أنت هنا

أوقاتنا في رمضان
29 شعبان 1437
اللجنة العلمية
 
قيمة  الوقت

الوقت نعمة من النعم العظيمة التي امتن الله بها على عباده، حثي أهتم الإسلام به و أقسم الله به في آيات كثيرة فقال ( والعصر إن الإنسان لفي خسر ), وقال تعالى ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ), كما قال الله تعالى ( والفجر وليال عشر ) وغيرها من الآيات التي تبين قيمة الوقت وضرورة اغتنامه في طاعة الله ومعروف أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه دلَّ ذلك على أهميته وعظمته، وليلفت الأنظار إليه وينبه على جليل منفعته، وقد بين سبحانه ان هذه الحياة ليست لقضاء الوقت بشيء غير نافع فقال تعالى: "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ"سورة المؤمنون (115) فالعمر هو الوقت الذي يجب الحرص عليه واننا مسئولون عنه وسنحاسب عليه.

وقد جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – الوقت ذا قيمة عالية وحث على اغتنامه فقال : "اغتنم خمسا قبل خمس حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك" صحيح الجامع .

ولما كان أكثر الناس جاهلين بقدر هذه النعمة ، غافلين عما يجب عليهم نحوها من عمارتها بشكر الله وطاعته ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ " رواه البخاري، والمغبون هو الخاسر في بيعه أو شرائه.

وإذا كان الوقت بهذه المنزلة ينبغي على العبد  أن يصلح فيه نيته ، ليكون له فيه أجر كما قال معاذ رضي الله عنه : أما أنا فأقوم وأنام ، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي ” رواه البخاري ومسلم.

فالوقت هو النعمة التي يتساوى بها الغني والفقير وأعطيت لكل واحد بمقدار عمره، وهو الشيء الوحيد الذي لا يباع ولا يهدى ولا يمكن لحد الحصول عليه .

ولذلك لما أتى احد الرسل من احدى المعارك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فوصل في وقت الظهر وخشي ان يكون نائما فلم يسأل عنه وبلغ ذلك عمر فقال له :لماذا لم تأتني بالخبر حين وصولك؟

فأجابه: خشيت أن تكون نائما . فقال له عمر: كيف أنام وإذا نمت النهار ضيعت امتي وإذا نمت الليل ضيعت نفسي .

فهو رضي الله تعالى عنه لا يضيع ساعة من نهار في البحث في شئوون الأمة وساعة في الليل يقضيها بالعبادة ويتقرب بها من الله .

وهذا عبد الله بن مسعود:يقول "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي".

 

 

 

ماذا الحديث عن الوقت؟

 
الوقت أنفس ماعنيت بحفظه ...وأراه أسهل ما عليك يضيع

والوقت رأس مال الإنسان؛لأن عمره الذي قدره الله له أراد أن ينال به عز الدنيا ونعيم الآخرة، فإذا ضيعه ضاعت حقيقة دنياه وسلبت آخرته، ولا خسارة على العبد أعظم من ضياع وقته.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" اغتنم خمسا قبل خمس.. الحديث "فهل يعد ضياع هذه الغنائم من سعادة المسلم؟ إذ بالوقت يستطيع المسلم أن يستغل كل ما ذكر في الحديث، ولو تصفحنا القرآن الكريم والسنة المطهرة لبان لنا ندم المضيعين لأوقاتهم، قال تعالى:[ يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى*يقول ياليتني قدمت لحياتي] ،إنها حياة الآخرة قد سلبت وضيعت، وقال عليه الصلاة والسلام:" لاتزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع...الحديث " ويعلم العبد أنه بخير وعافية في يوم القيامة يوم أن تفحص الأعمال وتزلزل الأقدام، فلا نجاة هناك إلا لمن حفظ أوقاته. ومن هنا نعلم أن حاجتنا جميعا معشر المسلمين لحفظ الأوقات شديدة.

قال ابن القيم: ضياع الوقت أشد من الموت؛لأن الموت يقطعك عن الدنيا وضياع الوقت يقطعك عن الله .

وعلى العبد أن يعلم قيمة الوقت فهو العمر، وهو أغلى من كل نفيس في هذه الدنيا، ولهذا يقولون:(الوقت من ذهب)، وهو ينقضي بسرعة، وما مضى منه فلن يعود أبدا. أرأيت ما للوقت من أهمية بالغة فكل ساعة هي محسوبة عليك. فإذا كان من ضيع الساعات والدقائق على خطر، فكيف بمن ضيع الأيام؟ بل كيف بمن ضيع الشهور والسنين؟.

فمن عرف الوقت استغل وقت الرخاء حيث إنه من أعظم العز والنصر للعبد في وقت الشدائد، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة " فالعافية رخاء والمرض شدة، فكن على الأعمال الصالحة في حال عافيتك أحرص منها في وقت مرضك، والحياة رخاء والموت شدة،والغنى رخاء والفقر شدة، والشبيبة رخاء والمشيب شدة، والأمن رخاء والخوف شدة، ووجود الإخوة المناصرين رخاء وافتقادهم شدة، والحصول على الجاه رخاء وافتقاده شدة، ووجود الإخوة المناصرين رخاء وافتقادهم شدة، والحصول على الجاه رخاء وافتقاده شدة، ووجود صحة السمع رخاء وأخذه شدة، ووجود الرغبة في الأعمال الصالحة رخء والفتور شدة، وما إلى ذلك.

