التأدب مع العلماء من شيم النبلاء
14 رجب 1427

لقد اعتنى الإسلام عناية فائقة بالعلماء، وجعل لهم المكانة العالية، والمنزلة الرفيعة، وأمر بطاعتهم فيما أمر الله _تعالى_ به، فقال - عز وجل-:" يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم". وأولو الأمر هنا هم العلماء والأمراء.
و من المعلوم لكل مسلم أن المسلمين على مدى العصور الماضية - وحتى عصرنا الحاضر - يقدرون علمائهم، ويجلونهم ويحترمونهم، ويأخذون العلم عنهم، ويتأدبون عند سؤالهم أو طلب العلم على أيديهم. ولا يزال أهل العلم - قديماً وحديثاً - يؤكدون على التأدب مع العلماء والسمع لهم؛ وقد بوب الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحة بقوله: {باب الإنصات للعلماء}. ثم أورد قول الصحابي الجليل جرير بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه - الذي ذكر فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال له في حجة الوداع:{استنصت الناس. فقال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض} قال ابن حجر - رحمه الله- مبيناً أهمية التأدب مع العلماء والاستحياء منهم: {وقد تقدم أن الحياء من الإيمان، وهو: الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر، وهو محمود؛ وأما ما يقع سبباً لترك أمر شرعي، فهو مذموم، وليس بحياء شرعي؛ وإنما هو ضعف ومهانة}. وكان السلف - رحمهم الله- يحرصون على إجلال العلماء وتوقيرهم ويدل على هذا ما أخرجه عبدالرزاق في مصنفه عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه طاووس، قال: {من السنة أن يوقر أربعة: العالم وذو الشيبة والسلطان والوالد}.
وهاهو الصحابي الجليل عبدالله ابن عباس - رضي الله عنهما- يجل ويقدر زيد بن ثابت - رضي الله عنه- مع أن زيداً كان مولى، وابن عباس هو ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. قال الشعبي: {صلى زيد بن ثابت على جنازة، ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس - رضي الله عنه- فأخذ بركابه، فقال له زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال ابن عباس: هكذا يفعل بالعلماء والكبراء}. قال ابن عبدالبر أنشدني يوسف بن هارون بنفسه في قصيدة له:

وأجلّه في كل عين علمــــه
وكذلك العلماء كالخلفاء iiعند






فيرى له الإجلال كل iiجليلِ
الناس في التعظيم iiوالتبجيل




وعلى قدر ما كان السلف الصالح - رضي الله عنهم- يحرصون على أخذ العلم عن العلماء، فقد كانوا يحرصون على إجلال العلماء وتقديرهم والتأدب معهم ومعرفة قدرهم، وكانوا يوصون طلاب العلم بذلك. قال عبيدالله بن جعفر: {العلماء منار البلاد منهم يقتبس النور الذي يهتدى به}. وقال الحسين بن علي -رضي الله عنهما- لابنه: { يا بني إذا جالست العلماء، فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الصمت، و لا تقطع على أحد حديثاً وإن طال حتى يمسك}.

فخالط رواة العلم واصحب خيارهم
ولاتعدوا عيناك عنهم فإنهــــــــم
فوالله لولا العلم ما اتضح iiالهـــــدى





فصحبتهم زين وخلطتهم غُنم
نجوم إذا ماغاب نجم بدا iiنجم
ولا لاح من غيب الأمور لنا iiرسم



ومن التأدب مع العلماء إضافة إلى الإنصات عندما يتحدثون وعدم مقاطعتهم: أن يتأدب السائل في عبارته عند سؤاله للعالم، فيقول أحسن الله إليك، أو يقول عظّم الله أجرك ما حكم كذا، أو أشكل عليّ كذا، وهذا بلا شك من التواضع للعالم والتقدير له، قال الشعبي: {جالسوا العلماء فإنكم إن أحسنتم حمدوكم، وإن أسأتم تأولوا لكم وعذروكم، وإن أخطأتم لم يعنفوكم، وإن شهدوا لكم نفعوكم}. وقال الخليل بن أحمد: {إذا علمت عاقلاً علماً حمدك، وإن علمت جاهلاً ذمك ومقتك، وما يتعلم مستح ولا متكبر قط}. فالمسلمون عامة - وطلبة العلم خاصة- لابد أن يكونوا عقلاء حامدين للعلماء، آخذين عنهم مستفيدين من علمهم، وشاهدين لهم بالعلم والفضل. قال ابن جماعة الكناني- في كتابه تذكرة السامع والمتكلم في أدب العلم والمتعلم- متحدثاً عن أدب طالب العلم مع شيخه: { أن ينظر إلى الشيخ بعين الإجلال؛ فإن ذلك أقرب إلى نفعه به. وقال الإمام الشافعي -رحمه الله- :كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحاً رفيقاً هيبة له، لئلا يسمع وقعها. وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليّ هيبة له. وينبغي أن لا يخاطب شيخه بتاء الخطاب وكافه - أي كاف الخطاب- ولا يناديه من بُعد، يقول يا سيدي ويا أستاذي. وقال الخطيب: يقول أيها العالم وأيها الحافظ ونحو ذلك، وما تقولون في كذا وما رأيكم في كذا وشبه ذلك، ولا يسميه في غيبته أيضاً باسمه إلا مقروناً بما يشعر بتعظيمه، كقول قال الشيخ أو الأستاذ}. فهل تأدبنا مع علمائنا الأجلاّء -أيها النبلاء- أسوة بسلفنا الصالح -رضي الله عنهم ورحمهم- فعنهم أخذنا العلم، وبهم بلَغنا دين الله تعالى، رحم الله من مات منهم، وحفظ الأحياء، وبارك لنا في علمهم، وأمد في أعمارهم، وجزاهم عنا وعن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- أفضل الجزاء وأوفاه، وصلى الله على خير عباد الله ورسوله ومصطفاه محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه.

2 + 6 =