المولد النبوي مظاهره وحكمه
8 ربيع الأول 1439
د. عبد الله بن سليمان آل مهنا

المولد النبوي مظاهره وحكمه(*).

زمانه:

يُحتفل به في شهر ربيع الأول في الثاني عشر منه، وقد اختلف العلماء المؤرخون في تحديد مولده صلى الله عليه وسلم إلى أقوال متعددة.
 

قال ابن كثير رحمه الله: "والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل على قول الجمهور، فقيل بعده بشهر، وقيل بأربعين يوماً، وقيل بخمسين يوماً – وهو أشْهَر-"(1).
 

وقد يقع ما هو أعظم من ذلك وهو الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه، والاستغاثة به، وطلب المدد منه، كقولهم: مدد يا رسول الله، أغثنا يا رسول الله(2)، ونحو ذلك من الأمور الشركية.
 

ومن ذلك: طبخ الأطعمة.
وذبح الذبائح.
ولهذا يسمى المولد في (الجزائر) "الزردة" باعتبار ما يقع فيه من ازدراد الأطعمة.
وذبح النذور والقرابين.
وقد يحصل فيه من الفجور وشرب الخمور.
وتقام حول المولد أسواق البيع والشراء.
ولهذا يكون المولد مكان تجمع وسوقاً تجارياً.
ومن ذلك التوسعة على العيال فيه.
وتعطيل الأعمال والمدارس.
والقيام لحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم زعماً منهم أنه صلى الله عليه وسلم يحضر المولد.
فيقومون إجلالاً له.

 

وذكر السيوطي رحمه الله: "أن الملك المظفر مبتدع بدعة المولد قد أعد سماطاً في أحد الموالد التي يقيمها،وضع عليه خمسة آلاف رأس غنم مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، وأنه أقام سماعاً للصوفية من الظهر إلى الفجر، وكان يرقص فيه بنفسه مع الراقصين"(3).
 

ومن مظاهره: زيارة أهل مكة في يوم المولد مكان مولده صلى الله عليه وسلم.
ومعهم الفوانيس.
والشموع العظيمة.
ويقوم القاضي بإلقاء خطبة مناسبة للمقام.
ثم يعود إلى المسجد الحرام(4).
ومنها ترك الصوم فيه على اعتبار أنه عيد من الأعياد التي لا يحسن فيها الصوم(5).
ومنها أن بعضهم يأتون بصحن فيه شعرة يدّعون أنها من لحية النبي صلى الله عليه وسلم ويطوفون حول الشعرة.
وهم يصيحون: يا نبي الورى سلام عليك(6).

 

ومن مظاهر الاحتفال بالمولد في مصر في هذه الأزمنة:
إقامة السرادقات الكبيرة في بداية شهر ربيع الأول حول المساجد الكبرى كمسجد الحسين والسيدة زينب.
تضم تلك السرادقات زوار المولد من مختلف قرى مصر، والباعة الجائلين بجميع فئاتهم.
وألعاب التصويب.
وبائعي الحلوى والأطعمة.
وسيركاً بدائياً يضم بعض الألعاب البهلوانية.
وركناً للمنشدين والمداحين، وهم فئة من المنشدين تخصصت في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم.
وتعد حلوى المولد من المظاهر التي ينفرد بها المولد النبوي في مصر، حيث تنتشر في جميع محال الحلوى شوادر تعرض فيها ألوان عدة من حلوى المولد، على رأسها: السمسمية، والحمصية، والجوزية، والبسيمة، والفولية، والملبن المحشي بالمكسرات.
كما يصنع من الحلوى بعض لعب الأطفال التي تؤكل بعد انتهاء يوم المولد، وهي عروس المولد للبنات، والحصان للأولاد.
وقد ارتبطت ذكرى المولد في وجدان جميع الأطفال المصريين على مر العصور بهذه العرائس واللعب، والفاطميون هم أول من بدأ في صنع العروس من الحلوى في المولد.
وعروس المولد تصنع من السكر على هيئة حلوى منفوخة.
وتجمل بالأصباغ.
وتوضع يداها في خصرها.
وتزين بالأوراق الملونة، والمراوح الملتصقة بظهرها، وعروس المولد مصرية خالصة.