وإذا استغل المسلم وقته في الرخاء لم تنزل به شدة إلا انفرجت أو خففت عنه، فما أعز استغلال الوقت في طاعة الله حال الرخاء، وما أكثر المحاربة من كثير من المسلمين للوقت في حال الرخاء، والله المستعان.

فمن أعظم توفيق الله للعبد أن يؤاثر الآخرة على الحياة الدنيا وعلى النفس البدن الأقرباء الأصدقاء والزملاء والأخلاء و المال ويعرف ماهية الوقت وسبل تحقيقه لصالحه في الدينا والآخرة بذلك لايكون له مجال  في تأخير العمل الصالح بدون عذر ؛وهذا يكون بملازمة أصحاب الهمم العالية الذين لا يرضون بشيء من تضييع الأوقات،أو القراءة في كتبهم .

وعليه لما كان الوقت هو الحياة، وهو العمر الحقيقي للإنسان، كان حفظه أصل كل خير، وضياعه منشأ كل شر، ولما كانت أيام شهر رمضان وساعاته ودقائقه ذهبية لا تُعوض، كان لابد من وقفة تُبين قيمة الوقت في يوم الصائم وليله. فإنه إذا عرف الإنسان قيمة شيء ما وأهميته حرص عليه وعزَّ عليه ضياعه وفواته، وهذا شيء بدهي، فالمسلم إذا أدرك قيمة وقته وأهميته، كان أكثر حرصًا على حفظه واغتنامه فيما يقربه من ربه، وها هو الإمام ابن القيم -رحمه الله- يُبين هذه الحقيقة بقوله: "وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب، فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً من حياته.... فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته"( ).

ويقول ابن الجوزي -رحمه الله-: "ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل.

 

 

 
عوائق تنظيم الوقت
 

تتجلى عوائق تنظيم الوقت واستثماراته في مناحي كثيرة أبرزها ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: " بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر " وقوله عليه الصلاة والسلام:"اغتنم خمسا قبل خمس حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك"

فهذه معوّقات لاستثمار الأوقات، كل ذلك في عبارات وجيزة وذلك أن حال الإنسان لا يخلو من وقوع المعوّقات من مرض أو هرم أو موت أو نحو ذلك مما يقف حائلاً دون أداء الأعمال أو إتمامها، فالمعوّقات كثيرة، والحاذق من بادر بأداء العمل قبل أن تحاصره العوائق.

بالإضافة إلى عوائق أخر لتنظيم الوقت منها :

-ضعف الايمان لأن ذلك يجر بعده الى اتباع الهوى فيكثر هذا الانسان مما تهواه نفسه اذا كان مباحاً كالصيد ، و طول الامل . يقول الحسن البصري : ما أطال أحد الأمل إلا أساء العمل ، و يقول ابن القيم: إضاعة الوقت من إطالة الأمل  .

- عدم إدراك أهمية الوقت ، يقول ابن مسعود رضي الله عنه : ما ندمت على شئ ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي و لم يزدد فيه عملي ” وكانوا يقولون : من علامة المقت إضاعة الوقت .

- عدم الانضباط و حب التسيب و الراحة ، تجد انه يريد أن ينضبط في شئ معين ، يحب الراحة يحب التسيب وهذا بلا شك لن ينظم وقته و إذا لم ينضبط في وقته فإنه بلا شك سيصرف شيئاً ليس باليسير من وقته بلا فائدة .

- الافتقار الى التخطيط ، لا يخطط كيف يُمضي وقته و اذا كان هناك اجتماع مع معاونيه او غير ذلك لبحث مسألة ما و لإصدار قرار ما و غير ذلك تجد انهم يجتمعون و الأعضاء لا يدرون ما الذي سيدور في مثل هذا الاجتماع ولا شك أنه إذا حصل لهم مثل هذا أنه سيضيع عليهم أوقات غير يسيرة يبحثون عن الاشياء او يستمعون لما سيقال ثم يبدؤون يفكرون تفكيراً حاضراً لم يسبق بتخطيط من قبل .

- ضعف الهمة لأن من كان عالي الهمة لا يسمح لوقته أن يضيع هدراً .

- القدوة السيئة ، يجالس من يقتلون أوقاتهم ، و اذا جالس مثل هؤلاء _ بلا شك _ فإنه بالتدريج سيعمل مثل عملهم .

- التربية الخاطئة ، منذ الصغر لم يعود على اغتنام الوقت منذ ان كان طفلاً ولو عوّد على اغتنام الوقت لتعوّد عليه عند كبره .

