بتلف المعقود عليه قبل القبض، وأما إن كان احتمال انفساخ العقد؛ بسبب غير التلف سواء أكان من جهة أحد المتعاقدين، أم غيرهما؛ فإنه لا يمنع التصرف في العين سواء كان بالمعاوضة أو غيرها، وهذا ليس على سبيل الإجماع لكن على سبيل الإجماع لكن على سبيل العموم، قال محمد بن القيم (ت751هـ) رحمه الله في معرض ذكر أدلة من عمم النهي عن بيع المبيع قبل قبضه مطلقًا ومن خصص النهي في شيء دون شيء، قال: «قال المخصصون: قد جوزتم بيع الملك قبل قبضه في صور إحداها: بيع الميراث قبل قبض الوارث له... قال المعممون: الفرق بين هذه الصور وبين التصرف في المبيع قبل المبيع قبل قبضه... على أن المعاوضات فيها غير مجمع عليها، بل مختلف فيها(33)»(34).

المسألة الثانية: التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بالمعاوضة: عرفنا في المسألة السابقة المراد بما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه، وفي هذه المسألة أبين حكم المعاوضة عنه قبل قبضه، هذه المسألة اختلف العلماء رحمهم الله فيها.

ويمكن رد أقوالهم إلى قولين:

القول الأول: أن كل ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه تجوز المعاوضة قبل قبضه وإليه ذهب الظاهرية(35) إلا إذا كان قمحًا، والمالكية إن كان غير طعام(36)، والحنابلة إن كان المبيع لا يحتاج إلى حق توفيه(37)، واختار شيخ الإسلام جواز البيع مطلقًا(38).

أدلتهم:

الدليل الأول: قياس جواز المعاوضة عن ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه على جواز عتق العبد قبل قبضه، بل قد حكى بعض العلماء الاتفاق على الجواز، بجامع أن كلًّا منهما تصرف يزيل الملك(39).

نوقش: أن قياس المعاوضة على العتق قياس مع الفارق؛ لأن للعتق من السراية والنفوذ ما ليس لغيره(40).

الدليل الثاني: قياس جواز المعاوضة عمّا ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه على جواز إجارة العين المستأجرة قبل قبض المنافع(41).

نوقش: بأن هذا القياس لا يصلح لأمرين:

الأمر الأول: أن إجارة العين المستأجرة قبل قبض المنفعة ليس محل اتفاق بين الفقهاء.

الأمر الثاني: أنه على فرض صحة التسليم بجواز إجارة العين المستأجرة قبل المنفعة، فإن قبض العين المستأجرة يقوم مقام قبض المنفعة(42).

الدليل الثالث: أن من علل النهي عن بيع المبيع قبل قبضه ألا يربح المشتري فيما لم يدخل في ضمانه، وقد اتفق الفقهاء من المذاهب الأربعة على التعليل بهذه العلة(43)، وبناء عليه تجوز المعاوضة عن ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه؛ لأن الملك مفروض عندنا في سوى الملك بالبيع فلم يحصل ربح في المعاوضة عنه قبل قبضه، فليس بمنصوص ولا داخل تحت المنصوص(44).

الدليل الرابع: أن الراجح والله أعلم في علة النهي عن بيع المبيع قبل قبضه هي عدم استيلاء المشتري على المبيع استيلاء تامًّا؛ لأن علق البائع لم تنقطع عنه، فالبيع عرضة للانفساخ؛ لأن البائع ربما سعى في رد المبيع والتحايل في فسخة أو جحده إذا رأى المشتري قد ربح فيه(45)؛ وهذه العلة منتفية في مسألتنا هذه؛ لأن وسيلة ملكها وسببه وغير البيع، فتصح المعاوضة عنها قبل قبضها، قال ابن القيم رحمه الله: «فالمأخذ الصحيح في المسألة أن النهي معلل بعدم الاستيلاء، وعد انقطاع علاقة البائع عنه، فإنه يطمع في الفسخ والامتناع عن الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، ويغره الربح وتضيق عينه منه، وربما أفضى إلى التحايل على الفسخ ولو ظلمًا، وإلى الخصام والمعاداة، والواقع شاهد بهذا، فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة: منع المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه وينقطع عن البائع، وينفطم فلا يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض، وهذا من المصالح التي لا يهملها الشارع، حتى إن من لا خبرة له من التجارة بالشرع يتحرى ذلك ويقصده، لما في ظنه من المصلحة، وسد باب المفسدة»(46).

واستدل من قال بالجواز إلا في الطعام وما يحتاج إلى حق توفية بأدلة منها:

الدليل الأول: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه»(47).

الدليل الثاني: عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا بعت طعامًا فلا تبعه حتى تستوفيه»(48).

وجه الاستدلال: أن الحديثين السابقين جاء النهي فيهما عن بيع الطعام قبل قبضه، والطعام الأصل فيه الكيل والوزن؛ بناء عليه فإن كل مكيل وموزون لا يجوز بيعه قبل قبضه(49)، وقد ألحق الحنابلة به المعدود، والمذروع، والمباع برؤية، أو صفة متقدمة؛ لأنها تحتاج لحق توفية(50) فهي مثل الطعام، بناء عليه فكل ما ملك بغير البيع مما ينفسخ فيه العقد بتلفه قبل قبضه يجوز التصرف فيه بالمعاوضة إلا ما سبق فيقاس على ما ملك بالبيع.

نوقش: بأن استثناء الطعام، وما يحتاج إلى حق توفية لابد فيه من دليل خاص؛ لأن قياس ما ملك بغير البيع على ما ملك بالبيع قياس مع الفارق، وذلك لتخلف علة النهي عن بيع المبيع قبل قبضه فيما ملك بغير البيع(51).

الدليل الخامس: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: كنت على بكر صعب لعمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «بعنيه»، فقال: لك يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو لك يا عبدالله بن عمر فاصنع به ما شئت»(52).

الدليل السادس: عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فأراد أن يسيبه قال: فلحقني النبي صلى الله عليه وسلم فدعا لي وضربه فسار سيرًا لم يسر مثله، قال: «بعنيه بأوقية»، قلت: لا ثم قال: «بعنيه»، فبعته بأوقية، واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي فلما بلغت المدينة أتيته بالجمل فنقدني ثمنه ثم رجعت، فأرسل في أثري فقال: «أتراني ما كستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك فهو لك»(53).

وجه الاستدلال: من الحديثين السابقين: أن النبي صلى الله عليه وسلم تصرف في المبيع قبل قبضه بهبته لابن عمر في الحديث الأول ولجابر في الثاني فيقاس عليه جواز التصرف في المبيع إذا كان مملوكًا بغير البيع بجامع التصرف في كل، وهذا دليل على جواز التصرف في المبيع قبل قبضه إن لم يحتج لحق توفية(54).

نوقش: بعدم صحة القياس؛ لأنه قياس على مسألة مختلف فيها، وهي التصرف في المبيع قبل قبضه إن لم يحتج إلى حق توفية، ثم الاستدلال بالحديث لا يستقيم؛ لأنه استدلال في غير محل النزاع؛ لأن النزاع في التصرف بالمعاوضة، وهذا تصرف بالهبة، ثم التفريق بين ما يحتاج إلى حق توفية وغيره يحتاج إلى دليل(55).

القول الثاني: إن كل ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه لا تجوز المعاوضة عنه قبل قبضه وإليه ذهب الحنفية(56)، والمالكية إن كان طعامًا(57)، والشافعية مطلقًا(58)، والحنابلة إن احتاج إلى حق توفية(59)، والظاهرية إن كان قمحًا(60).

أدلتهم:

الدليل الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه»(61).

وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام المشتري حتى يستوفى، ويقاس عليه ما ملك بعقد معاوضة بجامع انفساخ العقد في كل بالتلف قبل القبض.

الدليل الثاني: أنه لا يجوز بيع ما ملك بعقد معاوضة قبل قبضه؛ لأنه غير مضمون على من هو له، بل هو من ضمان المعاوض بدليل أنه لو تلف قبل قبضه فإن العقد ينفسخ فيه(62)، ويبقى مقابله في ذمة الدافع له.

نوقش:

أولًا: بالتسليم أنه إذا تلف قبل القبض فإنه غير مضمون على من هو له.

ثانيًا: بالمنع أن تكون هذه العلة مؤثرة هنا؛ لأن حق من هو لا يضيع، ثم إن قضية الضمان تكون ذات أثر إذا كانت المعاوضة من أجل الربح، وهي هنا ليست من أجله، فلم تكن مؤثرة.

الدليل الثالث: أن بيع ما ملك بعقد معاوضة قبل قبضه من جنس بيع الغرر؛ لأن الملك لم يتم على المملوك، بل هو قبل قبضه عرضة للآفات شرعًا وكونًا(63).

نوقش: أن الغرر هنا غير مؤثر؛ لأن حق المعاوض لا يمكن أن يضيع فإذا تلفت العين فله بدلها، ثم إن هذه العلة منقوضة بالثمر على رؤوس الشجر فهو مضمون على بائعه، ومع ذلك يجوز له التصرف فيه بالمعاوضة عنه، وإذا تلف الثمر فإن من السنة أن يعيد البائع الثمن للمشتري، فغاية الأمر أن ينقض البيع ويدفع البائع للمشتري ما دفعه(64).

الدليل الرابع: أن ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه لا تجوز المعاوضة عنه قبل قبضه، وذلك لتوالي الضمان فيه حيث إن المملوك بعقد معاوضة قبل قبضه من ضمان مالكه الأول حتى يقبضه من انتقل إليه بعقد المعاوضة، فإذا باعه صار مضمونًا لمن اشتراه على البائع له(65)، قال النووي: «المضمون بعوض في عقد معاوضة لا يصح بيعه قبل قبضه، وذلك كالمبيع، والأجرة، والعوض المصالح عليه من المال، وعللوه بعلتين.

والثاني: توالي الضمانين، ومعناه: أن يكون مضمونًا في حالة واحدة لاثنين، وهذا مستحيل»(66).

