الاجتماع ونبذ الفرقة
5 رمضان 1432
سعد العثمان

إنَّ في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم، صلاحاً لدينهم ودنياهم، فباجتماعهم يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح ما لا يمكن عدُّها، من التعاون، والتكاتف، والتلاحم، والقوة والهيبة أمام أعدائهم. كما أنه في الافتراق والتعادي يختل نظامهم، وتنقطع روابطهم، ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى ذلك إلى الضرر العام.

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً         وإذا افترقن تكسرن آحـــاداً

وقال الآخر:

إلام الخــلف بينكم إلام         وهذه الضجة الكبرى علام

وفيم يكيد بعضكم لبعض        وتبدون العداوة والخصـام

عزيزي القارئ:

لقد أمرنا ربنا، وأوجب علينا في كتابه الكريم، أن نجتمع ونتكاتف، وأن نبتعد كل البعد، عن أسباب الشقاق والنزاع والتفرق، وإليك قطوفاً من ذلك:

-  قال الله تعالى: ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ) آل عمران: 103.
اعتصموا: تمسكوا، حبل الله: دينه.

-  قال الله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) آل عمران: 105.
الذين تفرقوا واختلفوا: أهل الكتاب من اليهود والنصارى، البينات: الحجج الدامغة.
-  قال الله تعالى: ( إنَّ الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ إنَّما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) الأنعام: 159.
 قال أبو جعفر الطبري – رحمه الله -: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال:   إن الله أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه بريء ممن فارق دينه الحق وفرَّقه، وكانوا فِرَقًا فيه وأحزابًا شيعًا، وأنه ليس منهم، ولا هم منه، لأن دينه الذي بعثه الله به هو الإسلام، دين إبراهيم الحنيفية السمحة الواضحة البينة، كما قال له ربه وأمره أن يقول:

( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [سورة الأنعام: 161].

فكان من فارق دينه الذي بعث به صلى الله عليه وسلم من مشرك ووثنيّ ويهودي ونصرانيّ ومتحنِّف، مبتدع قد ابتدع في الدين ما ضلّ به عن الصراط المستقيم، والدين القيم ملة إبراهيم المسلم، فهو بريء من محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد منه بريء، وهو داخل في عموم قوله:(إن الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء).
-      قال الله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) الأنفال: 46.
 قال أبو جعفر الطبري – رحمه الله -: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: أطيعوا، أيها المؤمنون، ربَّكم ورسوله فيما أمركم به ونهاكم عنه، ولا تخالفوهما في شيء،  " ولا تنازعوا فتفشلوا " يقول: ولا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم " فتفشلوا " فتضعفوا وتجبنوا، " وتذهب ريحكم " وهذا مثلٌ يقال للرجل إذا كان مقبلاً ما يحبه ويُسَرّ به: " الريح مقبلةٌ عليه "، يعني بذلك: ما يحبه، ومن ذلك قول عبيد بن الأبرص:

كَمَا حَمَيْنَاكَ يَوْمَ النَّعْفِ مِنْ شَطَبٍ   وَالفَضْلُ لِلقَوْمِ مِنْ رِيحٍ وَمِنْ عَدَدِ

عزيزي القارئ:

لقد طبق النبي الكريم عليه الصلاة وأزكى التسليم، مسألة اجتماع كلمة المسلمين، والبعد عن افتراقهم، بقوله وفعله، وإليك طرفاً من أقواله وأفعاله:

1.  ثبت في صحيحي البخاري ومسلم، قوله صلى الله عليه وسلم: ( مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر والحمى ).
2. ثبت في الصحيح أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ).

   وذكر أن الصفة البارزة في الفرقة الناجية، والسمة الواضحة          البينة فيها، أنها ملتزمة بالقرآن والسنة التزاماً تاماً.

3. ثبت في الصحيح أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ( ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض ).
 

عزيزي القارئ:

هذا شئ من أقواله، وإليك شيئاً من أفعاله وتصرفاته، التي تؤكد على الاجتماع، وتحذيره من التفرق:

   1- ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار!! وقال المهاجري: يا للمهاجرين!!.

 قال: فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال:

( ما بال دعوى الجاهلية؟! )، فقالوا: يا رسول الله!! رجل من المهاجرين كسع رجلاً من الأنصار، فقال:( دعوها؛ فإنها منتنة )، فقال عبد الله بن أبي بن سلول: قد فعلوها!! لئن رجعنا إلى المدينة؛ ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: دعني يا رسول الله!! أضرب عنق هذا المنافق!! فقال:

(دعه يا عمر؛ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه).

2 - ثبت في الصحيح أيضاً، أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق        رضي الله عنه، أخبر عبد الله بن عمر رضي الله عنه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(ألم تري أن قومك ـ حين بنوا الكعبة ـ اقتصروا على قواعد إبراهيم) قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: ( لولا حدثان قومك بالكفر ).

قال: فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم.

تراجع النبي صلى الله عليه وسلم عن نقض الكعبة، مع أنه قادر على ذلك فهو الآمر الناهي في مكة كلها، وقد دانت له وصارت تحت سيطرته وتصرفه، ولكن!! اجتماع كلمة المسلمين أهم وأولى؛ بنظره صلى الله عليه وسلم من إقامة الكعبة على قواعد أبيه إبراهيم عليه السلام، ولذلك تراجع عن رغبته، وذكر السبب في تراجعه لزوجته عائشة رضي الله عنها، فليت أمة الإسلام تعي هذه الحقيقة، وليت أولياء أمور المسلمين وعلماءهم يتخذوا موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، طريقاً واضحاً وبيناً لهم، ودليلهم هذه الرواية التي تدل دلالة واضحة على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من التفرق والتمزق في دينهم، كما حصل للأمم من قبلهم، فيقتدون به، ويتركون حظوظ النفس جانباً، فديننا أغلى علينا من أرواحنا، فلا نتفرق فيه؛ ويوجد ثغرة ولو صغيرة للاجتماع، فنحن نجمع ولا نفرق، ونستوعب ولا نستبعد...