- العادات ، هناك بعض العادات مضيعة للوقت اعتاد عليها بعض الناس كعادة السهر واللعب طوال الليل .

- عدم معرفة تنظيم الوقت ، قد يريد إن ينظم و لكن لا يعرف كيف ينظم وقته مما يجعله لا يستطيع أن يستفيد من أوقاته الاستفادة الحقة .

- حب الإنسان أن يعمل كل شئ بنفسه و لا يمكن أن يفوض الآخرين ، لأنه يميل إلى المثالية و الكمال في الأداء حتى يتأكد أن جميع تفاصيل الأعمال قد نفذت على حسب ما يتصور ، وهذا بلا شك يضيع عليه أوقات غير يسيرة .

 

إدارة الوقت
 

إن العلم والعمل والقيام بالعبادات أمور مطلوبة من المسلم، فعليه واجبات تجاه ربه ثم تجاه نفسه ومجتمعه، ومن أجل أن يتسنى له القيام بهذه الواجبات فإنه يجب عليه أن يعطي كلَّ واجب نصيبَه من الوقت دون أن يطغى جانب واجبٍ على آخر، ومن ثمّ فإنه يكاد لا يجد أمامه متسعاً من الوقت لأداء كامل هذه الواجبات؛ فالدين الإسلامي وتعاليمه السمحة تدعو إلى حسن استثمار الوقت وإدارته بفعالية.

فالوقت يمثل أحد الموارد المهمة والنفيسة لكل إنسان في هذا العالم الكبير، فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وإذا لم يحسن الإنسان استغلاله بفعالية فإنه قد يفقد الكثير مما يصعب تعويضه؛ سواء في عمله أم في حياته الخاصة، لأن ما انقضى من الوقت لا يعود أبداً.

والوقت من ذهب، بل هو أغلى من الذهب؛ حيث إنه لا يقدر بثمن، وهو يُعد أحد خمسة موارد أساسية في مجال الأعمال، هي: المواد، المعلومات، الأفراد، الموارد المادية، إضافة إلى الوقت الذي يُعدّ أكثر هذه الموارد أهمية، فكلما استطاع الفرد أن يتحكم في وقته بمهارة وإيجابية استطاع عندها أن يستثمره في تحقيق أقصى عائد ممكن من الموارد الأخرى؛ فإذا أدار الفرد وقته بشكل فعّال، فهو - في الحقيقة - يدير حياته ونفسه وعمله إدارة فعّالة.

وهذا يعني أن الوقت لا يمكن عزله عن حياة الإنسان الشخصية والمهنية. ومن ثَمَّ تبرز أهمية عامل الوقت وضرورته، هذا المورد المهم الذي ينبغي التعامل معه واستثماره بفعالية،فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم الأمة على الاهتمام بتنظيم الوقت وتوجيهه لمعالي الأمور في الحياة الخاصة والعامة، فيقول فيما يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ألم أُخْبَر أنّك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: بلى. قال: فلا تفعل، قم ونم وصم وأفطر، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لِزَورِكَ عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً ". ومن الأولى بالمسلم ألا يخل بهذه الموازنة بل الواجب عليه أن يوزع وقته للوفاء بهذه الحقوق دون إخلال بأحدها لصالح الآخر، وليس المقصود توزيع الوقت بين هذه الحقوق بالتساوي، وإنما المراد التسديد والمقاربة في الوفاء بها جميعاً قدر الاستطاعة.

ومما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن صحف إبراهيم عليه السلام قوله: " على العاقل - مالم يكن مغلوباً على عقله- أن تكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب "

ومن تنظيم الوقت أن يكون فيه جزء للراحة والترويح، فإن النفس تسأم بطول الجِدِّ، والقلوب تمل كما تملّ الأبدان، فلا بد من قدر من اللهو والترفيه المباح، فعن حنظلة الأُسيدي رضي الله عنه أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وما ذاك ؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكّرنا بالنار والجنة حتى كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة " كررها ثلاث مرات.

هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّم أصحابه ويبين لهم أن القلوب تكل وتتعب وتتقلب فيجب العمل على مراعاتها والتنفيس عنها بين الفينة والأخرى بما أحل الله، وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك ووعوه وطبقوه في حياتهم العمليّة فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أريحوا القلوب، فإن القلب إذا أكره عمي. وروى عنه أنه قال أيضاً: إن للقلوب شهوة وإقبالاً، وفترة وإدباراً، فخذوها عند شهواتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها. وجاء عن أبي الدرداء رضي الله عنه قوله: إنّي لأستجمّ نفسي بالشيء من الباطل غير المحرّم فيكون أقوى لها على الحق.

