كلمة في العيد
7 ذو القعدة 1428

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد، فإن نعمة الإسلام أعظم نعمة وأجل منة من الله بها علينا، وسواها من النعم مزيد فضل وإحسان من الله تعالى، ومن أحس بهذه النعمة وعرف قدرها وجد لها حلاوة وذاق لها طعماً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار"(1)

وقال الله تعالى ممتنا على المسلمين بتمام الدين وكمال الشرائع: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً" (المائدة: من الآية3) فبيَّن أن اكتمال الشرائع هو تمام النعمة والمنة على عباده، وهذه الشرائع التي سمها الله نعمة ونسبها لنفسه تعظيماً وإجلالاً بقوله في هذه الآية (نعمتي) قد أشبعت كل حاجات البشر فلم تترك جانباً من جوانب الحياة إلا وشملته ومن ذلك حاجة الناس للفرح والسرور والاحتفال المشروع، وعيد الفطر والأضحى من أبرز صور إشباع حاجة الإنسان للترفيه، ويجدر بنا ونحن نعيش بهجة العيد أن نقف مع هذه المناسبة السعيدة وقفات.

الوقفة الأولى:
من المقرر أن العبد يباح له أن يحتفل –منضبطاً بحدود الشرع- بما يحدث له من مناسبات سارة في هذه الحياة، فيجوز للمسلم أن يحتفل بنجاح ابنه مثلاً أو ترقيته في الوظيفة ونحوها دون أن يجعل تلك المناسبة عيداً، ولكن سماحة الإسلام تجاوزت مجرد إباحة الاحتفال بالمناسبات الخاصة، حيث شُرع الاحتفال الجماعي فَوقِّتت مناسبات عامة يشمل الاحتفال بها كل أفراد الأمة وجعلت الشريعة من ذلك الاحتفال عبادة يثاب عليها العباد، وهذا من عظيم فضل الله على عباده، والذي يجب أن يقابل بشكر الله تعالى وحمده.

الوقفة الثانية:
لما كان الاحتفال بالمناسبات السعيدة مشروعاً كما سبقت الإشارة كانت الطاعات من أولى المناسبات السعيدة بالفرح وإظهار السرور قال الله تعالى: "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" (يونس:58)، ومن فضل الله تعالى ورحمته توفيقه للطاعات وإعانته على ما يقرب منه، وصوم رمضان من أكثر العبادات التي تقرب العبد من الله تعالى، ولذا شرع الله تعالى الاحتفال به بعد تمامه وذلك في عيد الفطر المبارك.

الوقفة الثالثة:
من أهم الفوائد التي يجنيها المسلمون من الاحتفالات والمناسبات الجماعية توثيق الأواصر بينهم وتعميق الانتماء للأمة وزيادة الشعور بالوحدة حيث يشارك كل مسلم أخوه في هذه المناسبة السعيدة.
فالمسلمون أمة واحدة تجمعهم الأفراح، وتوثق بينهم الصلات، وإن تفرقت بلدانهم، واختلفت أوطانهم، فالمسلم في الشرق شعوره يوم العيد ذات الشعور الذي يجده مسلم الغرب، وكما يحس المسلم أن أخاه يشاركه هذا الفرح الكبير، فكذا يحس بمشاركة أخيه له في آلامه ومواساته له في مصائبه وجراحه.

الوقفة الرابعة:
إن من حكمة الله تعالى تعديد العبادات، وتنويع القربات؛ حتى لا يسأم المسلم، كما أن من العبادات ما يحمل العبد نفسه حملاً عليه كالجهاد في سبيل الله قال الله عز وجل: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ" (البقرة: من الآية216)، ومن العبادات ما تقبل عليه النفس وهي راغبة فيه محبة له كهذه الاحتفالات بالعيد السعيد، ومن فضل الله تعالى أنه يثيب على ما رغبته النفس وسهل عليها من تلك العبادات ويثيب على ما شق عليها وعسر، وهذا من توازن الشريعة واعتدالها وسماحتها فلله الحمد أن هدانا لأحسن دين.