نوقش: هذا التعليل من وجهين:

الوجه الأول: بالمنع أن يكون كل مبيع قبل قبضه من ضمان البائع، بل قد نص فقهاء المالكية(67)، والحنابلة(68) على أن ما لا يحتاج إلى حق توفية من ضمان المشتري بمجرد العقد، وعمم الظاهرية، فقالوا: إن المبيع من ضمان المشتري مطلقًا احتاج إلى حق توفية أم لم يحتج(69).

الوجه الثاني: أنه على فرض التسليم بصحة ما ذكرتم، وأنه قد توالى ضمانات هنا، فإنه لا محذور شرعًا من تواليها حتى يمنع من بيع ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه، فلو قدر أن المبيع اشتراه جماعة من واحد، وتبين أن المبيع مستحق، فإنه يرجع كل واحد منهم على من اشتراه منه(70).

قال ابن القيم: «وقد ذكر للمنع من بيع ما لم يقبض علتان:... الثانية: أن صحته تفضي إلى توالي الضمانين، وأما التعليل الثاني: فكذلك أيضًا، ولا تظهر فيه مناسبة تقتضي الحكم، فإن كون الشيء مضمونًا على الشخص بجهة، ومضمونًا له بجهة أخرى غير ممتنع شرعًا ولا عقلًا، ويكفي في رده أنه لا دليل على امتناعه، كيف وأنتم تجوزون للمستأجر إجارة ما استأجر والمنفعة مضمونة له على المؤجر وهي مضمونة عليه للمستأجر الثاني، وكذلك الثمار بعد بدو صلاحها إذا بيعت على أصولها، وهي مضمونة على البائع إذا احتاجت إلى سقي اتفاقًا، وإن تلفت بجائحة فهي مضمونة له وعليه»(71).

الدليل الخامس: أن ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه لا تجوز المعاوضة عنه قبل قبضه، وذلك لضعف الملك فيه لتعرضه للانفساخ بتلفه قبل القبض(72).

قال النووي: «النوع الثاني: المضمون بعوض في عقد معاوضة لا يصح بيعه قبل قبضه... وعللوه بعلتين، إحداهما: ضعف الملك لتعرضه للانفساخ بتلفه...»(73). قال محمد بن قدامة (ت620هـ): «لكن ما يتوهم فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه لم يجز بناءً آخرًا عليه، تحرزًا من الغرر، وما لا يتوهم فيه ذلك الغرر انتفى المانع؛ فجاز العقد عليه»(74).

نوقش:

أولًا: بعدم التسليم بأن ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه لا تجوز المعاوضة عنه؛ وذلك لأن الثمر على رؤوس النخل تجوز المعاوضة عنه، وهو غير مقبوض للمشتري إذ أنه من ضمان البائع.

ثانيًا: أن المعروف المطرف في علل الشريعة أن تكون ظاهرة بينة مطردة كثيرة، فلا يعلل بالأمر النادر القليل الوقوع؛ وإنما يعلل بالشيء الكثير، ولو نظرنا إلى هذه العلة لوجدناها قليلة الوقوع نادرة؛ فمتى يهلك المبيع في عمليات الشراء والبيع التي تملأ الأسواق.

ثالثًا: أن هذا الدليل مبني على أن على النهي عن بيع المبيع قبل قبضه هي ضعف الملك لتعرضه للانفساخ بتلفه قبل قبضه، وهذا غير مسلم، بل الراجح في علة النهي عن بيع المبيع قبل قبضه، هي عدم استيلاء المشتري على المبيع استيلاءً تامًّا؛ لأن علق البائع لم تنقطع عنه، وهذه العلة منتفية؛ لن وسيلة الملك هنا ليست البيع بل غيرها، وقد تقدم النقل عن ابن القيم رحمه الله(75).

الراجح:

والله أعلم بعد عرض الخلاف في هذه المسألة وذكر أقوال العلماء فيها، هو القول الأول، وأنه تجوز المعاوضة عن كل ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه، وذلك لما تقدم من أدلة تدل على جوازه، كما أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة حتى يقوم دليل يدل على المنع من المعاوضة، وليس ثم دليل قائم خال عن المعاوضة، خاصة وأن العلة في النهي عن بيع المبيع قبل قبضه لا يظهر وجودها في هذه المسألة، ومن المعلوم أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

المسألة الثالثة: التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بغير المعاوضة: وفيه ثلاثة أمور:

الأمر الأول: التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بالعتق: إذا ملك الإنسان عبدًا بعقد يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه ثم أعتق العبد؛ فهل يصح تصرفه أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: ذهب الأئمة الأربعة إلى جواز عتق العبد في كل عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل القبض ذهب إلى ذلك الحنفية(76)، والشافعية(77) في الأصح، والحنابلة(78)، بل قد نقل بعض أهل العلم الإجماع على جواز العتق(79).

أدلتهم:

الدليل الأول: قياس عتق العبد على جواز المعاوضة عن ما ملك بعقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه بجامع النقل في كل منهما(80).

يمكن أن يناقش بعدم صحة القياس؛ لأن الأصل المقيس عليه مختلف فيه.

الدليل الثاني: أن الشارع جعل للعتق من السراية والنفوذ ما لم يجعله لغيره فيصح عتق العبد قبل قبضه حتى لو قيل بعدم صحة المعاوضة عنه(81).

الدليل الثالث: أن من أهل العلم من أجاز عتق العبد قبل القبض بالإجماع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ولو أعتق العبد المبيع قبل القبض فقد صح إجماعًا»(82).

الدليل الرابع: أنه يجوز عتق العبد قبل قبضه؛ لأن المانع من صحة التصرفات عدم القبض وهو بهذا التصرف يصير قابضًا(83).

الدليل الخامس: أنه يجوز عتق العبد قبل قبضه؛ لأن جوازه يعتمد على ملك رقبة العبد فقط، وقد وجد، بخلاف البيع فإن صحته تحتاج إلى أمرين: ملك الرقبة واليد جميعًا(84).

الدليل السادس: أن العلة على رأي الجمهور في المنع من بيع المبيع قبل قبضه هي غرر انفساخ العقد بتلف المعقود عليه قبل قبضه، وهذه العلة غير موجودة هنا؛ لعدم الانفساخ بتلف المعقود عليه(85).

القول الثاني: أنه لا يجوز التصرف بعتق العبد في كل عباد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه، وإليه ذهب الشافعية في وجه(86)، وفي وجه آخر إن كان للبائع حق الحبس لم يصح، وإن لم يكن له حق الحبس صح(87).

أدلتهم:

الدليل الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه»(88).

وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المبيع قبل قبضه مطلقًا، ويقاس عليه العتق بجامع التصرف في كل(89)، وبجامع التصرف الذي يزيل الملك أيضًا.

ويمكن أن يناقش من وجهين:

الوجه الأول: أن هناك فرقًا بين البيع والعتق، فالبيع يقصد به الربح في الأصل، وهو الذي تتفق عليه علل المعللين بالمنع من التصرف قبل القبض، وأما العتق فالمقصود به طلب الثواب وتحقيق مقصد من مقاصد الشارع، وهو إعتاق النفوس.

الوجه الثاني: أن هناك فرقًا وهو أن الحديث يدل على أن سبب ملك ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم هو البيع، ومسألتنا مفروضة فيما ملك بغير عقد البيع.

الدليل الثاني: أن التصرف في العبد المملوك بعقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه غرر؛ لأن المملوك قبل قبضه عرضة للآفات شرعًا وقدرًا(90).

يناقش:

أولًا: بأن الغرر هنا غير مؤثر؛ لأن العبد سيعتق ويزول الملك عنه بالكلية، فلا أثر للغر بخلاف البيع لو سلمنا ذلك.

ثانيًا: أن من علل النهي بالغرر علته غير مسلمة هنا؛ لأن المنع من أجل غرر الانفساخ والتصرف بالعتق لا يحتمل الانفساخ(91).

الراجح:

والله تعالى أعلم هو القول الأول، وأنه يجوز التصرف فيما ملك بعقد ينفسخ بتلف المعقود عليه قبل قبضه، ومن أقوى ما استند عليه أصحاب القول الأول حكاية الإجماع التي نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ثم إن للشارع تشوفًا إلى عتق الرقاب، فإذا لم يُعارض هذا المقصد العظيم بدليل قوي ظاهر فإنه يعمل بمقتضاه.

الأمر الثاني: التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بالرهن، إذا ملك الإنسان عنيًا وقبل قبضها جعلها رهنًا لدين في ذمته لشخص آخر فهل تصرفه هذا صحيح أم لا؟ اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: إنه يجوز التصرف برهن العين المملوكة قبل قبضها في كل عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه، وإليه ذهب محمد بن الحسن من الحنفية(92)، والمالكية إن لم يكن طعام معاوضة(93)، والشافعية في القول خلاف الأصح(94)، والحنابلة في أحد الوجهين، وقيد بعض الحنابلة الجواز بما إذا قبض الثمن، ويرى آخرون جواز الرهن على غير ثمنه(95)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية(96) رحمه الله.

أدلتهم:

الدليل الأول: إن علة النهي عن بيع المبيع قبل قبضه التي يقاس عليها سائر التصرفات، هي غرر انفساخ العقد بتلف المعقود عليه قبل قبضه، وهذه العلة منتفية هنا؛ لأن العقد لا ينفسخ بتلف المعقود عليه.

الدليل الثاني: قالوا إن صحة هذا العقد وغيره بالقبض، فإذا رهن العين قبل قبضها فقد أمر المرتهن بالقبض نيابة عنه، وإذا نابه منابه صار بمنزلة الوكيل له، فيعتبر قبضه أولًا بطريق النيابة، ثم ثانيًا لنفسه بطريق الأصالة، وهو بخلاف ما ملك بالبيع، فإنه يملك بالعقد قبل القبض(97).

الدليل الثالث: إن رهن العين المملوكة بغير البيع قبل قبضها جائز؛ لأن العلة في المع من بيع المبيع قبل قبضه هي توالي الضمانين، وهي منتفية في هذه الصورة؛ لأن العين مضمونة على مالكها، ويد المرتهن يد أمانة فلا توالي للضمان(98).

الدليل الرابع: أن قياس الرهن وغيره مما ملك بغير البيع على ما ملك بالبيع قياس مع الفارق؛ لأن ما ملك بالبيع منصوص عليه، وهذه العقود غير منصوص عليها، ولا داخلة تحت المنصوص، فكيف تقاس على غيرها.