 

 
استثمار الوقت
 

المبادرة بالأعمال هي أعلى الاستثمار للوقت وأغلاه سيما قبل حلول العوائق ومدلهمات الأمور واستغلال لشهر رمضان ميدان السباق والمبادرات كما قال صلى الله عليه وسلم " بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر "

ويمثل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :"اغتنم خمسا قبل خمس حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك" أنسب كلمة وأوجز عبارة لاقتناص الفرص، واستغلال رياح العمل والنشاط سيما في هذا الموسم العظيم ؛حيث لخّص النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الكلمات الموجزة البليغة ما تناوله الباحثون في كتب عدة، فهو من جوامع الكلِم، إذ تحدّث عن أهمية الوقت والمبادرة إلى استثماره واغتنام قوة الشباب وفرص الفراغ في العمل الصالح المثمر، فهو صلى الله عليه وسلم يحث أمته على المبادرة بأداء الأعمال وعدم تأجيلها.

لقد كان صلى الله عليه وسلم يأمر بالتبكير في أداء الأعمال، فعن صخر الغامدي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اللهم بارك لأمتي في بكورها، وكان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم من أول النهار " وكان صخر رجلاً تاجراً، وكان يبعث تجارته من أوّل النهار، فأثرى وكثر ماله.

وفي هذا المعنى أيضاً تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " باكروا طلب الرزق والحوائج فإن الغدو بركة ونجاح ".

وعن فاطمة رضي الله عنها وأرضاها قالت: مرّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجعة متصبّحة فحرّكني برجله ثمّ قال: " يا بنية قومي اشهدي رزق ربك ولا تكوني من الغافلين، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس....."

وغاية الاستثمار للوقت يتمثل في قوله صلى الله عليه وسلم: " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ". قال الطيبي:"هذا مَثَلٌ ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لسالك الآخرة فإن الشيطان على طريقه والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه، فإن تيقظ في مسيره وأخلص النية في عمله أمِن من الشيطان وكيده .

 

 

مجالات استثمار الوقت

 

لا يوجد دين يقدر قيمة الوقت مثل الإسلام، حيث أعطى القرآن الكريم أهمية بالغة للزمن، وارتبطت معظم العبادات في التشريع الإسلامي بمواعيد زمنية محددة وثابتة كالصلاة والصيام والحج، وحث المسلمين على استثمار الوقت فيما يفيدهم وينهض بمجتمعهم الإسلامي، فمجال الأعمال واستغلال وقت رمضان فيها متعددة ومتنوعة اهمها:

أولاً : الصوم

قال صلى الله عليه وسلم : ( كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف . يقول الله عز وجل : إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ، للصائم فرحتان ؛ فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه، و لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ) [أخرجه البخاري ومسلم] .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( من صام رمضان إيماناً و احتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) [أخرجه البخاري ومسلم] .

لا شك أن هذا الثواب الجزيل لا يكون لمن امتنع عن الطعام والشراب فقط ، وإنما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) [أخرجه البخاري] .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( الصوم جنة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل ، فإن سابه أحد فليقل إني امرؤ صائم ) [أخرجه البخاري ومسلم] .

ثانياً : القيام

قال صلى الله عليه وسلم : ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً ، غفر له ما تقدم من ذنبه ) [أخرجه البخاري ومسلم] .

وقال تعالى : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً . والذين يبيتون لربهم سجداً وقياما ) [الفرقان 63 ـ 64] .

وقد كان قيام الليل دأب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه . قالت عائشة : رضي الله عنها : ( لا تدع قيام الليل ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه ، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً .

وكان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يصلي من الليل ما شاء حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة ثم يقول لهم : الصلاة ، الصلاة .. ويتلو هذه الآية : ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) [طه الآية 132] .

وكان ابن عمر يقرأ هذه الآية : ( أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) [الزمر الآية 9]

قال : ذاك عثمان بن عفان رضي الله عنه ، قال ابن حاتم : وإنما قال ابن عمر ذلك لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان بالليل وقراءته حتى أنه ربما قرأ القرآن في ركعة .

وعن علقمة بن قيس قال : بت مع عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ ليلة فقام أول الليل ثم قام يصلي فكان يقرأ قراءة الإمام في المسجد يرتل ولا يرجع يسمع من حوله ولا يرجع صوته ، حتى لم يبق من الغلس إلا كما بين المغرب إلى الانصراف منها ثم أوتر .

وفي حديث السائب بن زيد قال : كان القارئ يقرأ بالمئين ـ يعني بمئات الآيات ـ حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام قال : وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر.

تنبيه : ينبغي لك أخي المسلم أن تكمل التراويح مع الإمام حتى تكتب في القائمين ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من قام مع إمامه حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ) [رواه أهل السنن] .

ثالثاً : الصدقة

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان أجود بالخير من الريح المرسلة .. وقد قال صلى الله عليه وسلم : " أفضل الصدقة صدقة في رمضان "[أخرجه الترمذي عن أنس] .

قال الله تعالى : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً . إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرةً وسروراً وجزاهم بما صبروا جنةً وحريراً ) [الإنسان 8 ـ 12] .

فقد كان السلف الصالح يحرصون على إطعام الطعام ويقدمونه على كثير من العبادات. سواءً كان ذلك بإشباع جائع أو إطعام أخ صالح ، فلا يشترط في المطعم الفقر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم " رواه الترمذي بسند حسن .