الوقفة الخامسة:
إن من ميزات الإسلام تجديد الوسائل وتنويعها وإيجاد البدائل ومن ذلك تشريع عيد الفطر والأضحى، فعن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: "ما هذان اليومان؟"، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر"(2)، فقد أوجد النبي صلى الله عليه وسلم ليوم عيد الجاهلية الذي ارتبط بحروبها الظالمة وأيامها المظلمة بديلاً بيومين من أيام الإسلام المشرقة، فلئن كان أهل المدينة من قبل الإسلام لهم عيدان ففي الإسلام لهم عيدان ولكن شتان بين عيد الإسلام وعيد الجاهلية، فقد كان احتفالهم بتلكم الأعياد قبل الإسلام احتفالاً بحروب الظلم، وأيام العدوان، فهداهم الإسلام للفرح بمواسم الطاعات، كما هو الحال في عيد الفطر، وبذكرى استجابة أبو الحنفاء لله تعالى واستسلامه له وانتصاره على الشيطان ذلك الانتصار الذي لا يقارن بانتصاراتهم التي كانوا يحتفلون بها، والتي قامت على الشحناء الكراهية، فأبدلهم الله خيراً منها ففي الفطر والأضحى كل معاني العظمة والسمو.

الوقفة السادسة:
إن العيد مناسبة للفرح والاحتفال ولكن بما يرضي الله تعالى، وما أكثر الوسائل التي تسعد القلب وترضي الرب.
إن كثيراً من المسلمين يجعل من يوم عيد الفطر يوم انتقام من الطاعات، فيبدد كل ما حصله في الشهر الكريم من الحسنات في أول ساعات العيد بما يقع فيه من المخالفات، ولسان حاله كما قال من فسد ذوقه:

رمضان ولىّ هاتها يا ساقي
مشتاقة تسعى إلى مشتاق

بالأمس قد كنا سجيني طاعة
واليوم منَّ العيد بالإطلاق

إن العيد ليس لمن لبس الجديد بل العيد لمن خاف يوم الوعيد، وقد سئل أحد السلف عن العيد فقال:"كل يوم لا أعصي الله فيه هو يوم عيد"، يعني فرح، فالعيد لمن أطاع الله تعالى واهتدى بهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" (يونس:58).
إن علامة قبول الله تعالى لطاعات العبد في رمضان أن يستقيم على الهدى بعد رمضان فمن علامة قبول الطاعة الاستقامة والمواصلة في خطها لا الرجوع إلى ما يزيلها يمحو أثرها.

الوقفة السابعة:
إن العيد مناسبة دعوية ينبغي أن يستغلها أهل الدعوة والخير لتنظيم البرامج التي تجمع بين المتعة والفائدة، والتسلية للنفس فيما لا يغضب الرب، فإن من أعظم ما يقطع الطريق أمام الاحتفالات التي يخالف فيها هدي النبي صلى الله عليه وسلم مبادرة الخيرين لتنظيم البرامج التي ينتظم الناس فيها فيَسْلَم لهم عيدهم وتروح نفوسهم ويرضون ربهم، وهذه البرامج التي ينظمها المصلحون في العيد من إيجاد الحلول للواقع الذي فيه كثير من المخالفات المرتبطة بالأعياد، وهو من جملة السياسة الشرعية التي شرعها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

الوقفة الثامنة:
وفي الحديث عن العيد تجدر الإشارة إلى أن المسلم مطالب بأن يظهر محاسن هذا الدين لغير المسلمين وهم ليسوا قلة في بلادنا، فعلينا أن نستغل فرصة العيد لتكون دعوة عملية تحبب غيرنا في ديننا وتدفعهم للدخول فيه، ولما شرع النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة والأمة بعدهم العيد قال: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، وإني أرسلت بحنيفية سمحة"(3)، فليحرص المسلم على إظهار الدين في حلته البهية، ولا يدخر وسعاً في بيان إشراقه، وإزالة ما بأذهان الغافلين من شبهات تخالف حقيقة ما هو عليه.
تقبل الله من الجميع طاعاتهم، وأجزل لهم المثوبة وأعاده الله على أمتنا بالعزة والمنعة.

_____________
(1) رواه البخاري 1/14 (16)، ومسلم 1/66 (43).
(2) رواه أبوداود، 1/364، (1134).
(3) مسند الإمام أحمد 6/116، (24899).

كل عمونتم بجير

العيد الاضحى
2 + 4 =