3- في صلح الحديبية، ثقل على الصحابة وعلى رأسهم عمر الفاروق رضي الله عنه الظروف والبنود التي تم فيها وعليها صلح الحديبية، حتى وصل الأمر بأنهم لم ينفذوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحلوا إحرامهم، فخاف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن ينزل بهم عقاب أو عذاب، فدخل إلى خيمته مغضباً، وطرح الأمر على زوجته أم سلمة رضي الله عنها، فأشارت عليه قائلة:

يا رسول الله!! اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً...

انظر النبي صلى الله عليه وسلم أخذ برأي زوجته في قضية كبرى من قضايا دولته ورعيته، وتسمى في العصر الحديث " عصيان مدني " وهو في حالة حرب، فإنه صلى الله عليه وسلم عالج الأمر علاجاً ناجعاً، ولم ينتقم لرأيه ويتصلب له، بل عالج الأمر بكل حكمة وروية..

عزيزي القارئ:

لقد وعى السلف الصالح، مسألة الاجتماع ونبذ التفرق، وإليك بعض مواقفهم، في هذا الباب: 

1-   عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، المعروف بظلمه، وتعسفه، وغلظته، وعبد الله بن عمر رضي الله عنه، يعتبر من أشد الصحابة تمسكاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به، وعندما عوتب في ذلك قال: ( أمرنا أن نصلي خلف كل بر وفاجر، وأن نقاتل مع كل بر وفاجر ). والمقصود ما دامت كلمة المسلمين مجتمعة على الإمام ولو كان فاسقاً أو فاجراً، فإنه يطاع، ويصلى خلفه، ويجاهد معه، لأن اجتماع كلمة المسلمين عليه، تغطي على فسقه وفجوره، وفسقه وفجوره عليه، ما دام لم يأمر بمعصية لله، أو لم نر كفراً بواحاً، فعلينا أن نسمع ونطيع، ولا نخلع يداً من طاعة..

2-   تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب – رضي الله عنهما – عن الخلافة، لمعاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – حَقناً لدماء المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، وسمي في التاريخ ذلك العام "عام الجماعة".
3-   قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: ( لو أعلم أن لي دعوة مستجابة، لجعلتها لولي الأمر، لأن صلاح ولي الأمر صلاح للأمة جميعاً ).
4-   أبو هريرة رضي الله عنه يقول: (حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين من العلم، بثثت لكم وعاء، ولو بثثت الآخر لقطعت هذه السالفة ).

أبو هريرة رضي الله عنه ترك بث الوعاء الثاني من العلم الذي تعلمه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خوفاً من أن يحدث فرقة وتمزقاً في الأمة، واجتماع كلمة المسلمين أولى بنظره من بث هذا العلم، ولعل هذا العلم الذي خبأه له علاقة في الحياة السياسية في عصره ذلك.

عزيزي القارئ:

يقول الله عز وجل: ( يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) النساء: 59 .

مرد الخلاف إلى الكتاب والسنة، ففيم الخلاف ؟؟؟.

اختلافنا في الرأي، لا يفسد الود بيننا، وليكن شعارنا في حوارنا: أزداد لك حباً إن اختلفت معك رأياً، وأزداد لك تقديراً إن اختلفنا اجتهاداً...

إن نقاط اجتماع المسلمين بحرٌ تذوب فيه نقاط خلافهم، فالدين واحد، والشريعة واحدة، والقبلة واحدة، والعقيدة واحدة، وأركان الإسلام الخمسة متفق عليها، وأركان الإيمان الستة لا خلاف فيها، وحفظ الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، لا جدال فيها، والمحرمات المعروفة لا مراء فيها ولا نقاش. ففيم الخلاف؟؟؟.

أخي القارئ الكريم:

إن الله تعالى سمانا في كتابه العزيز، في الآية الأخيرة من سورة الحج، المسلمين، ولم يضف بعد هذا الاسم أي اسم أو وصف أو صفة، قال الله تعالى:

(وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم "هو سماكم المسلمين" من قبل) فإضافة أي وصف أو صفة بعد كلمة "مسلم" لا يقره شرع ولا منطق ولا عقل، وهذا يؤدي إلى التمزق والتفرق، والضعف ونقص الهيبة أمام الأعداء، انظروا ما حدث في العراق الجريح، عندما أضافوا على كلمة مسلم، سني وشيعي، وكردي وعربي، حدثت مجازر ومذابح، وزين الشيطان للقاتل أنه يتقرب إلى الله بقتله لأخيه المسلم، ونسي هذا المسكين قول النبي الكريم ، والحديث في الصحيح، يقول صلى الله عليه وسلم : (لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم).

وهدم الكعبة كم هو عظيم عند الله، أعظم منه قتل امرئ مسلم بغير حق.

وهذا لا يعني أبداً أن نقرَّ المخطئ على خطئه، بل نحاوره ونناقشه، مراعين في ذلك آداب الحوار التي نص عليها الشرع الحنيف، وأهم هذه الآداب أن تستشعر في حقيقة نفسك أن كلامك صواب يحتمل الخطأ، وكلام محاورك خطأ يحتمل الصواب، وما دام مرد الحوار والنقاش ومرجعيته للكتاب والسنة، فالأمر هين وسهل، وتكون نتيجة هذا الحوار بناءة ومنتجة ومفيدة...

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

ما دور الوحدة ونبذ الفرقة في تحصين المجتمع المسلم
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
4 + 2 =