وقد قال بعض السلف : لأن أدعو عشرة من أصحابي فأطعمهم طعاماً يشتهونه أحب إلي من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل !!

وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم ، منهم عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وداود الطائي ومالك بن دينار ، وأحمد بن حنبل ، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين .

وكان من السلف من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم ويجلس يخدمهم ويروحهم .. منهم الحسن وابن المبارك .

قال أبو السوار العدوي : كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده ، إن وجد من يأكل معه أكل وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس وأكل الناس معه .

وعبادة إطعام الطعام ، ينشأ عنها عبادات كثيرة منها التودد والتحبب إلى إخوانك الذين أطعمتهم فيكون ذلك سبباً في دخول الجنة : ( لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا ) كما ينشأ عنها مجالسة الصالحين واحتساب الأجر في معونتهم على الطاعات التي تقووا عليها بطعامك .

وقال صلى الله عليه وسلم : " من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء " أخرجه أحمد والنسائي وصححه الألباني . وفي حديث سلمان : " ومن فطر فيه صائماً كان مغفرةً لذنوبه وعتق رقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء قالوا : يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائماً على مذقة لبن أو تمرة أو شربة ماء ومن سقى صائماً سقاه الله من حوضي شربةً لا يظمأ بعدها ، حتى يدخل الجنة " .

رابعاً : قراءة القرآن

شهر رمضان هو شهر القرآن فينبغي أن يكثر العبد المسلم من قراءته ، وقد كان حال السلف العناية بكتاب الله ، فكان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان ، وكان عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يختم القرآن كل يوم مرة ، وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال ، وبعضهم في كل سبع ، وبعضهم في كل عشر ، فكانوا يقرءون القرآن في الصلاة وفي غيرها ، فكان للشافعي في رمضان ستون ختمه ، يقرؤها في غير الصلاة ، وكان الأسود يقرأ القرآن كل ليلتين في رمضان ، وكان الزهري إذا دخل رمضان يفر من الحديث ومجالسة أهل العلم ويقبل على تلاوة القرآن من المصحف ، وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن .

قال ابن رجب : إنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك ، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصاً الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر ، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً لفضيلة الزمان والمكان .

إلا أنه لم يكن هدي السلف هذ القرآن هذ الشعر دون تدبر وفهم ، وإنما كانوا يتأثرون بكلام الله عز وجل ويحركون به القلوب .

ففي البخاري عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرأ علي . فقلت : أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ فقال إني أحب أن أسمعه من غيري قال : فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ) قال : حسبك ، فالتفت فإذا عيناه تذرفان".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما نزلت (أفمن هذا الحديث تعجبون . وتضحكون ولا تبكون ) بكى أهل الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسهم بكى معهم فبكينا ببكائه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يلج النار من بكى من خشية الله " .

خامساً : المكث في المسجد

كان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، إذا صلى الغداة ـ أي الفجر ـ جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس ... قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة ). هذا في كل الأيام فكيف بأيام رمضان ؟

سادساً: العمل التطوعي المتنوع

يعد التطوع من السلوكيات والقيم الإيجابية التي حث عليها الشرع الحنيف وندب إليها خصوصا في شهر البركة والخير ،قال تعالى :(فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ )[البقرة/184] ؛ ذلك لما يترتب على العمل التطوعي من نفع الخلق وقضاء حوائجهم , ومع ذلك فإننا نجد نوعا من التقصير في هذا الباب من أبواب الخير على الرغم من أن التطوع يعد قيمة أصيلة في مجتمعاتنا الإسلامية وله من الآثار و الثمار الايجابية ما لا يحصى ليس على المستوى الفردي فحسب بل على المجتمع بأسره , في المقابل نجد أن العمل التطوعي في المجتمعات الغربية يعد جزءا من الممارسات اليومية للأفراد

فللعمل التطوعي فوائد عديدة تعود على المتطوع نفسه وعلى المجتمع بأسره ، كما أن العمل التطوعي يساهم في استغلال طاقات أفراده في مجالات مثمرة وهادفة لمصلحة المجتمع ويعينهم على قضاء أوقاتهم بالمفيد و خاصة شريحة الشباب .

فالعمل التطوعي ركيزة أساسية في بناء المجتمع ونشر التماسك الاجتماعي بين أفراده، و دليلٌ على حياة المجتمع وحيويته . كما أنه وسيلة لشعور المتطوع بالراحة النفسية و باعتزازه وثقته بنفسه ؛ لشعوره بأهميته ودوره في نفع المجتمع الذي يعيش فيه ؛ لأن العمل التطوعي ممارسة إنسانية ترتبط بمعاني الخير والعمل الصالح قال تعالى: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ )[البقرة/184]فهذه الآية فيها إشارة إلى آثار التطوع المتنوعة على المتطوع ، ذلك أن لفظة (خير) نكرة فتعم كل أنواع الخيرية .

