حب الشباب
10 شعبان 1430
د . ديمة طارق طهبوب

تُرشدنا كتب التربية و علم النفس الى كيفية التعامل مع أسئلة الأطفال المحرجة دينيا و اجتماعيا كشاكلة : أين الله، و لماذا لا نراه، و كيف وُلدت و من أتيت؟ ، و تتراوح طرق الإجابة بين التوضيح المبسط ، أو التعنيف على السؤال ، أو الانكار، أو السكوت، و هي من أحسنها الى أسوئها تنفع في تسكيت الأطفال أو اقناعهم اذ لا تجربة و لا خبرة و لا آراء شخصية أو شخصيات مستقلة لديهم تجعلهم يرفضون ما يُقال لهم

 

أما التعامل مع الشباب بنفس منطق التبسيط أو التجاهل أو العسف فهو ما أوجد الفجوة بين الأمهات و الآباء و أولادهم الشباب، و هو ما جعل الشباب ينعتون كبارهم بالعقليات المتحجرة و التشدد و "الدقة القديمة"..

 و من بين المواضيع الشائكة التي نحجم بأجيالنا المختلفة عن الخوض فيها موضوع " الحب " ، بالرغم أن كل المؤثرات الخارجية التي يتعرض لها الشباب اليوم تعظم من شأن العاطفة و الغريزة و القلب و الشهوات و الجسد فوق اي اعتبارات حياتية اخرى، و من يهتمون قليلا برأي الدين و العادات و الثقافة يبررون أن الحب ليس حراما في الاسلام ، و هذا مما لا خلاف على صحته ، و لكن ليس على إطلاقه و بدون قيود تكفل حفظه طاهرا ينتسب الى الحب الأعظم بمحبة الله و ما تمليه هذه المحبة من حقوق و واجبات و مسؤولية، و ليس هذا موقف الاسلام فحسب، بل جميع الحضارات الانسانية تجد في المبالغة في الحب دون ترخيص حمقا و سفاهة، فنجد أفلاطون يقول" العشق حركة النفس الفارغة" بينما يقول أرسطو" العشق عمى الحس عن إدراك العيوب، و هو جهل عارض صادف قلبا فارغا لا شغل له من تجارة و لا صناعة و لا علم"

و نجد الشابات يبررن حسن النوايا لدى الشباب، و أن هذه العلاقات بريئة طاهرة لا يشوبها شائبة سوء او تجاوز سوى تبادل للمشاعر الرقيقة و مقصدها الى الزواج، و لنفترض أن هذا صحيح، و أن ليس كل الشباب يرتبطون بعلاقات لريبة في نفوسهم أو سلوكهم، و قد يكون قصدهم شريفا، و لكن هل نضمن تحول الأيام و تحول القلوب؟

و كم من فتيات ارتبطن عاطفيا بشباب و لم يُكتب لحبهم أن يكتمل بالزواج بسبب صعوبات المجتمع، أو رفض الأهل، أو الأحوال المادية، فماذا كانت النتائج؟ الأ تترك هذه التجارب الفاشلة شرخا في النفس و القلب يطول علاجه؟

لقد أراد الله الخالق العليم أن تبقى قلوبنا صافية من الكدر و الهم و الغم و كسر الخاطر و النفس، لقد أراد سبحانه أن يبقى قلب الأنثى كالجوهرة لا يستحقها الا صاحب النصيب و الفضل،فتكون التجربة الأولى و الأخيرة، و يكون للحب طعمه و ألقه و كأنه لم يُوجد الا ليكون بينها و بين زوجها دون سابق مقارنات و حسرات على حب رومانسي ماضِ جاد به شاب حالم خال من الهموم و المسؤوليات يأخذ مصروف جيبه من ولي أمره لا يشغله شيء سوى وصف الحبيبة و الجلوس تحت الأشجار و التنزه بين الورود

و كذلك الأمر للشاب أراد الله لقلبه أن لا يشرّق و يغرّب في ملاعب الحسن و الشهوة حتى اذا ما جاء النصيب رأى زوجته أجمل النساء و أودهن و أكفأهن دون حسرة على ما لم يطله في سالف الزمان أو تطلع الى قادم يعصف بحياته و استقرارها

