التوبة النَّصوح
8 رمضان 1428

(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران:135).
لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان، وأودع في نفسه الاستعداد للصلاح من جهة، وللفساد من جهةٍ ثانية، ثم دلّه على طريق الخير، وحذّره من طريق الشرّ، فدعاه إلى تزكية نفسه وتنقيتها وإبقائها متوهّجةً لفعل الخير، مستعدّةً للعمل الصالح، متحفّزةً لرفض كل شرٍّ أو فساد!..

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس:7-10).
لاحظوا كيف ربطت الآيات الكريمات: الفلاح بالتزكية والطاعة، والخيبة والفشل والخسران بالغواية والإضلال!.. أي: تزكية النفس لا يمكن إلا أن تؤدي إلى النجاح والفلاح، وإضلالها وإغواؤها لا يمكن إلا أن يؤديا إلى الخيبة والخسران!..
لكن هل يبقى الخائب خائباً؟!.. ألا من حلٍ له يستطيع به أن يعودَ إلى طريق الخير والفلاح بعد الإمعان في طريق الضلال والخسران؟!.. الحل أو العلاج هو: التوبة!..

التوبة تعني: الرجوع، والمقصود بها هنا الرجوع إلى الله عز وجل بعد ابتعادٍ عنه، أو بعد معصيةٍ أو خطيئة.. فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
(كلُّ ابن آدم خطّاءٌ .. وخير الخطّائين التوّابون) (الترمذي) .. وكذلك قوله:
(إنّ الله يبسطُ يَدَهُ بالليل ليتوبَ مسيءُ النهار، ويبسطُ يَدَهُ بالنهار ليتوبَ مسيءُ الليل، حتى تَطْلُعَ الشمسُ من مَغربها) (مسلم).

لنتدبّر بالآية التي بدأنا بها: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً..)، فماذا نستنتج؟!..
1- الفاحشة أو الغواية تُبعِد الإنسان عن طريق الله عز وجل.
2- ارتكاب الفاحشة يؤدي إلى الظلم.
3- التوبة تعيد الإنسان إلى صوابه وإلى طريق الخير، فينتهي الظلم.
4- الله وحده هو الذي يغفر الذنوب ويقبل التوبة.
5- قبول التوبة مشروط بعدم الإصرار على فعل الشرّ.

كيف تكون التوبة؟!.. وما شروطها؟!..
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التحريم:8).
فالمطلوب إذاً: التوبة النَصوح!.. فما التوبة النصوح؟!..
يقول ابن كثير رحمه الله: (التوبة النَصوح أن تَبْغُضَ الذنبَ كما أحببتَه، وأن تستغفرَ منه كلما ذكرتَه)!.. ويقول الفاروق عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: (.. أن يتوبَ الرجلُ من العمل السيّئ، ثم لا يعود إليه أبداً)!..

على هذا، فالتوبة النصوح (أي: الصادقة الخالصة لله عز وجل) هي التي تحقق الشروط التالية كلها:
1- الإقلاع عن الذنب أو المعصية.
2- الندم والحسرة على ما مضى من تفريطٍ بسبب المعصية.
3- ردّ الحقوق إلى أصحابها إن وجدت.
4- العزم على عدم العودة إلى الذنب أو المعصية، ومعاهدة الله عز وجل على ذلك.

ضمان استمرار التوبة:
لا بد لاستمرار التوبة، والاستقرار على طريق الفلاح من توافر بعض الأمور المساعدة، منها:
1- البيئة الصالحة التي تُعينُ على طاعة الله عز وجل، وخير بيئةٍ لذلك هي البيئة الصالحة للبيت، والصديق أو الصاحب الصالح.
2- الحرص على اغتنام الوقت قبل أن يمضيَ العمر كله، وإشغال النفس بالطاعات:
(اغتنم خمساً قبل خمس: شبابكَ قبل هرمك، وصحّتكَ قبل سَقَمِك، وغِناكَ قبل فقرك، وفراغكَ قبل شُغلِك، وحياتكَ قبل مماتك) (ابن أبي الدنيا، حديث حسن).
3- الحرص على ألا تكون صلتنا بالله عز وجل.. صلة مواسم، فطاعة الله ليست موقوفةً على رمضان أو يوم الجمعة أو ما شابه.. وخير سبيلٍ لتحقيق ذلك، هو ذكر الموت والحساب والقيامة باستمرار، فهذا مما يجعل صلتنا بالله دائمةً في كل نهارٍ وليلٍ وساعة!.. وقد (سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ المؤمنين أكيس؟.. قال: أكثرهم للموت ذِكراً، وأحسنهم لما بعده استعداداً.. أولئك الأكياس) (ابن ماجة).
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من التوّابين.

1 + 7 =
محمد بن عثيمين رحمه الله
د. عبد الرحمن بن عوض القرني
د. ماھر الحولي و أ. سالم أبو مخدة
د. خالد بن سليمان المهنا