 

ومع انتشار الوعي الصحي لدى الناس فقد ظهرت عروس المولد في صورة جديدة، فقد صارت تصنع من البلاستيك، وتزين بالأقمشة الشفافة الملونة، والمراوح الخلفية بأشكال وأحجام متعددة، ولا تؤكل، وغير قابلة للكسر.
 

وفي المولد يقدم الخطيب لخطيبته "الموسم" وهو عبارة عن عروسة حلاوة، غالباً ما تكون كبيرة الحجم، ومزركشة، بشكل يسر الأنظار، بالإضافة إلى هدية أخرى عينية أو نقدية(7).
 

حكم الاحتفال بالمولد النبوي:

لم يرد للمولد النبوي ذِكْر في كلام السلف، وذلك لأنه لم يكن يعرف حيث إن أول من ابتدع المولد هم الفاطميون العبيديون الرافضة.
 

قال المقريزي: "وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم وهي: موسم رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومولد علي بن أبي طالب، ومولد الحسن، ومولد الحسين.. حتى عد أعياداً كثيرة"(8).
 

واشتهر بتعظيم المولد بعد ذلك الملك المظفر أبو سعيد كوكبوري صاحب [إربل] المتوفى سنة ثلاثين وستمائة(9).
 

ولذا اشتد نكير العلماء على هذه البدعة.
فقال الفاكهاني: "لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة، أحدثها البطالون، وشهوة نفس، اغتنى بها الأكالون"(10).

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال إنها ليلة المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال [عيد الأبرار]، فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها"(11).
 

وقال ابن الحاج: "ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر، ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد، وقد احتوى على بدع ومحرمات جملة"(12).
 

وسئل الأستاذ أبو عبد الله الحفار رحمه الله عن رجل حبس أصل توت على ليلة مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثم مات المحبس، فأراد ولده أن يتملك أصل التوت المذكور، فهل له ذلك أم لا؟
 

فأجاب: "وقفت على السؤال فوقه، وليلة المولد لم يكن السلف الصالح وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم يجتمعون فيها للعبادة، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعظم إلا بالوجه الذي شرع فيه تعظيمه، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله، لكن يتقرب إلى الله جل جلاله بما شرع... ولو فتح هذا الباب لجاء قومٌ فقالوا يوم هجرته إلى المدينة يوم أعز الله فيه الإسلام فيجتمع فيه ويتعبد، ويقول آخرون: الليلة التي أسري به فيها حصل له من الشرف ما لا يقدر قدره، فتحدث فيها عبادة، فلا يقف ذلك عند حد، والخير كله في اتباع السلف الصالح الذين اختارهم الله له، فما فعلوا فعلنا، وما تركوا تركنا، فإذا تقرر هذا ظهر أن الاجتماع في تلك الليلة ليس بمطلوب شرعاً، بل يؤمر بتركه، ووقوع التحبيس عليه مما يحمل على بقائه واستمرار ما ليس له أصل في الدين، فمحوه وإزالته مطلوب شرعاً..."(13).
 

وسئل سيدي أحمد القباب رحمه الله عما يفعله المعلمون من وقد الشمع في مولد النبي صلى الله عليه وسلم واجتماع الأولاد للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقرأ بعض الأولاد ممن هو حسن الصوت عشراً من القرآن، وينشد قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ويجتمع الرجال والنساء بهذا السبب...
 

فأجاب بأن قال: "جميع ما وصفت من محدثات البدع التي يجب قطعها، ومن قام بها أو أعان عليها أو سعى في دوامها فهو ساعٍ في بدعة وضلالة، ويظن أنه بذلك معظم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائم بمولده، وهو مخالف سنته مرتكب لمنهيات نهى عنها صلى الله عليه وسلم متظاهر بذلك، محدث في الدين ما ليس منه، ولو كان معظماً له حق التعظيم لأطاع أوامره فلم يحدث في دينه ما ليس منه، ولم يتعرض لما حذّر الله تعالى منه حيث قال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63]"(14).
 

وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: "فمعلوم أن إقامة المولد على الوصف المعهود بين الناس بدعة محدثة، وكل بدعة ضلالة، فالإنفاق على إقامة البدعة لا يجوز، والوصية به غير نافذة"(15).
 