الدليل الخامس: أنه يجوز رهن العين المملوكة بغير البيع قبل قبضها؛ لأنه يجوز رهنها على عوضها، فجاز على غيره(99).

القول الثاني: أنه لا يجوز التصرف برهن العين قبل قبضها في كل عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه وإليه ذهب الحنفية(100)، والمالكية إن كان طعام معاوضة (101)، والشافعية في القول الأصح(102)، وهو المذهب عند الحنابلة(103).

أدلتهم:

الدليل الأول: قياس عقد الرهن على البيع بجامع تمليك المال في كلٍّ(104)، فإن العين المرهونة تؤول إلى أن تكون مملوكة للمرتهن، أو مملوكًا له ثمنها.

يناقش:

أولًا: بالمنع أن يكون عقد الرهن يقتضي التمليك في الحال، بل عقد الرهن وثيقة يقصد به التوثق والاطمئنان، فإن لم يحصل الوفاء بيعت العين المرهونة واستوفي من ثمنها.

ثانيًا: إن هناك فرقًا بين البيع، والرهن فلا يمكن قياس أحدهما على الآخر، فإن الرهن إن قيل أنه يقتضي التمليك في الحال، فإنه تمليك بدون عوض بخلاف البيع فإنه تمليك بعوض.

الدليل الثاني: إن جواز التصرف في الأعيان منبنٍ على الملك المطلق، وهو ملك الرقبة واليد جميعًا حتى يحصل الأمن من غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، وهذا الشرط منتفِ هنا فلم يجز التصرف(105).

ويمكن أن يناقش:

أولًا: إن هناك فرقًا بين البيع والرهن، وبين العقود بعضها مع بعض، فعقد الرهن لا يقصد به الربح حتى نمنع منه لغرر الانفساخ، بل المقصود به الاستيثاق والتوثق، وهذا حاصل حتى مع الغرر؛ لأن المرتهن قد أقدم على هذا العقد مع علمه، ولا ضرر عليه لو فقد وسيل الاستيثاق.

ثانيًا: إن تعليل النهي عن التصرف في المبيع قبل قبضه بغرر الانفساخ غير مسلم، بل علة النهي عل أخرى غير ذلك، وهي كما تقدم عدم استيلاء المشتري على المبيع استيلاء تامًّا(106).

الدليل الثالث: إن التصرف في العين المملوكة قبل قبضها في كل عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه، التصرف فيه بالرهن لا يصح، وذلك لضعف الملك فيه(107).

ويمكن أن يناقش: بالوجه الثاني مما نوقش به الدليل الثاني.

الدليل الرابع: إن رهن العين المملوكة قبل قبضها لا يجوز؛ لأنه لا يجوز بيعها وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه(108).

يناقش:

أولًا: بالمنع من عدم صحة المعاوضة، فقد تقدم أنه تصح المعاوضة عن كل عين مملوكة بغير البيع قبل قبضها.

ثانيًا: التسليم بصحة القول أن كل ما صح بيعه صح رهن وما لا فلا، لكن هناك فرق بين البيع والرهن على القول بعدم صحة البيع؛ لأن الرهن على تقدير انفساخ العقد بتلف العين المرهونة لا يفوت معه حق المرتهن بل حقه ثابت في ذمة الراهن.

الراجح:

والله أعلم هو القول الأول وأنه يصح رهن العين المملوكة بغير البيع قبل قبضها في كل عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه؛ وذلك لسلامة أدلة أصحاب القول الأول وخلوها من المناقشة، وضعف أدلة أصحاب القول الثاني، ولأن القول الأول معضود بالأصل في المعاملات وهو الحل والإباحة، ولأن النهي إنما جاء في البيع وإلحاق الرهن به يحتاج إلى دليل يدل على هذا الإلحاق.

الأمر الثالث: التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بالتبرع به: إذا ملك الإنسان عينًا وتبرع بها بوقفها، أو هبتها، أو الصدقة بها قبل قبضها، وكان قد ملكها بعقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه، فهل يصرح تصرفه أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين هما:

القول الأول: أنه يجوز التبرع بالعين المملوكة بغير البيع قبل قبضها في عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه، وإليه ذهب محمد بن الحسن (ت189هـ) من الحنفية(109)، والمالكية(110)، الشافعية في وجه خلاف الأصح(111)، والحنابلة في وجه(112)، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية(113).

أدلتهم:

الدليل الأول: قياس التبرع بالعين المملوكة قبل قبضها على التبرع بما  ملك بالبيع قبل قبضه كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني، فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم عمر ويرده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: «بعنيه»، قال: «هو لك يا رسول الله»، قال: «بعنيه» فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو لك يا عبدالله بن عمر فاصنع به ما شئت»(114).

نوقش: بالمنع من عدم قبض النبي صلى الله عليه وسلم بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبضه؛ لأن قبض البعير بالتخلية بين البعير وبينه مع التعيين والتمييز، وهذا يحصل به القبض(115).

الدليل الثاني: قياس التبرع بالعين المملوكة بغير البيع قبل قبضها على جواز بيعها، وقد تقدمت أدلة جواز بيعها(116).

الدليل الثالث: قياس التبرع بالعين المملوكة بغير البيع قبل قبضها على العتق بجامع عدم العوض في كلٍّ(117).

الدليل الرابع: أنه يجوز التبرع بالطعام قبل قبضه؛ لأنه ليس من عقود  المعاوضة، فلا يتصور فيه معنى العينة التي منع من أجلها بيع الطعام قبل قبضه(118).

يمكن أن يناقش: بأن هذا جارٍ على أن العلة من منع بيع المبيع قبل قبضه هي حصول معنى العينة، وهذا غير مسلم، لما تقدم من بيان العلة الراجحة في النهي عن بيع ما لم يقبض(119).

الدليل الخامس: إن صحة عقود التبرعات متوقف على قبضها، فإذا أمر المتبرع له بالقبض؛ فقد أنابه مناب نفسه، فصار بمنزلة الوكيل فيقبض بأمره له أولًا، ويقبض لنفسه ثانيًا(120).

الدليل السادس: إن من علل النهي عن بيع المبيع قبل قبضه ألا يربح البائع فيما لم يدخل في ضمانه، وهذا منتفٍ في عقود التبرعات؛ لأنه ليس المقصود منها الربح بل المقصود نفع المتبرع له(121).

الدليل السابع: إن التبرع بالعين المملوكة بغير البيع قبل قبضها لا يترتب عليه ضرر؛ لأن التبرع بها وقع على وجه الرفق وعري عن المغابنة والمكايسة فكان جائزًا(122).

ويمكن أن يستدل أيضًا بأدلة جواز بيع العين المملوكة بغير البيع، وكذا أدلة القول بجواز رهنها، وقد تقدم ذكرها.

القول الثاني: إنه لا يجوز التبرع بالعين المملوكة بغير البيع قبل قبضها في عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه، وإليه ذهب الحنفية(123)، والشافعية في الوجه الأصح(124)، وهو المذهب عند الحنابلة(125).

أدلتهم:

استدلوا بأدلة من قال بمنع المعاوضة عن العين المملوكة بغير البيع قبل قبضها فيما يخشى انفساخ العقد بتلف المعقود عليه قبل القبض، وكذا أدلة من منع التصرف فيه بالعتق، والرهن، ونوقشت بما نوقشت به تلك الأدلة(126).

والراجح:

والله أعلم هو القول الأول، وأنه يجوز التبرع بالعين المملوكة بغير البيع قبل قبضها؛ وذلك لعدم الدليل المانع من الصحة، وللأصل الثابت المطرد وهو صحة وحل جميع المعاملات المالية إلا إذا طرأ مانع التحريم على أصل الصحة، ثم إن علل المعللين بمنع بيع المبيع قبل قبضه لا تنطبق على هذه المسألة، قال ابن القيم عن التبرع بالعين: «ونحن لنا في مثل هذا التصرف قبل القبض خلاف، فمن أصحابنا من يجوزه، ونفرق بين التصرف فيه بالبيع والتصرف بالهبة، ونلحق بالعتق، ونقول هي إخراج عن ملكه لا تتوالى فيه ضمانات، ولا يكون التصرف بها عرضة لربح ما لم يضمن»(127).

الفرع الثاني: التصرف فيما لا يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه:

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: التصرف في ما لا يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بالمعاوضة: تقدم في الفرع الأول الكلام على التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه، وفي هذا الفرع أتكلم عن حكم التصرف في ما لا يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه من الأعيان، ويمثل له الفقهاء بالمهر، وكذا بدل الخلع، والصلح عن دم العمد، وعن قيمة المتلف، وأرش الجناية، والفقهاء يذكرون حكمًا واحدًا لها ولا يفرقون في الحكم بينها في الجملة، وهذه المسألة اختلف العلماء فيها على قولين:

القول الأول: جواز التصرف فيما لا يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بالمعاوضة سواء أكان معينًا أم مما يحتاج إلى حق توفيه وإليه ذهب الحنفية(128)، والمالكية إن لم يكن طعام معاوضة(129)، والشافعية في قول(130)، وهو قول عند الحنابلة(131)، جزم به ابن قدامة في المغني(132)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله(133).

أدلتهم:

الدليل الأول: إن السبب المبيح للتصرف هو الملك، وقد وجد في هذه الصور فتباح(134) المعاوضة عنها.

الدليل الثاني: إن علة المنع من التصرف في المبيع قبل قبضه هي غرر الانفساخ بتلف المعقود عليه قبل قبضه، وهذه العلة غير موجودة فجاز بناء عقد آخر عليه(135).

الدليل الثالث: إن من العلل التي علل بها من منع من بيع المبيع قبل قبضه، هي ألا يربح في ما لم يدخل في ضمانه، وهذه العلة غير موجودة هنا(136).

واستدلوا أيضًا بأدلة من قال بجواز المعاوضة عن ما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه، وقد تقدمت(137).

القول الثاني: إنه لا يجوز التصرف في ما لا يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بالمعاوضة، وإليه ذهب المالكية إن كان طعامًا(138)، والشافعية في قول هو المذهب سواء كانت المعاوضة مع مالكه الأول أو غيره(139)، وهو المذهب عند الحنابلة(140).

