أنت هنا

مطالع هلال شهر رمضان و توحيد الصيام بين الشعوب الإسلامية
1 رمضان 1437
اللجنة العلمية

في كل سنة، ومع استهلال هلال شهر رمضان المبارك، تتجه الأسماع والأنظار من كل فرد من أفراد الأمة إلى وقت إعلان دخول شهر الصوم؛ كلٌ في بلده؛ ومع ذلك هم يترقبون مطلع الهلال في الدول المجاورة إليهم، ويأتي الحديث بين أوساطهم عن تلك الدول: هل وافقونا في الرؤية؟ لماذا صاموا قبلنا؟ ولِمَ لمْ يصوموا معنا؟ ونحو ذلك.

 

 وتستجد مع هذا كله مسألة اختلاف المطالع، وإمكانية توحيد الصوم بين المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، وقبل البدء بذكر آراء الفقهاء وبحث المسألة أقول:
 بأن نفس اختلاف المطالع لا نزاع فيه فهو أمر واقع بين البلاد البعيدة بلا شك، وهو في هذا كاختلاف مطالع الشمس بين تلك البلاد، ولا خلاف في أن للإمام ( ولي الأمر) الأمرُ بما ثبت لديه، لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف (1). وفيما يلي أراء المذاهب الأربعة في هذا الموضوع:

 

المذهب الحنفي:
 اختلاف المطالع، ورؤية الهلال نهارًا، قبل الزوال وبعده غير معتبر، ويُلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب، إذا ثبت عندهم رؤية أُولئك بطريق موجب، كأن يتحمل اثنين الشهادة(2).

 

المذهب المالكي:
 وفي المذهب المالكي إذا رُئي الهلال عمَّ الصوم سائر البلاد، قريبًا أو بعيدًا ولا يُراعى في ذلك مسافة قصر، ولا اتفاق المطالع ولا عدمها، فيجب الصوم على كل منقول إليه، إن نقل ثبوته بشهادة عدلين أو بجماعة مستفيضة، أي منتشرة(3).

المذهب الشافعي:
 إذا رئي الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب لا البعيد بحسب اختلاف المطالع(4).

 

المذهب الحنبلي:
 إذا ثبتت رؤية الهلال بمكان قريباً كان أو بعيدًا لزم الناس كلهم الصوم، وحكم من لم يره حكم من رآه(5).

 

وبهذا يتضح لنا أن في هذه المسألة قولين:
القول الأول:
 وهو ما ذهب إليه الحنفية(6)، والمالكية(7)، والحنابلة(8)، والذي يقضي بعدم اعتبار اختلاف المطالع، وأنه يوحد الصوم بين المسلمين، واستدلوا لقولهم هذا بما يلي:
1) قوله تعالى:  (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (9).
وجه الدلالة: قوله سبحانه (منكم)، فهو خطاب عام لسائر الأمة، وليس خاص لأحد دون آخر.
2) عن أبي هريرة "رضي الله عنه" قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"(10). والخطاب للمسلمين، فيشمل جميع المسلمين في جميع أقطار الأرض.
 والآية والحديث يدلان على أن إيجاب الصوم على كل المسلمين معلق بمطلق الرؤية، والمطلق يجري إطلاقه، فتكفي رؤية الجماعة أو الفرد المقبول الشهادة(11).
3) ومما استُدل لهم به: قياس البلدان البعيدة على المدن القريبة من بلد الرؤية إذ لا فرق بينهما(12).
4) ومما يعضد هذا القول: أن العلوم الفلكية تُؤيد توحيد أول الشهر الشرعي بين الحكومات الإسلامية، لأن أقصى مدة بين مطلع القمر في أقصى بلد إسلامي وبين مطلعه في أقصى بلد إسلامي آخر هي نحو تسع ساعات، فتكون بذلك بلاد الإسلام كلها مشتركة في أجزاء من الليل تمكنها من الصيام عند ثبوت الرؤية والتبليغ بها برقيًا أو هاتفيًا(13).

 

 

القول الثاني:
 وهو كما يتضح من العرض السابق ما ذهب إليه الشافعية(14) من أن بدء الصوم يختلف بحسب اختلاف مطالع القمر بين مسافات بعيدة، وأنه إذا رُئي الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب لا البعيد، ولقولهم هذا أستُدل بالأدلة التالية:

1) ، 2) الدليل الأول والثاني: هما نفس ما استدل به أصحاب القول الأول، إلا أن وجه الاستدلال يختلف، فوجه الاستدلال فيهما (الاۤية والحديث) حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "أن الحكم عُلق بالشاهد والرائي، وهذا يقتضي أن من لم يشهد ولم يرَ لم يلزمه حكم الهلال، وعليه فإذا اختلفت المطالع فإن البلاد المخالفة لبلاد الرؤيا لا يكون قد شوهد فيها الهلال ولا رُؤي، وحينئذ لا تثبت أحكام الهلال في حقهم"(15).

3) حديث كريب(16) أن أم الفضل بنت الحارث(17) رضي الله عنها بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، وقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أرأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية؛ فقال: لكننا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه؛ فقلت: ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم""(18).

 وجه الدلالة منه: أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يأخذ برؤية أهل الشام، وأنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر.
4) حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُم عليكم فاقدروا له"(19).

