أمانة العمر
13 رجب 1432
شيماء نعمان

قد يعوض الإنسان خسارة لحقت به في شىء فقده من مال او مركز ، فقد يرزقه الله بمال أكثر ووضع أفضل مما كان عليه؛ لكن ماذا لو خسر الإنسان عمره أو فرط في ساعاته، ماذا لو تسربت سنوات العمر من بين يديه، ماذا لو انخدع بزخرف الدنيا واستفاق ليجد أن زاده من الطاعة لم يكن كافيًا في وقت لا ينفع فيه البكاء أو الندم؟

 

إن الدقائق التي تمضي لا تعود، والأمس لن يتكرر واليوم لن يرجع فقد ذهب ببعض منا؛ واللحظة التي تمضي قد رحلت وهي تشهد لنا أو علينا.فعمر الإنسان في الدنيا مهما بلغ ليس إلا ساعات محدودة وأجل معلوم عند مالك المالك. فهل نغتنم ساعات العمر ونحمل عليها مؤن الغد ونعاهد الله ونصدقه النية بأن نحمل أمانة العمر ونؤدها إليه أحسن أداء؟

 

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أنه "لا تزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عنْ أربع ٍ عنْ عُمُرِهِ فيما أفناهُ وعنْ جسدِه فيما أبْلاهُ وعنْ مالهِ مِنْ أيْنَ أخذهُ وفيما أنْفَقَهُ وعنْ عِلمِهِ ماذا عَمِلَ بهِ".

 

صحيح أننا لا نعلم كم بقى في أعمارنا ولكن المؤمن يعلم أننا جميعًا مردودون إلى ميعاد وأن الأجل إذا جاء لا يستأخر الناس ساعة ولا يستقدمون؛ وأن الدنيا ليست إلا ساعة أو حقل للغرس والزرع وأن الآخرة موعدًا للحصاد. فهو القائل عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون".

 

إن اصطلاح الأمانة عند العلماء يقصد به: جميع ما استودعك الله عز وجل عليه، وائتمنك عليه وطلب منك حفظه من أمور دينك ودنياك. وقد أعلى الإسلام من قيمة الوقت والعمل؛ حتى أن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قال: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها".

 

هكذا يحثنا الإسلام على العمل وزرع الخير وفعل الطاعات حتى آخر نبض بالقلب؛ فالسنوات تمضي والشهور تمضي والأيام تمضي ولا يبقى منها إلا الأثر؛ فإذا مات ابن آدم (انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).

 

وكثيرًا ما يتناهى إلى أسماعنا تعبير" أوقات فراغ"، فهل هي حقًا أوقات فارغة لا شيء فيها؟ هل هي أوقات غير محسوبة من رصيد العمر؟ هل هي أوقات لا عمل فيها ولا وظيفة؟
 الحقيقة أن وقت الفراغ ليس منظورًا واقعيًا؛ فدائمًا يمكن للإنسان أن يشغل وقته بما هو مفيد فكريًا أو مريح جسديًا أو مبهج روحيًا؛ فالنفس البشرية ما لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. أما إذا كان الوقت المقصود هو أنه وقت مخصص للترويح المشروع عن النفس فلا شيء في ذلك؛ لما لا والإسلام بشموليته يراعي الحاجات النفسية والجسدية للإنسان دون إفراط أو تفريط؛ فقد ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ( يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل? قال: بلى يا رسول الله، قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا ".

 

إن الحفاظ على أمانة الله في أعمارنا هي أن نضع في مقدمة أولوياتنا كيف نحقق أمر الله لنا بحسن عبادته، فسبحانه القائل في كتابه الحكيم: "وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون"، ثم نجدد النية لله في كل ما نقوم به من عمل؛ حتى أن "معاذ بن جبل" رضي الله عنه كان يقول: "إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي". هكذا كان النبي وكان السلف الصالح يحتسبون في كل أعمالهم ويتقربون إلى الله في كل ساعة، فهل نحن مستعدون؟

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
3 + 0 =