أدلتهم:

الدليل الأول: قياس التصرف بالعين المملوكة بعقد لا يخشى انفساخه بتلفه قبل قبضه على ما ملك بعقد يخشى انفساخه بتلفه قبل قبضه، بجامع أن كلًّا منهما مملوك بعقد معاوضة، فلا يصحان للنهي عن بيع المبيع قبل قبضه(141).

يناقش: بأن القياس هنا قياس غير صحيح؛ لأنه قياس على مسألة مختلف فيها، وهي بيع المبيع قبل قبضه.

الدليل الثاني: قالوا: إنه لا يجوز التصرف بالمهر قبل الدخول؛ لأنه يخشى رجوعه بانتقاض سببه بالردة قبل الدخول، وكذلك يخشى عليه الانفساخ بسبب من جهة المرأة، أو تنصفه بالطلاق، أو انفساخه بسبب من غير جهتها(142).

نوقش: بأن هذا الدليل منقوض بأن قبض المهر لا يمنع الرجوع فيه قبل الدخول، فلو فورقت المرأة بسبب من قِبلها بعد قبض المهر وقبل الدخول رجع الزوج عليها بنصفه(143).

واستدلوا أيضًا: إضافة على ما ذكر بأدلة منع المعاوضة عن الأعيان المملوكة بغير البيع في عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه، ونوقشت أدلتهم بما نوقشت به هناك(144).

الراجح:

والله أعلم بعد عرض الخلاف في هذه المسألة وأدلة كل قول هو القول
الأول، وأنه يجوز التصرف فيما لا يخشَ انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بالمعاوضة، وذلك لقوة ما اعتضد به هذا القول من دليل، ولأن غرر الانفساخ متوهم وبعيد جدًّا فلا تمنع معاملة مالية الأصل صحتها لمعنى موهوم ثم على فرض إمكانية الهلاك والانفساخ فإنه يرد الثمن على صاحبه.

المسألة الثانية: التصرف في ما لا يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بغير المعاوضة: إذا ملك الإنسان شيئًا بعقد معاوضة غير البيع وأراد أن يتصرف فيه بغيره المعاوضة بهبته، أو رهنه، أو عتقه، أو غير ذلك، فهل يجوز له ذلك أم لا؟

هذه المسألة اختلف العلماء فيها، وخلافهم فيها كخلافهم في التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بغير المعاوضة(145)، والراجح هنا كالراجح هناك؛ بل الجواز هنا أولى؛ لأنه إذا جاز التصرف مع إمكانية انفساخ العقد، فلن يجوز مع عدم إمكانية الانفساخ من باب أولى.

 

 

 

المطلب الثاني:

التصرف في الأعيان المملوكة بعقود غير المعاوضات قبل قبضها

وفيه ثلاثة فروع:

الفرع الأول: التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في عقد القرض:

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: وقت ملكية الفرض: إذا أقرض شخص شخصًا ما يصح قرضه وحصل الإيجاب والقبول بينهما تم العقد، لكن متى تصبح العين المقرضة ملكًا للمقترض يتصرف فيها كيف شاء، هذه المسألة اختلف العلماء فيها على قولين:

القول الأول: أن المقترض يملك القرض بالقبض، وإليه ذهب الحنفية(146)، والشافعية، وعندهم قول أنه يقبض بالتصرف(147)، وهو المذهب عند الحنابلة(148) رواية واحدة.

أدلتهم:

الدليل الأول: إن التصرف في القرض يتوقف على قبضه، فدل على أن الملك يتوقف عليه(149).

الدليل الثاني: إن من أمارات وعلامات الملك أن من بيده العين يتصرف فيها بيعًا، وهبة، وشراء، وصدقة، وغير ذلك، إذًّا فلا ملك إلا بالقبض(150).

الدليل الثالث: قياس عقد القرض على الهبة بل هو أولى؛ لأن القرض له عوض، والهبة لا عوض لها(151).

نوقش: بأن قياس القرض على الهبة قياس على مسألة مختلف فيها، فلا يصح القياس.

الدليل الرابع: إن اشتراط القبض للملك هو الذي يدل عليه المعنى اللغوي لكلمة القرض، فإنه في اللغة: القطع، فيدل على انقطاع ملك المقرض بالتسليم(152).

القول الثاني: إن المقترض يملك القرض بالعقد، وإليه ذهب المالكية(153)، والظاهرية(154).

أدلتهم:

الدليل الأول: إن القرض يملك بالعقد قياسًا على الهبة، والصدقة(155).

يناقش: بأن قياس القرض على الهبة قياس غير صحيح؛ لأن الأصل المقيس عليه مختلف فيه.

الدليل الثاني: إن كل معروف فإنه يملك بالعقد، ومنه القرض(156).

يناقش: بأن حاصل هذا الدليل قياس القرض على الهبة، وهو قياس غير صحيح، كما تقدم.

الراجح:

والله أعلم هو القول الأول، وأن عقد القرض لا يملك إلا بالقبض؛ لأن الأصل في مال المكلف أنه لا ينتقل من ملك من هو له إلا بالقبض، وتحقق استلام العاقد له حتى تثبت يده عليه.

المسألة الثانية: التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في عقد القرض: تقدم في المسألة الأولى ذكر خلاف أهل العلم رحمهم الله تعالى في وقت ملكية القرض، وتقدم أن الراجح من أقوال أهل العلم أن القرض لا يملك إلا بالقبض، أما حكم التصرف في الأعيان فإنه منبنٍ على الخلاف السابق، فمن رأى أن العين المقرضة لا تملك إلا بالقبض، وهم الحنفية، والشافعية، والحنابلة، رأوا أنه لا يصح التصرف في القرض إلا بالقبض؛ لأنه ليس للإنسان أن يتصرف إلا في ملكه، والعين المقرضة قبل قبضها ملك للمقرض، أما على مذهب المالكية، والظاهرية، فإن للمقترض أن يتصرف بالقرض قبل قبضه؛ لأنه ملك له بالعقد فهو يتصرف في ملكه.

قال أحمد النفراوي (ت1125هـ): «ولا بأس ببيع طعام القرض قبل أن يستوفى... والمعنى أنه يجوز لمن اقترض طعامًا من شخص... أن يبيعه قبل قبضه من مقرضه»(157).

ومثل القرض الصدقة، فإن حكمها حكم القرض، فهي لا تملك إلا بالقبض(158)، وأما على مذهب المالكية فتقبض بمجرد العقد؛ لأنها من المعروف(159).

والذي يظهر للباحث رجحانه هو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله.

الفرع الثاني: التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في عقد الهبة:

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: وقت ملك الهبة: إذا وهب شخص لشخص آخر هبة فهل تكون ملكًا للموهوب له من العقد أم لابد من قبضها حتى تصبح ملكًا له؟ اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: أن الهبة لا تملك إلا بالقبض، وإليه ذهب جمهور الفقهاء الحنفية(160)، والشافعية(161)، وهو المذهب عند الحنابلة(162).

أدلتهم:

الدليل الأول: إن أبا بكر الصديق نحل ابنته عائشة رضي الله عنها جذاذ عشرين وسقًا من ماله بالعالية، فلما مرض قال: «يا بنية ما أحد أحب إلى غنى بعدي منك، ولا أحد أعز علي فقرًا منك، وكنت نحلتك جذاذ عشرين وسقًا وودت أنك حزتيه أو قبضتيه، وهو اليوم مال الوارث، فاقتسموا على كتاب الله»(163).

وجه الاستدلال: إن عائشة رضي الله عنها لم تقبض الهبة حتى نزل بأبيها ولو قبضته قبل لكان ملكًا لها فدل على أن الهبة لا تملك إلا بالقبض(164).

نوقش من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: إن عائشة تراخت في قبضه حتى مرض أبوها فسقط حقها، ولو بادرت بأخذه لكان لها.

رد: بأن حق الإنسان الثابت له لا يسقط بالتراخي في قبضه؛ لأنه ملك له، وإذا قيل بملكية الهبة بمجرد العقد ما سقط حق عائشة رضي الله عنها.

الوجه الثاني: أنه قد جاء في بعض ألفاظ الأثر، أن أبا بكر قال: «وإني أخاف أكون آثرتك على ولدي»، فيكون المانع لأبي بكر هو خوف عدم العدل.

رد: بأنه لا يمنع أن يكون سبب الرد أمرين مختلفين، فهو بين أنها لو حازته لكان لها، ثم أيد رجوعه بأنه يخشى عدم العدل.

الوجه الثالث: وقيل: لأنها كانت مجهولة، فلم ينفذها أبو بكر، وذلك قياسًا على البيع(165).

رد: أنه قياس مع الفارق؛ لأن الهبة تبرع، والبيع عقد معاوضة، فيجوز في التبرع ما لا يجوز في المعاوضة(166).

الدليل الثاني: ما روي عن عمر أنه قال: «ما بال أقوام ينحلون أولادهم، فإذا مات الابن قال: مالي وفي يدي، وإذا مات الأب، قال الأب: مالي كنت حلت ابني إلى كذا وكذا، ألا لا يحل إلا لمن حازه وقبضه»(167).

وجه الاستدلال من الأثر: أن عمر حكم بأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض.

الدليل الثالث: أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أن الهبة لا تملك إلا بالقبض، قال ابن قدامة: «ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن ما قلناه مروي عن أبي بكر وعمر، ولم يعرف لهما في الصحابة مخالف»(168).

الدليل الرابع: عن أم كلثوم بنت أبي سلمة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إلى النجاشي ثلاثين أوقية مسكًا، ثم قال لأم سلمة: «إني لأرى النجاشي قد مات، ولا أرى الهدية التي قد أهديت إليه إلا سترد، فإذا ردت إلي فهي لك، فكان ذلك»(169).

وجه الاستدلال: أنه لو كانت الهدية التي لها حكم الهبة تملك بالعقد، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم إنها سترد.

الدليل الخامس: قياس عقد الهبة على عقد القرض في عدم الملك إلا بالقبض، بجامع أن كلًّا منهما عقد إرفاق(170).

يناقش: بأن هذا قياس غير صحيح؛ لأنه قياس على أصل مختلف فيه.