الدعوة في رمضان

ينبغي على الداعية أن يستغل شهر رمضان استغلالاً تاماً يسد جميع أبواب الفراغ، ويغطي ساحات العمل الدعوي، ويشبع الناس بالدعوة إلى الله بشتى الوسائل والبرامج؛ فإننا في عصر نتحين فيه الفرص: متى يقبل الناس منا، ومتى يقبل الناس على الدين، لذا كان الأمر متحتما على الجميع أن يقوموا بالدعوة إلى الله في رمضان، وأن يجعلوها من مقدمات أعمالهم، وليعرضوا عن شبهات المثبطين، وأعذار الكسالى، وإن كان كلام بعضهم حقاً فالأصل أن ينظر إلى الواقع، فمثلاً: قد يقول قائل: أنت تشغل نفسك في رمضان بالبرامج والأنشطة الدعوية و.. إلخ، ولم يكن هذا من دأب السلف الصالح!! نعم هذا صحيح، ولكن الحال مختلف جداً؛ ففي زمنهم كان الناس مقبلون على العلم والعبادة في غير رمضان كإقبالهم في رمضان، وكان الناس أحسن حالاً مما هم اليوم عليه، فكانوا جميعاً يتفرغون للعبادة في رمضان، أما اليوم فالناس بحاجة إلى من يلاحقهم بالنصيحة ويراعي لهم ظروفهم ورغباتهم، وإلا فكثير من الناس إلا من رحم الله بعيدون عن مظانِّ النصيحة، فإذا أقبلوا عليك في رمضان علَّهم لا يقبلوا في غيره، وانتهاز الفرص سلوك نبوي، والدعوة أيضاً عبادة متعدية للغير فهي خير من العبادة المقتصرة على النفس من حيث الجملة، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم، فلا تُقصِّر في عبادتك، ولا تقتصر على العبادة وتترك الدعوة.

 

 

الشباب والوقت

 

يعاني أغلب الشباب من مشكلة الفراغ، خاصة مع دخول أوقات الإجازات ومواسم الخيرات كما هي الحال ، مما يسبب لهم الكثير من الحيرة والاضطراب....

وعندما نلقي نظرة سريعة على ما يفعله الشباب في تلك الأوقات لوجدنا العجب في إضاعتها في غير ما ينفع، بل ربما فيما يعود عليهم بالضرر.

فمن قراءة للمجلات والصحف الهابطة إلى ملاحقة القنوات ببرامجها الهدامة، أو الحرص على المكالمات التليفونية الطويلة، ناهيك عن التسكع في الشوارع والأسواق والجلوس في المطاعم والمنتزهات والدوران بالسيارات ليل نهار بحجة القضاء على الوقت، وكلها طرق خاطئة وأساليب ضارة.

ولا يعني ذلك أن تكون أوقات الشاب كلها جد وعمل، ولا يوجد فيها ترويح، فإن النفس تمل وتكل وتسأم، فلا بد لها من ترويح، وعندما يشغل الشاب وقته بشيء من اللعب المباح أو الترويح المعتدل فإن هذا الفعل لا يعتبر إضاعة للوقت ما دام أنه يعود على النفس والبدن بالفائدة، وما دام أنه لم يخرج عن القدر المؤدي إلى ذلك، لكن الواقع خلاف ذلك.

إن مشكلة الفراغ تكمن في عدم استطاعة كثير من الشباب التفكير الجاد في قضاء أوقاتهم في شيء ينفعهم أو ينفع مجتمعاتهم.

وقد غفل الكثير عن أنه كان يمكن استغلال الوقت الذي بعثر في غير ما فائدة في طلب علم نافع أو تعلم مهارة جديدة، أو جعله فرصة لتصحيح مفاهيم خاطئة، أو انتهازه لنفع عباد الله أو توطيد علاقات حميمة، أو صلة قرابات وأرحام .

كم عند كثير من الشباب من طموح وتطلعات وأماني؟ ألم يكن من الممكن استغلال تلك الأوقات الضائعة في محاولة تحقيق تلك الأحلام والأماني، والسعي الجاد للوصول إلى ما يتطلع إليه الشاب.

إن فرص الاستفادة من الوقت كثيرة ومتنوعة، وتلبي جميع الرغبات وكل الاتجاهات، وما على الشاب إلى أن يحدد الوجهة التي يريدها والنشاط الذي يميل إليه، فهل من مبادرة جادة؟

 

 

الوقت عند السلف

 

لقد ضرب سلفنا رحمهم الله تعالى أمثلة عجيبة في الاستفادة من أوقاتهم واهتمامهم بعمارة الوقت وحفظه وكراهتهم إهداره في غير ما ينفع ويفيد سواء في الدنيا أو الآخرة، ومما يروى في ذلك: كان لكل واحد من أئمة السلف حال مع الله في رمضان، وكلهم يجمعهم شيء واحد، وهو استغلالهم للقوت في كثرة العبادة والذكر والإنفاق والطاعات وقراءة القرآن في هذا الشهر الفضيل؛ فقد حرص السلف على تلاوة القرآن في رمضان آناء الليل وأطراف النهار؛ لأن القرآن نزل في هذا الشهر، فكان منهم من يختم القرآن في قيام رمضان كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر، فكانوا يقرءون القرآن في الصلاة وفي غيرها.