وذكر ابن النحاس من جملة ما ابتُدع في المواسم والأعياد: "عمل المولد في شهر ربيع الأول"(16).
 

وسئل السيد محمد رشيد رضا رحمه الله عن قراءة القصص المسماة بالموالد هل هي سنة أم بدعة؟ فأجاب:
"هذه الموالد بدعة بلا نزاع، وأول من ابتدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي أحد ملوك الشراكسة بمصر"(17).
وقال الشيخ علي محفوظ: "ولو لم يكن في الموالد الآن إلا اتخاذ قبور الأنبياء والأولياء عيداً لكفى في المنع منها"(18).
وقال: "ومن المواسم التي نسبوها للشرع وليست منه، ليلة الثاني عشر من ربيع الأول، يجتمع لها الناس في المساجد وغيرها فيهتكون حرمة بيوت الله تعالى، ويسرفون في الوقود فيها.. إلى قوله: وكل ذلك لم يأذن به الله ورسوله، ولم يعهد عن السلف الصالح، فهو بدعة وضلالة"(19).

 

وممن نص على بدعية الاحتفال بالمولد غير من تقدم:
الشيخ محمد عبد السلام خضر الشقيري رحمه الله.
والشيخ محمد إبراهيم آل الشيخ رحمه الله.
والشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.
والشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، رئيس المحاكم الشرعية بقطر، رحمه الله.
والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي، قاضي المحكمة الشرعية بقطر، رحمه الله.
والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.
والشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله.
والشيخ عبد الله بن قعود رحمه الله.
والشيخ عبد الله بن غديان رحمه الله.
والشيخ عبد الله بن منيع حفظه الله.
والشيخ إسماعيل الأنصاري رحمه الله.
والشيخ محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر، رحمه الله، في آخرين.

 

___________________________________

(*) مأخوذ من كتاب الأعياد المحدثة وموقف الاسلام منها، للمؤلف نفسه.

(1)    البداية والنهاية (2/262).
(2)    حدثني بذلك من حضر المولد وتاب منه.
(3)    وانظر وصفاً للاحتفال بالمولد في زمن السلطان الظاهر برقوق: الخطط (3/399)، ووصفاً لاحتفال الملك المظفر أبو سعيد كوكبوري بالمولد"، في: وفيات الأعيان لابن خلكان (4/117).
(4)    لم يعد هذا موجوداً بهذا الوصف – ولله الحمد – لكن ربما بعض الناس يزور المكان؛ لأن الصوفية لا يزالون يحافظون على مكان مولده صلى الله عليه وسلم.
(5)    انظر: المدخل لابن الحاج (2/229)، والمورد في عمل المولد للفاكهاني (ص11)، والسنن والمبتدعات للشقيري (ص128)، والإبداع في مضار الابتداع (ص251)، والقول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل للشيخ إسماعيل الأنصاري (ص648).
(6)    انظر: تحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين للشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي (ص168)، والمعتقدات والطقوس السحرية في المغرب لـ: مصطفى واعراب (ص100).
(7)    موقع الهيئة العامة للاستعلامات بمصر: http://www.sis.gov.eg/، وتختلف مظاهر الاحتفال بالمولد بين الناس بحسب الأمكنة والأزمة.
(8)    الخطط (2/436).
(9)    البداية والنهاية (13/136)، وسير أعلام النبلاء (22/334)، وشذرات الذهب (5/138)، ووفيات الأعيان (4/113)، و"إربل" قلعة حصينة في الموصل، معجم البلدان (1/137).
(10)    المورد في عمل المولد.
(11)    مجموع الفتاوى (25/298).
(12)    المدخل (2/229).
(13)    المعيار المعرب، للونشريسي (7/99-100).
(14)    المعيار المعرب (12/48-49).
(15)    فتاوى الإمام الشاطبي (203، 204)، والمعيار المعرب (9/252).
(16)    تنبيه الغافلين (ص331).
(17)    فتاوى السيد محمد رشيد رضا (4/1242).
(18)    الإبداع في مضار الابتداع (ص256).
(19)    المصدر السابق (ص272).

9 + 10 =