 

5) القياس، فإنهم قاسوا اختلاف مطالع القمر على اختلاف مطالع الشمس المنوط باختلاف البلاد وتباعدها، مما يقتضي اختلاف حكم بدء الصوم تبعًا لاختلاف البلدان(20). قال ابن عثيمين رحمه الله: "ويؤيده النظر والقياس، فإنه إذا كان الشارع قد علق الإمساك للصائم بطلوع الفجر والفطر بغروب الشمس، فقال تعالى:( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(21)، فالشارع علق الحكم بتبين طلوع الفجر إمساكًا، وبالليل إفطاراً، والنبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "كلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر"(22)، وقال "صلى الله عليه وسلم": "إذا أقبل الليل من هاهنا -وأشار إلى المشرق- "وأدبر النهار من هاهنا"، -وأشار إلى المغرب- وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"(23)، ومعلوم بإجماع المسلمين أن هذا الحكم ليس عامًّا لجميع البلدان، بل هو خاص في كل بلد يثبت فيه هذا الأمر، ولهذا تجد الناس في الشرق يمسكون قبل الناس في الغرب، ويفطرون قبلهم حسب تبين طلوع الفجر وغروب الشمس، فإذا كان التوقيت اليومي متعلقاً في كل بلد بحسبه، فكذلك التوقيت الشهري يتعلق في كل بلد بحسبه"(24).

 

الخلاصة
 هذان القولان في المسألة، ولعل الأقرب أنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر، لا سيما البلدان الإسلامية البعيدة، إذا رئي الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب لا البعيد بحسب اختلاف المطالع، وأن ثبوت الرؤية عند الإمام (رئيس الدولة أو من أنابه من مجلس قضاء أو وزارة)، يُلزم أهل البلد الصوم.
 وقد ذكر ابن حجر في فتح الباري ستة أقوال في المسألة(25)، وقال ابن تيمية: " فتلخص: أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدى بتلك الرؤية الصوم أو الفطر والنسك، وجب اعتبار ذلك بلا شك، والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك. ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله مخالف للعقل والشرع"(26). وقال الصنعاني: "والأقرب لزوم أهل بلد الرؤية وما يتصل بها من الجهات التي على سمته"(27).ً

 

ـــــــــــــــــــــ

(1)  بداية المجتهد (1/210).
(2)  تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (1/321)، حاشية الطحاوي (1/436).
(3)  حاشية الدسوقي "(1/510)، بداية المجتهد (1/210).
(4)  حاشية إعانة الطالبين (2/219)، مغني المحتاج (1/422).
(5) المغني (3/5)، الروض المربع (1/413).
(6)  تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (1/321)، حاشية الطحاوي (1/436).
(7)  حاشية الدسوقي (1/510)، بداية المجتهد (1/210). 
(8) المغني (3/5)، الروض المربع (1/413).
(9)  ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )الآية (185)، من سورة البقرة.
(10)  أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب قوله "صلى الله عليه وسلم" إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، (2/674)، رقم (1810)، ومسلم في كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما (2/762)، رقم (18)، واللفظ للبخاري.
(11) انظر: المغني (3/5).
(12)  نيل الأوطار (3/188).
(13)  انظر: الفقه الإسلامي (2/610)، نقلاً عن كتاب محمد أبو العلا البنا مدرس الفلك بكلية الشريعة بالأزهر، المشار إليه في بحث محمد السايس في بحوث المؤتمر الثالث لمجمع البحوث الإسلامية، ص (99).
(14)  حاشية إعانة الطالبين (2/219).
(15)  مجموع الفتاوى (25/117).
(16)  هو:كريب بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم المدني أبو رشدين مولى بن عباس ثقة من الطبقة  الثالثة،  مات سنة98هـ، انظر: تقريب التهذيب (1/461).   
(17) هي: لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية، وهي لبابة الكبرى، أخت ميمونة زوج النبي "صلى الله عليه وسلم" وزوجة العباس بن عبد المطلب وأم أكثر بنيه، يقال : إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة فكان النبي "صلى الله عليه وسلم" يزورها ويقيل عندها، وروت عنه أحاديث كثيرة وكانت من المنجبات ولدت للعباس ستة رجال لم تلد امرأة مثلهم. انظر ترجمتها في:  الطبقات الكبرى (8/277)، أسد الغابة (1/1408)، الإصابة (8/97).    
(18)  أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم (2/765)، رقم (28).
(19)  أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما (2/759)، رقم (6).
(20)  سبل السلام (4/88)، الفقه الإسلامي (2/608).
(21)  الآية رقم (187)، من سورة البقرة.
(22)  أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب قول النبي "صلى الله عليه وسلم": "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال"، (2/677)، (1819)، من حديث عائشة رضي الله عنها، و أخرج مسلم نحوه في كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، (2/768)، رقم (38)، من حديث عبد الله بن عمر "رضي الله عنه".
(23)  أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب  متى يحل فطر الصائم، (2/691)،  ومسلم في كتاب الصيام، باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار، (2/772)، رقم (51)، من حديث عمر بن الخطاب ."رضي الله عنه"
(24) الشرح الممتع (6/350).
(25)  انظرها (4/123).
(26)  انظر: مجموع الفتاوى (25/111)
(27)  سبل السلام (4/88). 

2 + 0 =