و على عكس ما أُثر من مجمل أشعار العرب و قصص المحبين، فإن المحبة حتى في زمانهم كانت تعف عن فعل المنكر، و ما كان من تعريض الشعراء سوى الكلام، فقد قيل لبثينة في مرض جميل: هذا جميل لما به فهل عندك من حيلة تنفسين بها عنه؟ فقالت: ما عندي أكثر من البكاء الى أن ألقاه في الدار الآخرة، أو زيارته و هو ميت تحت الثرى، و قيل لعتبة بعد موت عاشقها: ما كان يضرك لو أمتعتيه بوجهك؟ قالت: منعني من ذلك خوف العار، و شماتة الجار، و مخافة الجبار، و ان بقلبي أضعاف ما بقلبه غير اني أجد ستره أبقى للمودة، و أحمد للعاقبة، و أطوع للرب، و أخف للذنب

هذا مع افتراض حسن النوايا لدى الشباب، فكيف اذا كان الخوض في مستنقع العلاقات تسلية و قضاء للوطر و تلاعب بالفتيات دون تحمل للتبعات؟ أما الشبوبيّة و إثبات الرجولة فمختبرها الحق في حفظ الأعراض و الترفع عن اللذات، و في هذا قال الإمام أحمد: الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى

بحاجة نحن الى فتح حوار صريح في المواضيع الشائكة مع شبابنا لتبادل الخبرات و وجهات النظر، للوقوف على مشاكلهم و محاولة فهمهم، لا مجرد الاصفاء بإذن صماء و قلب أعمى يرى في زمان الآباء الطريق الوحيد الواجب الاتباع، اذا لم يستمع الآباء و الأمهات و المربون الى أولادهم فسيجدون من يبثونه شكواهم و همومهم من غير ذوي الأهلية الدينية و الأخلاقية فيكون ما لا يُحمد عقباه

لا ننكر الحب عليكم أيها الشباب، فقد كنا شبابا مثلكم يوما ما، و لكن لا تنكروا علينا حرصنا عليكم و أننا نراكم الثروة الأعظم في مجتمعاتنا، لا تنكروا علينا أننا نريد لكم حبا عفيفا يسلك دروبا واضحة و طرقا شرعية بلا مواربة و لا اختفاء في الأزقة المظلمة عن الأعين، الحب الذي ينشأ و يكبر و يكتمل في النور، مُباركا في ذاته، مُباركا من الناس و رب الناس

لا تعليق

الكاتبة الدكتورة لك كل التقدير على كتاباتك وجزاك الله خيراً

قيل لعتبة بعد موت عاشقها: ما كان يضرك لو أمتعتيه بوجهك؟ قالت: منعني من ذلك خوف العار، و شماتة الجار، و مخافة الجبار، و ان بقلبي أضعاف ما بقلبه غير اني أجد ستره أبقى للمودة، و أحمد للعاقبة، و أطوع للرب، و أخف للذنب كم جميل لو كانت كل البنات بهذه الحكمة بين القوة والعاطفه جميله جدا هذه المقوله وهذه الكلمات ادهشتني رائعه حقا كل كلمه في هذا المقال احسنتم تحيتي وتقديري لكم

أين الله؟ هل هذا السؤال حقاً محرج دينياً واجتماعياً كما تقول الكاتبة! لا حول ولاقوة إلا بالله! في المقال كثير من الفلسفة التي نعلم فلسفات أخرى تعارضها لتبرر الحب وتمنع الكبت العاطفي! فلو كان منطق الحديث قال الله قال رسوله ليس بالتمويه لخرجنا بفائدة فربك أعلم بمن خلق وما ركب فيهم وهو اللطيف الخبير! أما هذا الأسلوب فخير منه أسلوب (بعض) الآباء غير المشاد بهم ولك أن تقول: المبكتون المهانون في مقال الكاتبة!
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
6 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.