19 جمادى الأول 1439

السؤال

 ما هو الفرق بين التدبر والتفسير، وما هي الطرق العلمية الصحيحة لتدبر كتاب الله، وكيف أعرف أن تدبري لآية معينة من كتاب الله صحيح؟

أجاب عنها:
د. عمر بن عبد الله المقبل

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
ففي البداية لا بد من بيان أن التدبر هو غير التفسير،  وهذا أمر مهم، لأن هناك من المعاصرين من استعمل التدبر علي سبيل المرادفة للتفسير، وهو غير صحيح.
فالتفسير: من الفَسْرِ وهو: الكشف والبيان، وشرح للمعنى، ولذلك سمي بيان كتاب الله تفسيرًا؛ لأنه يكشف اللثام عن معانيه اللغوية والسياقية والشرعية، باستعمال قواعد التفسير المعروفة عند أهله، وهذا هو علم التفسير.
وبينما التدبر اتعاظ بالمعنى، واعتبار به وتذكر، وبينهما فرق، فالتدبر إدراك مغزى الآيات ومقاصدها، واستخراج دلالاتها وهداياتها، والتفاعل معها، واعتقاد ما دلت عليه وامتثاله.
والتفسير يغذي القوة العلمية، بينما التدبر يغذي القوة العلمية والإيمانية والعملية، والتدبر أُمِر به عامة الناس للانتفاع بالقرآن والاهتداء به، ولذلك خوطب به ابتداءً الكفار في آيات التدبر، قال تعالى: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، والناس فيه درجات بحسب رسوخ العلم والإيمان وقوة التفاعل والتأثر .....
فتدبر القرآن مطلوب من كل أحد من البشر، لأنه الكتاب الذي أنزل إليهم لهدايتهم وإرشادهم إلى خير دنياهم وآخرتهم، ولذلك حضهم ربهم سبحانه على ذلك قائلاً: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، وتدبر كتاب الله ميسر لكل أحد، ومصداق ذلك قوله سبحانه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر:17]، قال الطبري رحمه الله في تفسيرها: "ولقد سهلنا القرآن، بيناه وفصلناه للذكر لمن أراد أن يتذكر ويعتبر ويتعظ، وهوّناه... فهل من معتبر متعظ يتذكر بما فيه من العبر والذكر؟".([1])
وأما التفسير فمأمور به بحسب الحاجة إليه لفهم كتاب الله تعالى بحسب الطاقة البشرية، ولذا فإن الناس فيه درجات، وكما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه في أنواع التفسير أنه فقال: "وجهٌ تعرفه العربُ من كلامها، وتفسير لاَ يُعذر أحدٌ بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره".([2])، فالتدبر هو غاية لأنه باعث على الامتثال والعمل، وأما التفسير فهو وسيلة للتدبر.
إذًا هناك فرق بين تدبر القرآن والاعتبار به والاتعاظ، وبين تفسيره، وبيان مراد الله من آياته على وجه التفصيل، فهذا لا يكون إلا ممن استوفى علومًا تجعله يستقل بنفسه في معرفة مرامي النصوص ودلالتها، ومن هذه العلوم معرفة قواعد التفسير وعلوم اللغة العربية، ومعرفة مطلق القرآن ومقيده، ومنطوقه ومفهومه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومجمله ومبينه، وناسخه ومنسوخه، ومعرفة أسباب وأماكن نزوله، ومعرفة الأحاديث والآثار المتعلقة بتفسيره... وغيرها من العلوم التي لابد من توفرها في مفسر القرآن، ومن لم يتيسر له ذلك، فليرجع إلى تفاسير أهل العلم المعتبرين ينقل عنهم ويستفيد منهم، فقد كفوه المؤونة، وهذا مما يساعد المكلف على تدبر آيات الله، ويطمئنه أنه قد فهم القرآن فهمًا صحيحًا لم يخرج فيه عن جادة أهل العلم والفضل من سلف الأمة الصالح رحمهم الله، هذا والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
-----------
[1]- جامع البيان في تأويل القرآن (22/ 584).
[2]- جامع البيان في تأويل القرآن (1/ 75).

د. خالد بن سليمان المهنا
د. محمد بن إبراهيم الحمد
د. عمر بن عبد الله المقبل
د. خالد بن سليمان المهنا
عبد الله بن عبد اللطيف الحميدي
د. خالد رُوشه
د. خالد رُوشه
أ. د . ناصر بن سليمان العمر
د. خالد رُوشه