وشغلوا أوقاتهم في قيام الليل حيث هو دأب الصالحين، وتجارة المؤمنين، وعمل الفائزين؛ ففي الليل يخلو المؤمنون بربهم، ويتوجهون إلى خالقهم وبارئهم، فيشكون إليه أحوالهم، ويسألونه من فضله .

ولقد كان السلف رضوان الله عليهم من حرصهم على الوقت في رمضان وغيره يقلون الكلام لكي لا يزلوا، وكان شعارهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"

لقد عرف السلف قيمة الوقت وأن الوقت هو الحياة؛ لذا كان حرصهم على اغتنام الوقت في دنياهم شديدا، وكان شعارهم: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد عملي.

ذكر الطبراني في الجامع الكبير: عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي: ما يمنعك أن تغرس أرضك ؟ فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غدا فقال له عمر: أعزم عليك لتغرسنها, فقال عمارة: فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي "

- قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم: - عن نعيم بن حماد قال: قيل لابن مبارك: إلى متى تتطلب العلم ؟ قال: حتى الممات إن شاء الله "

قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا ليس في شي من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة "

روي أن أبا الدرداء رضي الله عنه, وقف ذات يوم أمام الكعبة ثم قال لأصحابه " أليس إذا أراد أحدكم سفرا يستعد له بزاد ؟ قالوا: نعم, قال: فسفر الآخرة أبعد مما تسافرون !

فقالوا : دلنا على زاده ؟

فقال: حجوا حجة لعظائم الأمور, وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور, وصوموا يوما شديدا حره لطول يوم نشوره.

يقول عبد الرحمن ابن الأمام أبي حاتم الرازي " ربما كان يأكل وأقرأ عليه ويمشي وأقرأ عليه ويدخل الخلاء وأقرأ عليه ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه " فكانت ثمرة هذا المجهود وهذا الحرص على استغلال الوقت كتاب الجرح والتعديل في تسعة مجلدات وكتاب التفسير في مجلدات عدة وكتاب السند في ألف جزء.

وتدبر أخي المسلم معي ما قاله هذا الحكيم " من أمضى يوما من عمره في غير حق قضاه, أو فرض أداه أو مجد أثله أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم أقتبسه فقد عق يومه وظلم نفيه "

لذلك علينا أن نستغل ألأوقات وأن نجعل حياتنا كلها لله فلا نضيع من أوقاتنا ما نتحسر عليه يوم القيامة فالوقت سريع الانقضاء فهو يمر مر السحاب وفي ذلك قيل:

مرت سنيـن بالوصـال وبإلهنـا *** فكأنها من قصرها أيـام
ثم انثنـــت أيـام هجـــر بعـدها *** فكأنها من طولها أعوام
ثم أنقضت تلك السنون وأهلها *** فكـأنها وكأنـهم أحـــلام

وهذا أبو نعيم الأصفهاني   كان حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده، وكل يوم نوبة واحد منهم، يقرأ ما يريده إلى قبيل الظهر على الشيخ، فإذا قام إلى داره ربما يُقرأ عليه في الطريق جزءٌ وهو لا يضجر.

وكان سليم الرازي شافعياً فنزل يوماً إلى داره ورجع فقال: لقد قرأت جزءاً في طريقي.

وقال الحافظ الذهبي رحمه الله في ترجمة الخطيب البغدادي كان الخطيب يمشي وفي يده جزء يطالعه.

وكان ابن عساكر رحمه الله كما يقول عنه ابنه: لم يشتغل منذ أربعين سنة إلا بالجمع والتسمية حتى في نزهته وخلواته، يصطحب معه كتب العلم والمصحف يقرأ ويحفظ.

كانوا يحرصون على استغلال الوقت في عمل أكثر من شيء في نفس الوقت، فقد كان بعضهم إذا حفي عليه القلم واحتاج إلى بريه يحرك شفتيه بذكر الله وهو يصلح القلم، أو يردد مسائل يحفظها لئلا يمضي عليه الزمان وهو فارغ ولا دقيقة.

كان أبو الوفاء علي بن عقيل رحمه الله يقول: إنني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري؛ حتى إذا تعطل لساني عن المذاكرة وتعطل بصري عن المطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا منصرف، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره. أي: هو الآن لا يجد كلاماً ولا شيئاً يقرؤه، فيأخذ راحة وفي أثنائها يشغل فكره.

يقول ابن القيم رحمه الله: وأعرف من أصابه مرض من صداع وحمى وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة؛ قرأ فيها، فإذا غلب؛ وضعه، انظر حتى حال المرض، إذا وجد خفة؛ فتح الكتاب وقرأ، وإذا اشتد عليه أرجع الكتاب عند الوسادة.