الدليل السادس: أن عقد الهبة عقد إرفاق يفتقر إلى القبول فلزم أن يفتقر إلى القبض، كالقرض(171).

يناقش: بما نوقش به الدليل السابق.

القول الثاني: إن الهبة تملك بالعقد، وإليه ذهب المالكية(172)، والحنابلة في رواية(173)، والظاهرية(174).

أدلتهم:

الدليل الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه»(175).

وجه الاستدلال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق في العود في الهبة بين ما قبض وما لم يقبض.

نوقش الاستدلال بالحديث: بأن الحديث وارد في الهبة المقبوضة دون غيرها؛ لأنها هي التي يصدق عليها حقيقة العود القبيح المنهي عنه(176).

الدليل الثاني: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل من الأنصار بكبة شعر أخذها من المغنم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ما كان لي، فهو لك»(177).

وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم وهب الرجل نصيبه من الكبة، وهو لا يعلم قدرها مما يدل على أن الهبة تملك بالعقد.

نوقش: بأن الهبة من عقود التبرعات فلا ضرر ولا غرر في تعليقها بالموجود، والمعدوم، والمجهول وغيره(178).

الدليل الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: «إن ردت إلي، فهي لك، فكان كذلك»(179).

وجه الاستدلال: أن القبض ليس شرطًا لملك الهبة، ولذا عقلها النبي صلى الله عليه وسلم على أمر مستقبل، مما يدل على ملكية الهبة بالعقد.

يناقش: بأن هناك فرقًا بين الانعقاد واللزوم، فعقد الهبة ينعقد بعقده لكن لا يصبح لازمًا إلا بالقبض.

الدليل الرابع: أن الهبة إزالة ملك واقعة بلا عوض، فلزمت بمجرد العقد، كالوقف والعتق(180).

الدليل الخامس: أن الهبة عقد تبرع، فلا يعتبر فيه القبض كالوصية، والوقف ونحوهما(181).

نوقش الدليلان: بأن القياس على الوقف والعتق لا يصح؛ لأنهما إخراج ملك الله تعالى، فخالفت التمليكات، ولأن الوصية تلزم في حق الوارث فخالفت الهبة، وكذلك العتق ليست الهبة مثله؛ لأنه إسقاط حق، وهي تمليك فلا قياس(182).

الدليل الخامس: إن الأصل في العقود عدم اشتراط القبض لصحتها حتى يقوم دليل يدل على اشتراطه وهو هنا كذلك(183).

يناقش: بأن الدليل قد قام على شرطية القبض كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول.

الراجح:

والله تعالى أعلم هو القول الأول، وأن الهبة لا تملك ولا تصبح لازمة إلا بالقبض، وذلك لقوة أدلة أصحاب القول، وكونها تعتضد بالأصل وهو بقاء ملك الإنسان على ما بيده حتى ينتقل بذاته إلى الغير.

المسألة الثانية: التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في عقد الهبة: تقدم في المسألة الأولى حكاية خلاف العلماء رحمهم الله في وقت ملكية القرض، وتقدم بيان أدلة كل قول، والراجح منها، وليعلم أن هذه المسألة ينبني حكمها على المسألة السابقة، فعلى رأي الجمهور القائلين بأن الهبة لا تملك إلا بالقبض فليس لمن وهبت له عين أن يتصف فيها قبل قبضها بمعاوضة، أو غيرها حتى يقبضها؛ لأنها ليست ملكًا له، والإنسان ليس له أن يتصرف في غير المملوك له، إذ من شرط صحة تصرفه ملك العين التي يتصرف فيها.

وأما على مذهب المالكية، والظاهرية، فإنه يجوز أن يتصرف في العين الموهوبة قبل قبضها؛ لأنهم يرون أن تملك بالعقد، فإذا قبلها أصبحت ملكًا له يتصرف فيها كيف شاء، والأقرب والله أعلم هو القول الأول، أما إذا قبضها فإنه يتصرف فيها كيف شاء؛ لأنها أصبحت ملكًا له، قال محمد بن عبدالله الخرشي (1101هـ): «إن الهبة إذا أعتقها الموهوب له، أو باعها قبل قبضها، أو وهبها؛ فإنها تكون ماضية ويعد فعله ذلك حوزًا لها إذا أشهد ذلك وأعلن بما فعله»(184).

 

 

 

الفرع الثالث: التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في عقد الوصية:

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: وقت ملك الوصية: إذا أوصى شخص لآخر بعين من الأعيان، فهل للموصى له أن يتصرف فيها قبل قبضها أم ليس له ذلك؟

هذه المسألة مبنية على وقت ملك الموصى له للعين الموصى بها، هل يملكها بالقبول بعد الموت أم أنها تدخل ملكه منحين الموت أم ماذا؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن الوصية لا تملك إلا بالقبول بعد موت الموصي، وإليه ذهب الحنفية(185)، والمالكية(186)، والشافعية في قول منصوص(187)، وهو المذهب عند الحنابلة(188).

أدلتهم:

الدليل الأول: إن الوصية إثبات ملك جديد بدليل أن الموصى له لا يرد بالعيب، والملك الجديد لا يثبت إلا بالقبول، ولهذا لا يملك أحد إثبات الملك لغيره إلا بقبوله(189).

الدليل الثاني: إن أوان ثبوت حكم الوصية بعد الموت؛ لأن القبول متعلق بالموت فلا يعتبر القبول قبل الموت كما لا يعتبر قبل العقد(190).

الدليل الثالث: ولأن الموصي في حال حياته له الرجوع في الوصية ما دام حيًّا، فلم يجب للموصى له حق فيعتبر قبوله(191).

الدليل الرابع: قياس الوصية على الهبة حال الحياة فإنها لا تملك إلا بالقبول، فلا تملك الوصية إلا بالقبول بعد موت الموصي(192).

يمكن أن يناقش: بأن هذا التعليل متمشٍ على قول المالكية أن الهبة لا تملك إلا بالقبول، وقد تقدم أن الراجح أنها لا تملك إلا بالقبض(193).

الدليل الخامس: إن القبول لا يخلو إما أن يكون شرطًا وإما جزءًا من السبب والحكم لا يتقدم سببه ولا شرطه(194).

الدليل السادس: قالوا: ولأن الملك في الماضي لا يجوز تعليقه بشرط مستقبل(195).

القول الثاني: إن الوصية تملك بموت الموصي، وإليه ذهب المالكية في قول(196)، والشافعية في قول أيضًا(197)، والحنابلة في احتمال وقيل قول(198).

دليلهم:

قياس الوصية على الميراث؛ لأن الوصية أخت الميراث، فتدخل في ملك الموصى له بغير اختيار، ووجه كونها أخت الميراث لأنها خلافة في المال المنتقل(199).

نوقش: بأن قياس الوصية على الميراث قياس مع الفارق؛ لأن الميراث عطية من الله فلم يشترط فيه القبول، والوصية عطية من المخلوق، فاشترط فيها القبول(100).

القول الثالث: أن الملك في الوصية مراعى، فإذا قبل الموصى له بعد موت الموصي ثبت له من حين الموت وإلا فهو للوارث، وإليه ذهب الشافعية في قول منصوص(201)، صححه علي الماوردي (ت450هـ)(202)، والحنابلة في رواية(203).

دليلهم:

إنه لما كان الوارث لا يملك الإرث في هذه العين، والميت ممتنع أن يبقى له ملك، اقتضى أن يكون الملك موقوفًا على قبول الموصى له ورده، وحق الموصى له في القبول باق ما لم يعلم قبوله أو رده(204).

نوقش: بالمنع أن الملك لا يثبت للوارق، فإن الملك ينتقل إلى الوارث بحكم الأصل إلا أن يمنع منه مانع، ويمنع أيضًا أن يكون الميت لم يبق له ملك فإنه يبقى له ملك فيما يحتاج إليه من مؤونة، وتجهيز، ودفن، وقضاء دين، وغيرها(205).

الراجح:

والله أعلم هو القول الأول، وهو أن الوصية لا تملك إلا بالقبول بعد الموت، وأن حق الموصى له لا يثبت إلا بعد قبوله؛ لأنه قبل القبول ليس له حق في العين لكونها باقية في ملك صاحبها وبعد موته منتقلة إلى ورثته فإن قبل انتقل الملك إليه.

المسألة الثانية: التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في عقد الوصية: لا شك أن الموصى له إذا قبض الوصية فإن له التصرف فيها بما شاء بلا خلاف؛ لأنها ملك كسائر أملاكه، وكذلك إذا قبل الوصية بعد موت الموصي فهي ملك له بالقبول يتصرف فيها بما شاء من بيع، وهبة، وصدقة، ووصية وغيرها، لكن هل له أن يتصرف فيها قبل القبول أم لا؟

هذه المسألة ينبني حكمها على المسألة السابقة، وهي وقت ملك الوصية، فإن قلنا: إنها تملك بالقبول كما هو القول الأول والثالث، فإنه لا يصح له التصرف في الوصية قبل قبضها، وإن قلنا: إنها تملك بموت الموصي فإن للموصى له أن يتصرف فيها قبل القبول؛ لأنها تدخل في ملكه بموت الموصي، وقد تقدم من قبل أن الراجح من أقوال أهل العلم هو القول الأول، وأنها لا تملك إلا بالقبول بعد موت الموصي، وبناء عليه فلا يصح تصرف الموصى له قبل القبول بعد موت الموصي.

قال عبدالله بن عبدالرحمن داماد أفندي (ت1078هـ)، في الكلام على الوصية بالمبيع قبل قبضه: «وأما الوصية به قبل القبض فصحيحة اتفاقًا»(206).

وهذا في شيء ملك على سبيل المعاوضة فما ملك على سبيل التبرع فمن باب أولى.

قال ابن رجب: «النوع الثاني: عقود يثبت بها الملك من غير عوض كالوصية، فأما الوصية فيجوز التصرف فيها بعد ثبوت الملك وقبل القبض باتفاق من الأصحاب فيما نعلمه»(207).

