نماذج من اعتبار فقهاء الشريعة للسياسة الشرعية (3)

اعتبار الفقهاء للسِّيَاسة الشَّرعيَّة (3)

هـ – أمثلة لما جاء من السياسة في فقه أهل العصر :
وهي كثيرة جدا ، يمكن الباحث تمييزها بالنظر في تعريف السياسة الشرعية وتطبيقه عليها – وسأقتصر منها هنا على مثالين جمعا رأي جمع من كبار علماء العصر :

- أولهما قرار فتوى نظرية ، جاءت في قرار من المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة مدعما بقرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ، ونصه :
" الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، سيدنا ونبينا محمد أما بعد : فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي ، قد نظر في الكتاب الوارد إلى الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي ، من معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في الأردن الأستاذ كامل الشريف، والبحث المقدم من معاليه إلى مجلس الوزراء الأردني بعنوان "الأرقام العربية من الناحية التاريخية" ، والمتضمن أن هناك نظرية تشيع بين بعض المثقفين، مفادها أن الأرقام العربية في رسمها الراهن (1-2-3-4-الخ) هي أرقام هندية ، وأن الأرقام الأوروبية (..etc , 1,2,3,4). هي الأرقام العربية الأصلية، ويقودهم هذا الاستنتاج إلى خطوة أخرى ، هي الدعوة إلى اعتماد الأرقام في رسمها الأوربي في البلاد العربية ، داعمين هذا المطلب، بأن الأرقام الأوروبية أصبحت وسيلة للتعامل الحسابي مع الدول والمؤسسات الأجنبية ، التي باتت تملك نفوذًا واسعًا في المجالات الاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية، وأن ظهور أنواع الآلات الحسابية و (الكمبيوتر) التي لا تستخدم إلا هذه الأرقام يجعل اعتماد رسم الأرقام الأوروبية في البلاد العربية أمرًا مرغوبًا فيه، إن لم يكن شيئًا محتومًا لا يمكن تفاديه .
ونظر أيضًا فيما تضمنه البحث المذكور، من بيان للجذور التاريخية لرسم الأرقام العربية والأوربية.
واطلع المجلس أيضًا، على قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، في دورته الحادية والعشرين، المنعقدة في مدينة الرياض مابين 17-28 من شهر ربيع الآخر عام 1403هـ في هذا الموضوع والمتضمن أنه لا يجوز تغيير رسم الأرقام العربية المستعملة حاليًّا إلى رسم الأرقام المستعملة في العالم الغربي للأسباب التالية :
أولاً: أنه لم يثبت ما ذكره دعاة التغيير، من أن الأرقام المستعملة في الغرب هي الأرقام العربية، بل إن المعروف غير ذلك، والواقع يشهد له . كما أن مضي القرون الطويلة، على استعمال الأرقام الحالية في مختلف الأحوال والمجالات، يجعلها أرقامًا عربية، وقد وردت في اللغة العربية كلمات لم تكن في أصولها عربية، وباستعمالها أصحبت من اللغة العربية، حتى إنه وجد شيء منها في كلمات القرآن الكريم (وهي التي توصف بأنها كلمات معرَّبة).
ثانيًا: أن الفكرة لها نتائج سيئة وآثار ضارة ، فهي خطوة من خطوات التغريب للمجتمع الإسلامي تدريجيًّا ، يدل علـى ذلك ما ورد في الفقرة الرابعة من التقرير المرفق بالمعاملة ، ونصها : (صدرت وثيقة من وزراء الإعلام في الكويت تفيد بضرورة تعميم الأرقام المستخدمة في أوربا، لأسباب أساسها وجوب التركيز على دواعي الوحدة الثقافية والعلمية، وحتى السياحية على الصعيد العالمي).
ثالثًا: أنها (أي هذه الفكرة)، ستكون ممهدة لتغيير الحروف العربية، واستعمال الحروف اللاتينية، بدل العربية، ولو على المدى البعيد.
رابعًا: أنها (أيضًا) مظهر من مظاهر التقليد للغرب واستحسان طرائقه.
خامسًا: أن جميع المصاحف والتفاسير، والمعاجم، والكتب المؤلفة كلها تستعمل الأرقام الحالية في ترقيمها، أو في الإشارة إلى المراجع، وهي ثروة عظيمة هائلة، وفي استعمال الأرقام الإفرنجية الحالية (عوضًا عنها) ما يجعل الأجيال القادمة، لا تستفيد من ذلك التراث بسهولة ويسر.
سادسًا: ليس من الضروري متابعة بعض البلاد العربية، التي درجت على استعمال رسم الأرقام الأوربية، فإن كثيرًا من تلك البلاد قد عطلت ما هو أعظم من هذا وأهم ، وهو تحكيم شريعة الله كلها، مصدر العز والسيادة، والسعادة في الدنيا والآخرة، فليس عملها حجة.
وفي ضوء ما تقدم يقرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي ما يلي:
أولاً : التأكيد على مضمون القرار الصادر عن مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في هذا الموضوع والمذكور آنفًا، والمتضمن عدم جواز تغيير رسم الأرقام العربية المستعملة حاليًّا، برسم الأرقام الأوربية المستعملة في العالم الغربي للأسباب المبينة في القرار المذكور.
ثانيًا: عدم جواز قبول الرأي القائل بتعميم رسم الأرقام المستخدمة في أوربا بالحجة التي استند إليها من قال ذلك، وذلك أن الأمة لا ينبغي أن تدع ما اصطلحت عليه قرونًا طويلة، لمصلحة ظاهرة وتتخلى عنه تبعًا لغيرها.
ثالثًا: تنبيه ولاة الأمور في البلاد العربية، إلى خطورة هذا الأمر، والحيلولة دون الوقوع في شرك هذه الفكرة الخطيرة العواقب على التراث العربي والإسلامي.
والله ولي التوفيـق. وصـلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم "( توقيع الرئيس ونائبه والأعضاء )(1) .