نماذج من علماء العصر في استغلال الوقت

لو نظرنا إلى حال علمائنا في هذا العصر؛ لوجدنا من استغلالهم لأوقاتهم أموراً عجيبة.

مثلاً عندما تقرأ عن ابن عثيمين تجد أن السائل عندما يسأله ، فإنه يجد أنه يجيب على الهاتف من خلال المكبر ولا يرفع السماعة، ووعندما  تسأله تسمع صوت الأوراق وهي تقلب، فهو يتكلم ويقرأ ويجيب ويراجع في هذا الوقت، وتجد أيضاً أنهم مع محافظتهم على أوقاتهم يحددون أوقاتاً معينة، فهذا الوقت للقراءة، وهذا الوقت للتدريس، وهذا الوقت للإجابة على الهاتف، وهذا الوقت للنوم، وهذا الوقت للذهاب إلى العمل... وكان الشيخ بن عثيمين في مرحلة الطلب يدرس على شيخه عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي رحمه الله كان وقد يكون الشيخ/ عبد الرحمن مدعو لوليمة أو دعوة فيذهب للدعوة، فيماشيه الشيخ/ ابن عثيمين في الطريق حتى يصل إلى مكان الدعوة ثم قد يدخل معه وقد يرجع، ولكنه لو رجع فقد استفاد استفادة عظيمة.

وهكذا عندما تتأمل إلى حياة عبد العزيز بن باز رحمه الله، هذا الرجل الذي فقد بصره وله من العمر تسعة عشر عاماً، لوجدت في استغلاله لوقته أمراً عجيباً، فإنه يسأل ويناقش حتى على الطعام، بل وحتى عند المغسلة وهو يغسل يديه وفي المجلس وفي الطريق إلى المسجد وبعد الخروج منه، حتى إنه ربما أعاد ذكراً فاته لسؤال أجاب عليه.

وكذلك إذا تأملت في حاله مثلاً وهم يسألونه في الحلقة وبعد الحلقة، حتى إنه لو ركب في سيارته، فإنهم لا يزالون يسألونه والسيارة تتحرك، بل ربما أنه قد أركب معه السائل في السيارة، فيجيب على سؤاله، ويعرض عليه كاتبه الأوراق والمسائل وتقرأ عليه المعاملات والفتاوي في السيارة، وربما سمع شيئاً وهو على الغداء، ويذكر الله حتى بين لقمتين.

وهؤلاء العلماء محافظون على وقتهم جداً، ومنهم علامة العصر في الحديث الشيخ/ الألباني رحمه الله، فإن بعض الناس قد يقول عن بعض المشايخ وهم يحددون أوقاتهم، يقول: الشيخ ناشف، الشيخ لا يعطينا وجهاً، وفي الحقيقة أن الشيخ يحافظ على وقته، وإلا لو استمر يتكلم مع الناس لذهبت عليه أمور كثيرة.

مجمل القول في الوقت

استغلال الأوقات في الأعمال والبرامج تحتاج إلى إخلاص وعزيمة صادقة، وإرادة قوية في سبيل تحقيق ذلك.

على العبد البدء بوضع برنامج، كل على حسب قدرته وطاقته، والحرص على عدم تفويت أي لحظة لا يستفيد منها.

علينا أن نزيد من  اهتمامنا بكل العبادات, ونضاعف من الجهد في الطاعات, ونعيش جميعًا روحانية رمضانية .

وكذلك يجدر بنا الاستشعار للأجر الذي سنناله, والثواب الذي سنفوز به, عندما نكون من التائبين المنيبين المستغفرين بالليل والنهار، مستثمرين للأوقات

الجميع عليه أن يخرج كل أفعاله في هذا الشهر المبارك من صوم وقيام وصدقة وقراءة قرآن من إلف العادة إلى روح العبادة, فلا نريد أن يكون حظنا من الصوم الجوع والعطش, ومن القيام التعب والسهر, وعلينا أيضا بالجد والاجتهاد, والعمل والمثابرة في شهر المغفرة والرضوان من الرحيم الرحمن.

على أنني أُهيب في نهاية هذا الرسالة بالدعاة والمصلحين –أفرادًا ومؤسسات- بأن يعيدوا تقويم برامجهم الدعوية، وأنشطتهم الرمضانية، سواء أكان ذلك من حيث الكم أم الكيف؛ حتى تساعد بشكل أفضل على معالجة الفراغ الحاصل واستثماره.

وأسأل الله أن يلهمنا رشدنا وييسر لنا مفاتيح المعروف، وسبل الهداية، وأن يبارك لنا في أوقاتنا، ومواسم الطاعات، وأن يُسهل لنا استثمارها، وأن تكون هذه الرسالة خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع بها المسلمين، على أن ما فيها من صواب فهو من توفيق وإنعام رب العالمين، وما كان فيها من خطأ فمن نفسي والشياطين، والله أعلم وهو أحكم الحاكمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

جزاكم الله عنا خيرا وبارك الله لنا ولكم في أوقاتنا.
4 + 2 =