أنت هنا

تشدد مع الخرطوم وتساهل مع دمشق
24 جمادى الثانية 1432
موقع المسلم

ربما يرى البعض أن فرض حظر على سفر الرئيس بشار الأسد أو فرض عقوبات على هذا المسؤول السوري أو ذاك دليلاً دامغاً على حسم "المجتمع الدولي" مع نظام دمشق الدموي الذي لا يتورع عن قتل أبناء شعبه أمام الكاميرات، وحيث تتصدر الأنباء في نشرات القنوات الإخبارية الرئيسة وغير الرئيسة عن توقيع عقوبات وعن تحذير الاتحاد الأوروبي ورؤساء الدول والحكومات كساركوزي وكاميرون عن أن الرئيس بشار بدأ يفقد شرعيته، أو تخيير أوباما للأسد ما بين قيادة التغيير أو الرحيل..

 

كلام.. ظاهره التشدد غير أنه لا يعبر إلا عن استهلاك ظرفي يقلل من الاحتقان الشعبي العربي والإسلامي ضد النفاق الغربي وبراجماتيته التي تعادي الحريات في الحوض الإسلامي بل تقف سداً منيعاً يحول دون حصول الشعوب المظلومة على حريتها واستقلالها؛ فالإجراءات السابقة لا أثر لها بالمرة على سير الأحداث على الأرض في سوريا، وسفك الدم لا يمنعه منع رئيس ليس شغوفاً بالسفر إلى الخارج إلا للنزهة فقط مع زوجته الفلسطينية الأصل الشابة، وسوريا/البلد السياحي الجميل يغنيه عن مثل هذه السفرات غير الضرورية! كما أن العقوبات التي تعني أن الرئيس كغيره من "المعتدلين" إما أنه يضع أموال الشعب في حسابات شخصية ببنوك غربية أو أن القرار بالفعل غير ذي فاعلية إن كانت كل ما انتهب موجوداً بالداخل السوري أو لدى الحلف الروسي/الإيراني فقط، وهي على كل حال محاولة رخيصة لسرقة أموال الشعوب التي تتطلع للحرية مثلما حصل مع تونس ومصر وليبيا، بما يعني أنه إجراء لا يستهدف سوى الشعوب المتطلعة إلى الاستقلال، ولا يضر الرؤساء إلا بشكل جزئي فقط.

 

الدم لن يوقفه بالطبع هذه الإجراءات التي لا تتماشى مع دماء سفكت لأكثر من ألف شهيد من أبطال الشام المغاوير، ولسنا راغبين في الحقيقة بمضاعفتها وإنما نرصد النفاق الغربي فقط، الذي يسمح للجزار بـ"قيادة التغيير" كما قال أوباما، ويحجم عن ملاحقته القضائية الدولية برغم توافر كل الأدلة المثبتة أمام العالم كله على شاشات التلفزة  وعبر اليوتيوب.

 

لقد مر نحو شهرين على بدء ثورة سوريا، فيما لم تمر ثلاثة أيام على تدخل الجيش السوداني (الشمالي) لحفظ الأمن في منطقة آبيي التي انتزعت من الشمال السوداني وتفخيخها كنقطة صراع "حدودي"، وغنيمة نفطية متنازع عليها بين الشمال والدولة الانفصالية الجنوبية، والإجراءات الفعالة تتوالى ضد حكومة البشير المنتخبة، فالأمم المتحدة دعت الجيش السوداني للانسحاب من آبيي وكذلك فعل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والأخيرة هددت مجدداً بالإبقاء على وضع السودان في قائمة الدول الداعمة للإرهاب ـ نعم، الإرهاب وليس التدخل العسكري في منطقة إن لم تكن سودانية فهي على الأقل متنازع عليها ـ ووكالات الأنباء لم تهدأ في تضخيم الأمور من فرار مئات إلى 15 ألفاً إلى 150 ألفاً إلى 450 ألفاً من سكان آبيي بسبب ما قيل عن أعمال سلب ونهب في المنطقة، هكذا، كما قالت الوكالة الفرنسية وغيرها عن منطقة لا تجاوز مساحتها 1% من مساحة السودان الكلية.

 

الفرق في الحالتين أن سوريا يحكمها نظام طائفي ديكتاتوري أتى منذ البداية عبر انقلاب عسكري ولا يتمتع بأي شعبية، بينما السودان يحكمه نظام ليس طائفياً ومنتخب، استمد شرعية وجوده مؤخراً بانتخابات حرة شهد العالم بنزاهتها..

 

فارق مهم أيضاً، أن الأول موالٍ لواشنطن والاتحاد الأوروبي، والثاني ليس كذلك، برغم أن الأول إرهابي بكل تأكيد وتمتد يده في لبنان عبر سلسلة من التفجيرات وأعمال القتل ونموذج فريد "يحتذى" في الاغتيال السياسي للخصوم في البلد المجاور المبتلى باحتلاله غير المباشر، فيما لا تمتد أيدي السودانيين خارج بلدهم المحاصر أيضاً بشكل غير مباشر..

 

قد نشهد تصعيداً متوقعاً ضد الخرطوم خلال الأيام القليلة بينما ستظل الأيدي الحانية تربت على كتف عصابة بشار وأعوانه حتى تنفيذ المهمة أو التحول إلى غيره من الموالين إن سقط في اختبار القمع كما فشل مبارك..