 

 

 

المبحث الثاني:

التصرف في الأعيان المملوكة بغير العقود قبل قبضها

وفيه مطلبان:

المطلب الأول:

التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في استحقاق أموال الوقف

وفيه فرعان:

الفرع الأول: ملك الوقف ولزومه:

إذا ملك الإنسان عينًا بغير عقد مثل أن يملكها بميراث، أو استحقاق من أموال الوقف، أو غيرها، فهل يملك التصرف فيها بمعاوضة أو تبرع أو غيرهما؟ لكن قبل ذلك في استحقاق أموال الوقف، هل الموقوف عليه يملك الوقف أم هو ملك للواقف؟

هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها على قولين:

القول الأول: أن الوقف يخرج من ملك الواقف، ويكون ملكًا للموقوف عليه إن كان على شخص، وإليه ذهب الشافعية في قول(208)، وهو المذهب عند الحنابلة(209).

أدلتهم:

الدليل الأول: قياس الوقف على الهبة والبيع بجامع أن كلًّا منهم سبب موجود يزيل ملك الواقف، والموقوف عليه يصح تمليكه فوجب أن ينقل الملك(210).

الدليل الثاني: ولأن الوقف سبب لا يخرج به المال عن المالية، فوجب أن ينتقل به الملك إلى الموقوف عليه(211).

الدليل الثالث: ولأن الوقف لو كان تمليكًا للمنفعة المجردة لم يلزم، ولزومه دليل على أن تمليك للعين والمنفعة(212).

الدليل الرابع: قياس الوقف على الصدقة، فإن الصدقة مملوكة للمتصدق عليه، وكذلك الوقف(213) إلا أن يحكم بزواله حاكم أو يعقله على موته.

القول الثاني: أن الوقف يبقى في ملك الواقف لا يزول عنه، وإليه ذهب أبو حنيفة(214)، والمالكية(215)، والشافعية في قول(216)، والحنابلة في رواية(217).

أدلتهم:

الدليل الأول: أن الملك للواقف؛ لأنه إنما أزال ملكه عن منافعه، وفوائده لا عن ذاته(218).

يناقش: أن المقصود الأعظم من الذوات إنما هو منافعها، وفوائدها، فإذا ملكت المنافع، والفوائد ملكت الذوات تبعًا لها.

الدليل الثاني: إن الوقف كالعارية غير لازم، فيجوز الرجوع فيه للواقف متى شاء، وما كان هذا حقيقته فهو ملك لواقفه(219).

يناقش: بأن هذا الاستدلال بمسألة مختلف فيها، وهي هل الوقف عقد لازم أم لا؟ فلا يسلم الاستدلال به.

الدليل الثالث: إن حقيقة الوقف هو حبس الأصل، وتسبيل المنفعة، والمراد بتحبيس الأصل: إبقاؤه على ملك الواقف، وإلا كان مسبلًا لها كلها(220).

ويناقش: بأنها وإن انتقلت من ملك الواقف إلى الموقوف عليه فهي محبسة؛ لأنه لا يتصرف فيها بأي تصرف ناقل للملك.

القول الثالث: إن الوقف يخرج من ملك الواقف إلى ملك الله عز وجل، والمراد بها الانتقال أنه ينفك عن اختصاص الآدمي، وإلى هذا القول ذهب بعض الحنفية(221)، والشافعية في القول الأظهر(222)، والحنابلة في رواية(223).

أدلتهم:

الدليل الأول: القياس على العتق بجامع أن كلًّا منهما إزالة الملك عن العين والمنفعة على وجه القربة، وذلك بتمليك المنفعة، فانتقل الملك إلى الله(224).

نوقش: بأنه لو كان الوقف تمليكًا للمنفعة فقط لم يكن لازمًا كالعارية(225).

الدليل الثاني: إنه لو كان الوقف ينتقل إلى الموقوف إليه لافتقر إلى القبول كسائر الأملاك(226).

الراجح:

والله أعلم هو القول الأول، وأن الوقف ينتقل إلى الموقوف عليه لكن ليس له حق التصرف في عين الوقف إنما له الحق بالتصرف في منفعة الوقف وفوائده؛ لأن المقصود الأكبر من الأعيان هو ما تحمله من منافع وفوائد، لكن هل يلزم الوقف بمجرد اللفظ أم أنه لا يلزم إلا إذا أخرجه الواقف عن يده؟ هذه المسألة اختلف العلماء فيها على قولين:

القول الأول: إن الوقف يخرج من ملك الواقف بمجرد اللفظ، ولا يلزم إخراجه ع يده، وإليه ذهب أبو يوسف من الحنفية(227)، وبعض المالكية(228)، والشافعية(229)، وهو المذهب عند الحنابلة(230).

أدلتهم:

الدليل الأول: إن قضايا الأوقاف التي وقعت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الصحابة الكرام لم يؤمروا فيها بإخراج الأوقاف عن أيديهم إلى غيرهم بل تركت في أيديهم مع الحكم بلزومها(231).

الدليل الثاني: قياس لزوم الوقف باللفظ على العتق بجامع أن كلًا منهما تبرع يمنع البيع، والهبة، والميراث، فلزم بمجرده(232).

الدليل الثالث: إن الحاجة ماسة إلى لزوم الوقف ليحصل ثوابه على الدوام، ويمكن دفع هذه الحاجة بإسقاط الملك فيه باللفظ(233).

القول الثاني: إن الوقف لا يخرج من ملك الواقف إلا إذا أخرجه من يده إلى غيره، وإليه ذهب المالكية(234)، ومحمد بن الحسن من الحنفية(235)، والحنابلة في رواية(236).

أدلتهم:

الدليل الأول: إن الوقف صدقة فكان التسليم من شرطه كالصدقة المنجزة(237).

يمكن أن يناقش: بأن قياس الوقف على الصدقة قياس مع الفارق، فالصدقة التمليك فيها مطلق بخلاف الوقف فإن فيه تحبيسًا للأصل وتسبيلًا للثمرة.

الدليل الثاني: قياس الوقف على الهبة بجامع أن كلًّا منهما تبرع بمال لم يخرجه عن المالية فلم يلزم بمجرد اللفظ(238).

يناقش: بما نوقش به الدليل الأول.

الدليل الثالث: إن التمليك من الله لا يتحقق قصدًا؛ لأنه جل وعلا كل شيء، ولكن تمليك الله يثبت ضمنًا بالتسليم إلى العبد كالزكاة، وغيرها من الصدقات المنجزة(239).

يناقش: من وجهين:

الوجه الأول: ما نوقش به الدليل الأول.

الوجه الثاني: أن هذا الدليل مبني على أن الوقف يكون ملكًا لله عز وجل، وقد تقدم من قبل أن الراجح من أقوال أهل العلم أن الوقف ملك للموقوف عليه.

الراجح:

والله أعلم أن الوقف يلزم بمجرد اللفظ، وليس من شروط لزومه إخراجه عن ملك الواقف؛ لأن الشارع جعل لفظ الوقف سببًا في انعقاده ولزومه، وأن هذا الأمر هو الذي علهي عمل الرعيل الأول، وجرت عليه سنتهم وطريقتهم.

الفرع الثاني: التصرف في المملوك من أموال الوقف قبل القبض:

تقدم في الفرع الأول خلاف العلماء رحمهم الله في الوقف ملك من هو؟ وكذلك الخلاف في لزوم الوقف هل يلزم باللفظ أم يلزم بإخراجه عن يده؟

وتقدم من قبل أن الراجح أنه الملك للموقوف عليه، وأنه يلزم باللفظ ولا حاجة إلى إخراجه عن يد الواقف، وبناء على هذا الرأي يصح التصرف فيه؛ لأنه ملك للإنسان يتصرف فيه كما شاء، وقد نص فقهاء المالكية، والحنابلة على صحة التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في عقد الوقف، قال أحمد الدردير (ت1201هـ) في الكلام عن التصرف بهذه الأعيان: «بخلاف ما لو رتب شيء لإنسان من بيت المال أو غيره، كوقف على وجه الصدقة فيجوز بيعه قبل قبضه لعدم المعاوضة»(240).

قال ابن رجب: «هذا الكلام في العقود فأما الملك بغير عقد، والاستحقاق من أموال الوقف، وأهل الوقف المستحقين له فإذا ثبت لهم الملك وتعين مقداره جاز لهم التصرف فيه قبل القبض بغير خلاف أيضًا؛ لأن حقهم مستقر فيه ولا علاقة لأحد معهم»(241). وهذا هو الراجح والله أعلم لما ذكر ابن رجب وفهمه من تعليل.

أما على مذهب الشافعي كما تقدم فإنهم يرون لزوم الوقف باللفظ بناء

عليه يصح للموقوف عليه التصرف فيه، أما على مذهب أبي حنيفة فإن الوقف يبقى على ملك الواقف، وهو غير لازم إلا بالإخراج، وأنه إذا مات الواقف قبل إخراجه بطل الوقف، بناء عليه فليس للموقوف عليه التصرف فيه.

 

المطلب الثاني:

التصرف في الأعيان المملوكة بالميراث قبل قبضها

أهل العلم قاطبة يرون أن الميراث ينتقل من المورث إلى الوارث بموت المورث، وتحقق حياة الوارث، ووجود المقتضي للإرث، وأنه يصبح ملكًا للوارث.

قال شمس الدين السرخسي (ت483هـ) في الزكاة: «وهذا يقتضي أن ما لم يمضه من الصدقة يكون مال الوارث بعد موته، وبه علل في الكتاب، قال: «لأنها خرجت من ملكه الذي كان له، يعني أن المال صار ملك الوارث»(242).

قال أحمد بن محمد الصاوي (ت1241هـ) في الكلام على شروط الإرث قال: «فشروطه ثلاثة: تحقق حياة الوارث وتحقق موت المورث والعلم بالجهة»(243).

قال محمد الشربيني (ت977هـ) في عدة شروط الإرث: «أولها: تحقق موت المورث، وثانيها: تحقق حياة الوارث، وثالثها: معرفة إدلائه للميت بقرابة، ورابعها: الجهة المنقضية للإرث تفصيلًا»(244).

قال منصور البهوتي (ت1051هـ): «وشروطه ثلاثة: تحقق حياة الوارث أو إلحاقه بالأحياء، وتحقق موت المورث أو إلحاقه بالأموات، والعلم بالجهة المقتضية للإرث»(245).

بناء على ما تقدم وأن الميراث يصبح ملكًا للوارث، فإنه يجوز للوارث التصرف بالميراث قبل قبضه؛ لأنه أصبح ملكًا له كسائر أملاكه.

