الدعاة والاهتمام بالناس
17 رجب 1432
د. خالد رُوشه

كل إنسان له أهميته مهما كان دوره في الحياة ، إنها الحقيقة التي يجب أن نضعها في الاعتبار ونحن نتعامل مع الناس ، اجعل هذه الحقيقة قاعدة أساسية عند التعامل مع الناس ، وأقنع نفسك بأن كل الناس لهم قيمة .. إنك إن فعلت ذلك وانتقل هذا الإحساس والشعور للطرف الآخر الذي تتعامل معه فإنك ستظفر باهتمامه ورعايته  ..

 

 

هذا الخلق هام لجميع الناس وتزداد أهميته للدعاة إلى الله , فالداعية إلى الله بحاجة إلى حب الناس والتفافهم حوله بحب وقناعة وثقة , يلتفون حوله لأجل منهجه السامي الشريف وطريقته المتشبهة بالرسول صلى الله عليه وسلم والصالحين الأولين , من هنا لزم عليه مراعاتهم والاهتمام بهم إذ إنهم رأس ماله العملي , فبإخلاصه في الاهتمام بهم وتربيتهم يحوز الثواب الأكبر والجائزة العظمى ..

 

 

والحق أننا نعرف من العلماء والدعاة إلى الله من يرعى هذا الخلق رعاية كبيرة ويهتم بشئون الناس وتربيتهم ومشكلاتهم متشبها بالرسول صلى الله عليه وسلم إذ تصف عائشة رضي الله عنها سبب صلاته قاعدا فتقول :" بعدما حطمه الناس " , ويفسر النووي ذلك بمالاقاه صلى الله عليه وسلم من جهد ومشقة في دعوة الناس وتربيتهم وحل مشكلاتهم وتفقد أحوالهم وغيره

 

لكننا على الجانب الآخر نشاهد من الدعاة إلى الله من يجعل من نفسه نجما ينبغي على الناس أن يتقربوا له ويتوددوا له , وكأني به وهو يوزع بسماته المقننة ههنا وههنا بشكل جاف , كما أراه وهو يشيح بوجهه عمن يريد أن يسأله أو يبث إليه شكوى أو يحدثه على انفراد في حاجة يراها هامة .

 

أرى هذا الداعية وأمثاله وقد ابتعدوا عن الناس كثيرا بعدما يلتقي بهم الناس أول لقاء , فيعرفون حقيقتهم ويصدمون باهتمامهم البالغ بأنفسهم وبمبالغتهم في الاعتزاز بما وصلوا إليه , حتى إنك لتجد العبوس على محياهم عندما لايجدون التقدير والتبجيل أو عندما يفتقدون المديح المبالغ فيه , فينزعج أحدهم إن لم يسبق اسمه بفضيلة الشيخ أو الدكتورأوالداعية الكبير أو بكذا وكذا من اساليب الإطراء ..

 

هؤلاء جعلوا نصب أعينهم الاهتمام بذات نفسهم غير مبالين بالناس , فيرتبون جدولهم على اعتبار مشغولياتهم ومصالحهم فحسب , حتى صار من المتعذر على آحاد الناس أن يعرف رقم هاتف فلان من الدعاة أو علان ليسأله في مشكلة أو مسألة عرضت له , وصارت أرقام تليفوناتهم لاينعم بها إلا الخاصة من أصدقائهم أما لقاؤهم والانفراد بهم فدونه خرط القتاد ..هذه للأسف هي الحقيقة الحادثة , وقد يكون للبعض بعض العذر لمرض أو حاجة لكنني لايمكنني أن أبرأ هؤلاء من إهمال الناس واعتبارهم الجماهير  إنما يؤدون مهمة أشبه بمهمة المشاهدين في أحد المسارح ثم يصفقون له بعدما ينتهي دوره !!

 

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مؤكدا في سلوكه وتوجيهه نحو هذا المعنى الهام ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا حدث أحدا جعله تلقاء وجهه وأصغى إليه وأنه إذا أمسك بيد أحد لم يكن ليتركها حتى يكون الآخر هو الذي يترك يده , وأن الأمة كانت تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذهب به حيث شاءت , وأنه استجاب للحباب ابن المنذر في رأيه في مكان التخيم ليلة بدر , واستجاب لنصيحة سلمان يوم الخندق , وأنه صلى الله عليه وسلم لطالما يذكر قيمة أصحابه , ويشكر أفعالهم  , ويعرفهم قيمة دورهم , ويثمن سلوكياتهم النبيلة فيقول لعثمان لما جهز جيش العسرة " لا يضره ما فعل بعد اليوم " , ويسمي خالد " سيف الله المسلول "  , ويقول عن أبي بكر " لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجحت كفة أبي بكر " ويقول عن عمر لو أن نبيا بعدي لكنت أنت ياعمر .. إلى غير ذلك من دلائل تقديره لأصحابه وتعريفهم لأهميتهم عنده وبين الناس ..

 

 إن العلماء يؤكدون أن معاملتنا للناس تعتمد بشكل كبير على ما نعتقده فيهم وكلما زاد اهتمامنا بالناس وتقديرنا لهم زاد ميلنا إلى احترامهم وإلى وضع آرائهم ومشاعرهم موضع الاعتبار ، وعندها ستكون تعاملاتنا قابلة للارتفاع فوق مستوى الاهتمام المتبادل والفهم والزمالة المتبادلة إلى الحب والاحترام والتعاون ...
وثق أن أكثر الناس قدرة على التأثير على الناس هم أولئك الذين يؤمنون بأهمية الناس ، ويرون فيهم أشخاصا مهمين بالفعل مهما كان دورهم في الحياة .

