كلمة في النيّة
1 جمادى الثانية 1427

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
في كل قول وعمل نيتان:
الأولى: تحدد ماهية العمل.
والثانية: هي نية الاحتساب - قصد الصواب - ويقال لها نية الإخلاص.

فمثلاً يريد إنسان أن يصلي، فلابد له من نيتان الأولى تحدد ماذا سيصلي، فرض أم نفل، وإن كان فرضاً فأي فرض ظهر أم عصر أم مغرب(1)؟ وإن كان نفلاً فوتراً أم راتبة أم قيامُ ليل...؟ وهكذا.

وإن كان صوما تحدد أي صوم هو؟ فرض أم نفل؟ وإن كان نفلاً فاثنين وخميس أم من الثلاثة البيض أم عاشوراء؟ وهكذا.
وقل مثل ذلك في باقي الأشياء.

هذه هي النيّة الأولى... تُميز العمل.
والنية الثانية هي نية الإخلاص. هي التي يتوقف عليها أجر العامل، وصحة عمله من بطلانه، وقبوله من رده (فكم من شخصين يصليان خلف إمام واحد وصفٍ واحد وبينهم كما بين السماء والأرض بالنية)(2).

يقول شيخ الإسلام بن تيمية: (العبد قد يأتي بالحسنة بنية وصدق وإخلاص تكون أعظم من أضعافها. كما في حديث صاحب البطاقة الذي رجحت بطاقته التي فيها: "لا إله إلا الله" بالسجلات التي فيها ذنوبه. وكما في حديث البغي التي سقت كلبا بموقها(3) فغفر الله لها. وكذلك في السيئات)(4).
ولم يَنَلْ مهاجر أم قيّس شيئا من هجرته مع أنه أتى بالوصف الظاهر للهجرة تماما كغيره، ذلك لتخلف النية الثانية وهي قصد الثواب... نية الاحتساب والمتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد هاجر للزواج من أم قيس ولم يهاجر لله ورسوله.
وبهذا يفهم قول السلف (إن الأعمال تتفاضل بما في القلوب). وقول بعضهم عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (ما فضلهم بصلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه).

والحاصل أن مع كل عمل سؤالان:
الأول: ماذا أعمل؟
والثاني: لماذا أعمل هذا العمل؟
فعلى كل عامل أن يستحضر الاحتساب - طلب الأجر - وأن يستحضر المتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يقول ويفعل. فيكون مخلصا لله في عمله متبعا للنبي - صلى الله عليه وسلم-.

فائدة: قد تستقل النية الثانية.

النية وحدها قد تكون عبادة يثاب المرء عليها أو يعاقب دون أن يأتي بعمل، وذلك إذا كانت عزماً - وليس مجرد هَمّ - وعَجَزَ صاحبها عن الفعل، فهو يثاب بنيته أو يعاقب(5). دليل ذلك ما ورد في حديث أبي كبشة الأنماري " إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ"(6).
والشاهد أن (أجر من عقد العزم على أنه لو كان له مال أنفق منه في الخير وأجر من له مال ينفق منه سواء )(7).
وعند البخاري من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه – "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ"(8).

يقول شيخ الإسلام بن تيمية معلقا على الحديثين: (بهذا يظهر معنى قوله - صلى الله عليه وسلم-: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" فإن المقتول أراد قتل صاحبه فعمل ما يقدر عليه من القتال وعجز عن حصول المراد وكذلك الذي قال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان فإنه أراد فعل ما يقدر عليه وهو الكلام)(9).

_______________
(1) من العلماء من قال بأنه تجزئ الفرد نية فرض الوقت دون أن يحدد.
(2) من قول بن عثيمين - رحمه الله - في بعض فتاويه.
(3) الموق هو الخف. كلمة فارسية معربة.انظر لسان العرب 10/350. وعند أبي داود في كتاب الطهارة / 131 من حديث بلال رضي الله عنه عن صفة وضوء النبي ـ صلى الله عليه وسلم- قال: (كَانَ يَخْرُجُ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ) أي خفية.
(4) الفتاوى 11/ 660 ط. مجمع الملك فهد.
(5) اعترض بعضهم على هذا بما جاء في الصَّحِيحَيْنِ { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ } وبما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ {: إذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةِ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً ; فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً ; فَإِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّائِي }.
(والفصل في ذلك أن يقال: فرق بين الهم والإرادة " فالهم " قد لا يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة فهذا لا عقوبة فيه بحال بل إن تركه لله كما ترك يوسف همَّه أثيب على ذلك كما أثيب يوسف، ولهذا قال أحمد: الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار ). انظر الفتاوى ج 7 / 526.
فالكلام في النص أعلاه على الإرادة الجازمة التي لا يملك صاحبها شيء من الأسباب وإن ملك هذه الأسباب نفذ ما عزم عليه. وراجع إن شئت ما كتب شيخ الإسلام في ذلك في الفتاوى ج 10 / 736.
(6) سنن الترمذي كتاب الزهد / 2247، واللفظ له، وعند بن ماجه.كتاب الزهد / 4218، وعند أحمد في مسند الشاميين / 17339.
(7) راجع شرح الحديث في تحفة الأحوذي
(8) البخاري كتاب الإيمان / 30
(9) الفتاوى. ج 7 / 526.

سبحان الله

يا رب
3 + 14 =