- وثاني المثالين اللذين رأيت الاقتصار عليهما : تطبيق عملي ، وهذا نصه :
" الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، سيدنا ونبينا محمد أما بعد : فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي ، قد نظر في جلسته الأولى من صباح يوم الأحد 9/4/1403 هـ في موضوع انتخاب رئيس للمجلس ، خلفا لسماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد – رحمه الله – وبناء على ما ورد في المادة الرابعة من نظام المجمع الفقهي الإسلامي ، والذي جاء فيها : " يتم انتخاب الرئيس من قبل مجلس المجمع بأكثريته المطلقة " . وعليه فقد قرر المجلس بالاتفاق أن يكون صاحب السماحة معالي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيسا لمجلس المجمع الفقهي الإسلامي . والله ولي التوفيق ، وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم " ( توقيع الرئيس ونائبه والأعضاء )(2).

وبهذا يتبين أنَّ الفقهاء يعتبرون العمل بالسياسة الشرعية في الجملة ؛ وإن اختلفوا في العمل بها بين موسِّعٍ ومضيِّق ؛ ولهذا قال أبو الوفاء ابن عقيل : " ولا يخلو من القول به إمام " (3) .
وللحديث في اعتبار السياسة عند الفقهاء بقية أستكملها في الحلقة التالية إن شاء الله تعالى .
----------------------
(1) القرار الثالث للدورة السابعة المنعقدة من يوم 11/16 1404هـ .
(2)القرار الأول من الدورة السادسة سنة 1403هـ .
(3)( ) الطرق الحكمية : 14 ؛ وإعلام الموقعين ، لابن القيم : 4/451 .

التعليقات

باسم الله الرحمان الرحيم إن الكلام عن السياسة الشرعية لا يخلو من تاصيل اصول و تجريح علوم و النظر في رجال و احزاب من هذا و غيره ....أقول بان السياسة الشرعية مبنية على اصول الدين و فروعه لا تخرج عنها...و كل خروج عن تعاليم الدين هو سياسة غريبة غربية لا اصل لها في الدين....وهذا ما يسمى بتقوى الله تعالى ....كلنا يسعى للإستقامة و النصر الا اننا لن ننجح بالتحزب و التشتت و الافتراق و الصراع حول المناصب و الشهرة.....لا تحزب في الدين.....المعيار العلمي للقيادة و الحكم هو العلم ...وكل في مجاله.......