 

الحقيقة التي أثبتتها الدراسات العلمية لعينة عشوائية من البشر أن الغالبية من الناس لا تشاهد سوى واحد في المائة مما هو حولهم .. وأننا وبلا وعي منا ندرك أننا لا نلاحظ سوى ما هو مهم بالنسبة إلينا وعندما نجد أحدا يلاحظنا ويهتم بنا فإنه بذلك يعترف بأهميتنا وبالتالي نصبح أكثر ودا وأكثر تعاونا .. والحقيقة الأساسية عن الطبيعة الإنسانية التي نتعامل معها أن كل إنسان يحتاج إلى الشعور بالأهمية وإلى الإحساس بأن الناس يقدرون ذلك ويعترفون بأهميته ، وهذه الخاصية في الطبيعة الإنسانية سمة حيادية في حد ذاتها يمكن استخدامها من أجل الهدف الأسمى ، وهو الفوز بالتعامل الجيد مع الناس ، وهو سلاح ذو حدين .. فلو إننا تعمدنا عند تعاملنا مع الناس ،  على أن نترك انطباعا بأهميتنا في نفوسهم دون أن نعطيهم تلك الأهمية أو نجعلهم يشعرون بأنهم يقبلون فإننا لن ننجح في ذلك على الإطلاق لأن كل إنسان له أهميته ، والطريقة الوحيدة للتغلب على هذه العقبة والتي ثبت صحتها أنك إذا أردت أن تترك انطباعا  جيدا في نفس الناس فإن أمثل طريقة هي أن تجعلهم يدركون انهم قد أثروا فيك ، وأنهم قد تركوا انطباعا طيبا في نفسك ..

 

فاعمل دائما وأبدا على تذكير نفسك أن للآخرين  أهميتهم وأنهم بالفعل ذوو أهمية وسوف يتسرب موقفك هذا إليهم ويؤثر تأثيرا إيجابيا في تعاملاتك معهم وإياك أن تشعر الآخرين بضآلة أنفسهم في تحين تشعرهم  بأهميتك .

كلام جميل اسال الله ان ينتفع به كاتبه وقارؤه على حد سواء

أقترح جمع مقالات الأخ خالد روشه وإخراجها في كتاب لما فيها من ملامسة القلوب

من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم وإن كان قد جاء في حديث ضعيف غير أن معناه صحيح .إذا كان هذا في عامة المسلمين فكيف بالخاصة وهم حملة العلم وورثة الأنبياء من العلماء والدعاة الذين أخذ الله عليهم العهد المؤكد(وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه)وهذه الآية ليست خاصة بأهل الكتاب بل فيها تحذير لأهل العلم أن يسلكوا مسلكهم.فعلى العلماء كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله أن يبذلواما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح,ولايكتموا منه شيئا,فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار. وعصرنا هذا عصر النوازل والمعضلات وكثرة المشكلات وقد حدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا في دين الله فإن لم يؤم العامة نجوم الأرض الذين هم على الهدى لمن استهدى أدلاء فمن يقصدون؟آلرؤوس الجهال؟ فيجب على علمائنا ودعاتنا ألا يتبرموا من سؤال الناس لهم ليبارك الله تعالى في علمهم حتى يقطفوا الثمرة المرجوة منه وهي الربانية(ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الناس وبما كنتم تدرسون).ونجد في كتب التراجم والرجال بأن رجالات من هذه الأمة كان يطلق على أحدهم (كان رجل عامة)كما ذكر الإمام الذهبي في موسوعته السير عن إبراهيم الجوهري قال :قلت لأبي أسامة:أيهما أفضل فضيل بن عياض,أوأبو إسحاق الفزاري؟ فقال: كان فضيل رجل نفسه,وكان أبو إسحاق رجل عامة.وكذلك قل أبو إسحاق الفزاري:ما رأيت مثل الأوزاعي والثوري فأما الأوزاعي فكان رجل عامة , وأما الثوري فكان رجل خاصة نفسه.ولو خيرت لهذه الأمة لاخترت لها الأوزاعي.ومعنى الاختيار هنا الخلافة.ومن قرأ شيئا عن سيرته رحمه الله وجده أنه كان يحمل هموم الأمة.وهذا رجل لم يعش في القرون المفضلة بل في المفضولة وكان يتصف بهذه الصفة أي رجل عامة وهو الإمام ابن باز رحمه الله أخبر يوما بأن طلبةمعهد شرعي لم يتناولوا طعام الغداء والعشاء ذلك اليوم,فلم يكن منه إلا أن أسبل دموعه الحرّى على حالهم ,ثم أمر بسيارته الوحيدة أن تباع ليشترى الطعام لأولائك الطلبة.وذكر أ.د.ناصر العمر أمين عام رابطة علماء المسلمين حفظه الله في كتابه الماتع (وكانوا لنا عابدين)عن شيخه محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:أنه في أحد أيام رمضان لما انتهى درسه في الساعة السابعة صباحا في الدور الثاني من الحرم رآه يتحرك وسط جموع المحبين والمستفتين ببطء حتى وصل إلى باب الملك عبد العزيزفي الساعة الثامنة,فلم يتحرك خلال ساعة كاملة سوى هذه الخطوات من شدة الزحام عليه,فجعله الله إمامامن أئمة الهدى ورفع قدره.فاعتبروا يا أولي الأبصار.
6 + 7 =