قال ابن رجب رحمه الله: «وأما الملك بغير عقد كالميراث، فإذا ثبت لهم الملك وتعين مقداره جاز لهم التصرف فيه قبل القبض بغير خلاف أيضًا؛ لأن حقهم مستقر فيه ولا علاقة لأحد معهم، ويد من هو في يده بمنزلة يد المودع، ونحوه من الأمناء»(246).

 

 

 

 

الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الموفق من شاء من عباده للباقيات الصالحات، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للعباد الصالحين، أما بعد:

فقد توصلت في ختام هذا البحث إلى نتائج مباركة، وفوائد جيدة منها: أن جمهور أهل العلم يرون أن الملك غير المستقر هو الملك الذي يمكن انفساخ العقد فيه من غير إرادة المتعاقدين، أو كان يمكن فسخه بغير إرادة المالك، ويرى جمهور أهل العلم في الجملة أن الذي يمنع التصرف فيه هو ما كان فيه احتمال انفساخ العقد بتلف المعقود عليه قبل القبض، وأما إن كان احتمال انفساخ العقد بسبب غير التلف سواء أكان من جهة أحد العاقدين، أم غيرهما فإنه لا يمنع التصرف.

ومنها: أنه تجوز المعاوضة عن كل ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه.

ومنها: أنه يجوز التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بغير المعاوضة، سواء كان التصرف فيه بالعتق أو بالرهن، أو بعقد تبرع أيًّا كان.

ومنها: أنه يجوز التصرف فيما لا يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه بالمعاوضة وبغيرها.

ومنها: أنه يجوز التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في عقود غير المعاوضات، سواء كان في عقد القرض، أو الهبة، أو الوصية، أو غيرها مما يأخذ حكمها.

ومنها: أنه يجوز التصرف بالأعيان المملوكة قبل قبضها في غير العقود كالتصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في استحقاق أموال الوقف، وكذا التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في استحقاق أموال الوقف، وكذا التصرف في الأعيان المملوكة بالميراث قبل قبضها.

والله أسأل لي ولكل من قرأ هذا العمل علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا متقبلًا.

---------------------

(*) بحث منشور في مجلة العلوم الشرعية، جامعة القصيم، المجلد (1)، العدد (1)  

(1) «لسان العرب» (9/189).

(2) «معجم المقاييس» (59)، «المصباح المنير» (176).

(3) «القاموس المحيط» (3/219).

(4) «فتح القدير» (4/98).

(5) «القاموس المحيط» (3/219).

(6) «القاموس المحيط» (3/219).

(7) «أحكام القرآن» (1/236).

(8) «الموسوعة الفقهية» (12/71).

(9) «المدخل بالتعريف بالفقه الإسلامي» لشلبي (413).

(10) «معجم المصطلح والألفاظ الفقهية» لعبدالمنعم (1/456).

(11) «المدخل الفقهي العام» للزرقا (1/379).

(12) «المدخل الفقهي العام» للزرقا (1/379، 380)، وانظر: «أحكام تصرفات الوكيل» للهاشمي (45).

(13) «معجم المقاييس» (871)، «لسان العرب» (7/213)، «المصباح المنير» (252).

(14) «الزمخشري» (1/364).

(15) «بدائع الصنائع» (5/244).

(16) «مختصر خليل مع الشرح الكبير» (3/145).

(17) «المجموع» (9/275).

(18) «مجموع الفتاوى» (29/448).

(19) «بدائع الصنائع» (5/238)

(20) «مغني المحتاج» (2/456).(21) «حاشية الدسوقي» (3/147).

(22) «كشاف القناع» (3/243).

(23) «بدائع الصنائع» (5/238)، «حاشية الدسوقي» (3/104)، «مغني المحتاج» (2/458)، «كشاف القناع» (3/243).

(24) «بدائع الصنائع» (5/180)، «المهذب» (1/262)، «المغني» (4/240).

(25) «المدخل» للزرقا (1/596).

(26) «حاشية الدسوقي» (1/456)، «الفروع» (2/323).

(27) «الفتاوى الهندية» (4/425)، «رد المحتار» (9/125)، «المهذب» (1/403)، «حلية العلماء» (5/401)، «روضة الطالبين» (3/325)، «المعونة» (2/1097)، «التفريع» (2/185)، «المغني» (8/55)، «الإنصاف» (6/35).

(28) أخرجه مسلم في المساقاة، باب وضع الجوائح (9/282)، رقم (4063)، من حديث جابر رضي الله عنه، وفي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: «أمر بوضع الجوائح».

(29) «بدائع الصنائع» (5/182، 234)، «رد المحتار» (4/376)، «القوانين الفقهية» (275)، «الشرح الكبير» (3/63)، «حاشية الدسوقي «3/63)، «المهذب» (1/269)، «المجموع» (9/274)، «نهاية المحتاج» (4/88)، «المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين» (1/357)، «كشاف القناع (3/306)، «شرح منتهى الإرادات» (2/97).

(30) «قواعد ابن رجب» (79)، وانظر: «تهذيب السنن» (9/282).

(31) «روضة الطالبين» (1/49).

(32) «كشاف القناع» (2/170).

(33) «تهذيب السنن» (9/280).

(34) انظر ما تقدم: «الاستقرار في الفقه الإسلامي» (116-172).

(35) «المحلى» (7/473).

(36) «حاشية الدسوقي» (3/152).

(37) «الإنصاف» (4/468).

(38) «الإنصاف» (4/468).

(39) «تهذيب السنن» (9/278).

(40) «تهذيب السنن» (9/280).

(41) «المغني» (4/239).

(42) «المغني» (8/45).

(43) «تبين الحقائق» (4/79)، «المنتقى» (5/31)، «الأم» (8/179)، «المغني» (4/370).

(44) «الإنصاف» (4/468)، «تفسير آيات أشكلت» (2/652).

(45) «مجموع الفتاوى» (29/402)، «تهذيب السنن» (19/282).

(46) «تهذيب السنن» (9/282).

(47) أخرجه البخاري في «صحيحه» في البيوع، باب بيع الطعام قبل أن يقبض رقم (2133)، (3/23)، ومسلم في «صحيحه» في البيوع، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض رقم (2126)، (5/7).

(48) أخرجه مسلم في «صحيحه» في البيوع، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض رقم (3927)، (5/9).

(49) «التمهيد» (13/330).

(50) «كشاف القناع» (2/242).

(51) «الإنصاف» (4/468).

(52) أخرجه البخاري في «صحيحه» في الهبة، باب إذا وهب الرجل جمله وهو راكبه فهو جائز، رقم (2115)، (3/140).

(53) أخرجه البخاري في «صحيحه» في البيوع، باب شراء الدواب والحمير رقم (2718)، (3/15)، ومسلم في «صحيحه» في المساقاة، باب بيع البعير واستثناء ركوبه رقم (4182)، (5/51).

(54) «المغني» (4/239).

(55) «تهذيب السنن» (9/281).

(56) «فتح القدير» (6/473)، «رد المحتار» (7/370)، «شرح الكنز» للعيني (2/30).

(57) «حاشية الدسوقي» (3/151-152)، «بلغة السالك» (3/126).

(58) «المجموع» (9/266)، «روضة الطالبين» (3/170)، «نهاية المحتاج» (4/87).

(59) «الكافي» (3/45)، «كشاف القناع» (2/245)، «شرح منتهى الإرادات» (2/60).

(60) «المحلى» (7/473).

(61) أخرجه البخاري في «صحيحه» في البيع، باب بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك رقم (2132) (3/23)، ومسلم في البيع، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض رقم (3913) (5/7).

(62) «الحاوي» (6/267)، «مغني المحتاج» (2/461).

(63) «مجموع الفتاوى» (29/402-403).

(64) «قواعد ابن رجب» (79).

(65) «المجموع» (9/266)، «تهذيب السنن» (9/281).

(66) «المجموع» (9/266).

(67) «حاشية الدسوقي» (3/146).

(68) «المغني» (4/235-236).

(69) «المحلى» (8/379).

(70) «تهذيب السنن» (9/281).

(71) «تهذيب السنن» (9/281).

(72) «المجموع» (9/266)، «تهذيب السنن» (9/281).

(73) «المجموع» (9/266).

(74) «المغني» (4/240).

(75) انظر: (ص185).

(76) «بدائع الصنائع» (5/180).

(77) «المجموع» (9/264)، «مغني المحتاج» (2/462).

(78) «الإنصاف» (4/463)، «كشاف القناع» (3/241)، «شرح منتهى الإرادات» (2/58).

(79) «مجموع الفتاوى» (29/401).

(80) «مجموع الفتاوى» (29/401).

(81) «مغني المحتاج» (2/462).

(82) «مجموع الفتاوى» (29/401).

(83) «بدائع الصنائع» (5/180)، «المجموع» (9/264).

(84) «بدائع الصنائع» (5/180).

(85) «بدائع الصنائع» (5/180).

(86) «المجموع» (9/264).

(87) «المجموع» (9/264).

(88) تقدم تخريجه صفحة (187).

(89) «فتح العزيز» (6/264).

(90) «فتح العزيز» (6/264)، «مجموع الفتاوى» (29/402).

(91) «بدائع الصنائع» (5/180).

(92) «بدائع الصنائع» (5/180)، «فتح القدير» (6/472).

(93) «حاشية الدسوقي» (3/152)، «بلغة السالك» (3/126).

(94) «المجموع» (9/265)، «مغني المحتاج» (2/462).

(95) «الإنصاف» (4/463).

(96) «الإنصاف» (4/463).

(97) «بدائع الصنائع» (5/180)، «فتح القدير» (6/473)، «تبيين الحقائق» (4/81)، «رد المحتار» (6/37).

(98) «مغني المحتاج» (2/462)، «نهاية المحتاج» (4/86).

(99) «الحاوي» (6/269).

(100) «بدائع الصنائع» (5/180)، «تبيين الحقائق» (4/81)، «رد المحتار» (6/37).

(101) «حاشية الدسوقي» (3/152)، «بلغة السالك» (3/126).

(102) «المجموع» (9/265)، «مغني المحتاج» (2/462)، «روضة الطالبين» (3/167)، وقيل هما وجهان ليسا قولين.