تعني - بارك الله فيك- استعمال طريق الانتخاب، لاتخاذ القرارات، والأخذ بقول الأكثرية، ويمكن أن يستأنس بحديث مشاورة النبي &#61554; للصحابة في الخروج يوم أحد، وتنفيذه لرأي الأكثرية. رواه الحاكم في مستدركه 2/128، 129، 296، 297، وصححه، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في الدلائل 3/204، وقال الدكتور مهدي رزق الله في كتابه: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية: إسناده حسن.<BR>إلا أن اتجاه المجمع انتقد من قبل الدكتور رفيق يونس المصري( مقال: الاجتهاد الجماعي قد يكون لوثة ديموقراطية - منشور في المجموع في الاقتصاد الإسلامي ص 19)، ويلخص رؤيته بقوله: في الديموقراطية يميل الناس إلى قوة العدد، وفي الإسلام يميل الناس إلى قوة الدليل.<BR>ومع علمي بأن ما نقلتم لا يمثل اجتهادا فقهيا، ولكن المادة المشار إليها هي التي يستند إليها في اتخاذ القرارات.<BR>ولست معترضا، بل أنا مسترشد فقط، لأنني أجد كثيرا من مفرادات بعض المجتهدين أكثر إقناعا من قول الجمهور، فهل في رأيك أن الأجدى أن تذكر الأقوال كلها، وأن الأكثرية يرون كذا؟<BR>وأشكر لك رحابة صدرك.<br>

أخي الكريم أبا سعد من السعودية سلمه الله<BR><BR>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فأشكرك كثيرا على هذا الإثراء العلمي القيم .. وأما المثال فيتجلى في سن نظام للمجمع يرجع إليه في تراتيب العمل شكلا وموضوعا ، ثم العمل بمقتضى ذلك النظام باتفاق أعضائه من علماء العصر ، وهو أمر مصلحي لم يرد به نص تفصيلي خاص ، وصدر من أهل الولاية على المجمع وفيه .<BR>وأما ما ذكرتم ، فللأكثرية في الإسلام اعتبار ما دامت في إطار الاجتهاد السائغ ولا سيما مع عدم ظهور مرجح آخر ، ورأي الأكثر من أهل الرأي فيما يسوغ فيه الرأي يختلف اختلافا كبيرا عن النظرة الديموقراطية التي تمنح رأيا لمن لا رأي له ، كما تجعل من الجماعة مشرعا وإن خالف المألوف فضلا عن المشروع فشتان بين الأمرين ففي الإسلام لا قيمة لرأي يعارض نصا مهما كان عدد القائلين به ، ولا يخفاكم أن من القواعد المقررة أنه لا عبرة بالاجتهاد في مورد النص .<BR><BR>وسيأتي إن شاء الله تعالى التفريق التفصيلي بين أهل الرأي في الإسلام وأهل الرأي في المجالس التقنينية الوضعية .<BR><BR> وقد تناول العلماء والباحثون الفروق بين الأكثرية التي جاء تطبيقها سياسيا ودستوريا في صنيع الفاروق مع الستة لترشيح خليفته وحدد لهم وقتا يجب أن يستقر فيه رأيهم حتى لا تقع الأمة في فراغ سياسي رئاسي ، ومن ثم تحل الفتن بها .<BR><BR>ومن المباحث الأصولية القيمة في الباب ما كتبه الأستاذ أحمد الريسوني في الفصل الثاني من الباب الثالث من كتابه : ( نظرية التقريب والتغليب وتطبيقاتها في العلوم الإسلامية ) ص : 395-454 ، وهي من أجود ما كتب من أهل التخصص .<BR><BR>وأما قولك : فهل في رأيك أن الأجدى أن تذكر الأقوال كلها، وأن الأكثرية يرون كذا؟<BR><BR>السياسة العملية المعنية لا بد فيها من قرار ، ومسألة تحفظ بعض أهل الرأي على القرار هو من الناحية النظرية ، ولذلك فمقتض السياسة تطبيق القرار بغض النظر عن الرأي المخالف ، وذكر المخالف إنما يكون مهما من الناحية العلمية لمعرفة مأخذ الاعتراض عنده ، وهو أمر يدون للإفادة منه في جوانب منها هذا ومنها حفظ الرأي لصاحبه وما يترتب عليه من ناحية التنظيم تعديلا وتبديلا .<BR><br>

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
10 + 6 =