(103) «الإنصاف» (4/463)، «كشاف القناع» (3/245، 241)، «شرح منتهى الإرادات» (2/60).

(104) «نهاية المحتاج» (4/86).

(105) «بدائع الصنائع» (5/180).

(106) انظر: ص(185).

(107) «مغني المحتاج» (2/461).

(108) «الحاوي» (6/269).

(109) «بدائع الصنائع» (5/180)، «فتح القدير» (6/473).

(110) «الكافي» (320)، «المنتقى» (4/282)، «بلغة السالك» (3/128).

(111) «المجموع» (9/265)، «روضة الطالبين» (3/167).

(112) «الإنصاف» (4/463).

(113) «الإنصاف» (4/463).

(114) تقدم تخريجه ص(186).

(115) «تهذيب السنن» (9/281).

(116) انظر: ص(184-186).

(117) «تهذيب السنن» (9/281).

(118) «المنتقى» (4/282).

(119) انظر: ص(185).

(120) «المنتقى» (4/281).

(121) «تهذيب السنن» (9/281)، «الفروق» (1/151).

(122) «المنتقى» (4/281).

(123) «بدائع الصنائع» (5/180)، «فتح القدير» (6/473)، «رد المحتار» (7/369).

(124) «المجموع» (9/265)، «روضة الطالبين» (3/167)، «مغني المحتاج» (2/462).

(125) «الإنصاف» (4/463)، «كشاف القناع» (3/254)، «شرح منتهى الإرادات» (2/60).

(126) انظر: ص(187-189).

(127) «تهذيب السنن» (9/281).

(128) «فتح القدير» (6/473)، «رد المحتار» (7/370).

(129) «حاشية الدسوقي» (3/152).

(130) «المجموع» (9/267).

(131) «المغني» (4/240)، «الإنصاف» (4/468).

(132) «المغني» (4/240).

(133) «الإنصاف» (4/468).

(134) «المغني» (4/240).

(135) «المغني» (4/240).

(136) «الإنصاف» (4/468).

(137) انظر: ص(184-186).

(138) «حاشية الدسوقي» (3/152).

(139) «المجموع» (9/267).

(140) «المغني» (4/240)، «الإنصاف» (4/463)، «كشاف القناع» (3/244)، «شرح منتهى الإرادات» (2/60).

(141) «المجموع» (9/267).

(142) «المغني» (4/240).

(143) «المغني» (4/240)، «حاشية سعدي أفندي على فتح القدير» (6/473).

(144) انظر: ص(187-189).

(145) انظر: ص(189-197).

(146) «بدائع الصنائع» (7/396)، «رد المحتار» (7/392).

(147) «الفروع» (4/201)، «روضة الطالبين» (3/277)، «المنهاج مع المغني» (3/35)، «نهاية المحتاج» (4/232).

(148) «الإنصاف» (5/125)، «تصحيح الفروع» (4/202)، «كشاف القناع» (3/314).

(149) «كشاف القناع» (3/314)، «نهاية المحتاج» (4/232).

(150) «بدائع الصنائع» (7/369).

(151) «مغني المحتاج» (3/35).

(152) «بدائع الصنائع» (7/396).

(153) «الشرح الصغير» (3/185)، «حاشية الدسوقي» (3/226)، «جواهر الإكليل» (2/76).

(154) «المحلى» (6/350).

(155) «الشرح الصغير» (3/85).

(156) «الشرح الكبير» (3/226)، «بلغة السالك» (3/185).

(157) «الفواكه الدواني على رسالة أبي زيد القيرواني» (2/85).

(158) «قواعد ابن رجب» (83).

(159) «الشرح الكبير» (3/226)، «بلغة السالك» (3/185).

(160) «الكتاب» (2/171)، «بدائع الصنائع» (6/123)، «رد المحتار» (8/492)، «اللباب في شرح الكتاب» (2/171).

(161) «المنهاج مع المغني» (3/565)، «روضة الطالبين» (4/437)، «مغني المحتاج» (3/565)، «زاد المحتاج» (6/436).

(162) «المغني» (6/274)، «الشرح الكبير» (6/276)، «الإنصاف» (7/120).

(163) أخرجه الإمام مالك في «الموطأ» رقم (1443) ص(413)، والبيهقي في «السنن الكبرى» رقم (12267) (6/280)، وابن حزم في «المحلى» (8/68)، والأثر صححه الألباني في «الإرواء» (6/61)، ولفظ «آثرتك» صححه ابن حزم (8/68).

(164) «المغني» (6/230).

(165) «الذخيرة» (6/230).

(166) «إعلام الموقعين» (2/28).

(167) أخرجه الإمام مالك في «الموطأ» رقم (2784) ص(413).

(168) «المغني» (6/274)، «حاشية الرشيدي على نهاية المحتاج» (5/414).

(169) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» رقم (27137)، (6/452)، وابن حبان رقم (5114)، (11/515)، وصححه الألباني في «الإرواء» (6/62).

(170) «مغني المحتاج» (3/565).

(171) «الحاوي» (9/204).

(172) «بداية المجتهد» (2/595)، «الذخيرة» (6/230)، «الشرح الكبير» (4/101)، «حاشية الدسوقي» (4/101)، «جواهر الإكليل» (2/212).

(173) «الكافي» (2/467)، «الإنصاف» (7/121)، «تصحيح الفروع» (4/642).

(174) «المحلى» (8/82).

(175) أخرجه البخاري في «صحيحه» في الهبة، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته رقم (2479)، (3/142)، ومسلم في «صحيحه» في الهبات، باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به (1620)، (5/63).

(176) «المغني» (6/275).

(177) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» رقم (6726)، (2/44)، وأبو داود في «سننه» في الجهاد، باب في فداء الأسير بالمال رقم (2694)، (2/69)، قال في «مجمع الزوائد»: «ورواه أحمد ورجال أحد إسناديه ثقات» (6/278)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (6/194)، رقم (3694).

(178) «إعلام الموقعين» (2/28).

(179) تقدم تخريجه ص(203).

(180) «المغني» (6/275).

(181) «المغني» (6/275).

(182) «المغني» (6/275).

(183) «بداية المجتهد» (2/595).

(184) «حاشية الخرشي» (7/41).

(185) «فتح القدير» (10/458)، «رد المحتار» (10/349).

(186) «المعونة» (3/1644)، «بداية المجتهد» (2/607-608)، «الشرح الصغير» (4/318)، «الشرح الكبير» (4/424).

(187) «المغني» (6/470)، «الإنصاف» (7/206)، «قواعد ابن رجب» (83).

(188) «الحاوي» (10/87)، «روضة الطالبين) (5/136).

(189) «فتح القدير» (10/458)، «مغني المحتاج» (4/88).

(190) «فتح القدير» (10/458)، «رد المحتار» (10/349).

(191) «المعونة» (3/1644).

(192) «المعونة» (3/1644)، «الحاوي» (10/87).

(193) انظر: ص(201).

(194) «المغني» (6/472).

(195) «المغني» (6/472).

(196) «بلغة السالك» (4/319)، «حاشية الدسوقي» (4/424).

(197) «روضة الطالبين» (5/136).

(198) «الفروع» (4/684)، «الإنصاف» (7/207).

(199) «الحاوي» (10/88)، «روضة الطالبين» (5/136).

(200) «الحاوي» (10/88).

(201) «الحاوي» (10/88)، «روضة الطالبين» (5/136).

(202) «الحاوي» (10/88).

(203) «المغني» (6/471)، «الفروع» (4/684)، «الإنصاف» (7/207).

(204) «الحاوي» (10/87)، «المغني» (6/471).

(205) «المغني» (6/472).

(206) «مجمع الأنهر» (2/79).

(207) «القواعد» (83).

(208) «المنهاج» (3/546)، «مغني المحتاج» (3/546)، «نهاية المحتاج» (5/388).

(209) «المغني» (6/211)، «المبدع» (5/328)، «القواعد» (83)، «كشاف القناع» (4/254).

(210) «المغني» (6/212)، «المبدع» (5/328).

(211) «المبدع» (5/328).

(212) «المبدع» (5/328).

(213) «نهاية المحتاج» (5/389).

(214) «كنز الدقائق» (3/325)، «تبيين الحقائق» (3/325)، «حاشية الشلبي على التبيين» (3/325).

(215) «الفواكه الدواني» (2/181)، «جواهر الإكليل» (2/205).

(216) «(المنهاج» (3/546)، «مغني المحتاج» (3/546)، «نهاية المحتاج» (5/388).

(217) «المبدع» (5/329)، «الإنصاف» (7/38).

(218) «نهاية المحتاج» (5/388).

(219) «تبيين الحقائق» (3/325).

(220) «المبدع» (5/329)، «تبيين الحقائق» (3/325)، «مغني المحتاج» (3/456).

(221) «كنز الدقائق» (3/325)، «تبيين الحقائق» (3/325).

(222) «المنهاج» (3/546)، «مغني المحتاج» (3/546)، «أسنى المطالب» (2/470).

(223) «المغني» (6/211)، «المبدع» (5/328).

(224) «الحاوي» (9/372)، «المغني» (6/211)، «الإنصاف» (7/38)، «نهاية المحتاج» (5/388).

(225) «المغني) (6/211).

(226) «المبدع» (5/328).

(227) «كنز الدقائق» (3/325)، «تبيين الحقائق» (3/325).

(228) «جواهر الإكليل» (2/205).

(229) «الحاوي» (9/372).

(230) «المغني» (6/209)، «الإنصاف» (7/36).

(231) «المغني» (6/210).

(232) «الحاوي» (9/372)، «المغني» (6/210)، «تبيين الحقائق» (3/325).

(233) «المبدع» (5/328).

(234) «المبدع» (5/328).

(235) «المبدع» (5/328).

(236) «المبدع» (5/328).

(237) «تبيين الحقائق» (3/325).

(238) «المغني» (6/209).

(239) «تبيين الحقائق» (3/325).

(240) «بلغة السالك» (3/126).

(241) «القواعد» (83).

(242) «المبسوط» (2/186).

(243) «بلغة السالك» (4/400).

(244) «مغني المحتاج» (4/10).

(245) «كشاف القناع» (4/405).

(246) «القواعد» (83).



1 + 0 =