إشكالات على أجوبة الاعتراضات المالكية
27 ذو الحجه 1432
إبراهيم الأزرق

موازنة بين الرؤية السلفية والرؤية التنويرية

 

(1)    توطئة:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: فقد قرأت ما سطره الأستاذ المكرم عبدالله المالكي من أجوبة على اعتراضات وردت حول مقاله سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة، وبصرف النظر عمّا كتبه سابقاً ومدى انسجام التوضيحات معه، فقد أسعدني ما كتب الأستاذ من توضيحات، فهي على الأقل تبدي للناظر أن مآلات مقاله الأول ولوازمه الشنيعة التي ألزم بها نتيجة لما يراه عدم فهم من مخالفه، أو كما يراها مخالفه جراء عدم تدقيقه في عبارته، ولك أن تقول: عدم فهمه لمرامي كلامه، أياً ما كان فهي تخفف كثيراً من الحكم على كلام الأستاذ، وتجعل لكثيرين مندوحة عن وصف قول صاحبها بما لا يلتزمه.

 

ولم أتجشم النقش والاستقصاء في تتبع ما كتبه الأخ الكريم في التوضيحات، لأن ذلك قد يؤدي إلى تطويل في مسائل ليس وراءها كبير طائل، وآثرت أن أقتصر على مقاصده، بعرض يوضح شيئاً من جوانب الحجة السلفية والتي بدا لي أن الأستاذ لم يبصرها، ودونك بعدها الموازنة والترجيح بين المسلك السلفي والمسلك الخلفي، والله أسأل لي ولأخي الهداية والسداد، والاستقامة على سبيل الرشاد.

 

(2)    لا سيادة لعبيد على عبيد:
خلق الله الخلق لعبادته، وما من إنسان إلا وهو عبد لله طوعاً أو كرهاً فهو خاضع لقضائه وقدره وإن تمرد على عبادته محاسب في آخرته، وقد بعث الله الرسل وأنزل الكتب لإقامة الدين في النفوس ولتحكم الشريعة بين الناس، ويتحقق بذلك ظهور الدين الصحيح على سائر الأديان، قال الله تعالى في آيتين من كتابه: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) [التوبة: 33]/[الصف: 9]، (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا) [الفتح: 28].
وقد نص عز وجل في مواضع من كتابه على أنه أنزل الكتاب ليحكم في الأهواء، فقال: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) [المائدة: 48]، (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) [المائدة: 49].

 

وتأمل كيف وصف الكتاب بالهيمنة، كما أنه وصف حججه وآياته بأن لها سلطاناً في مواضع، لأخذها بالقلوب، وقال: (أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون) [الروم: 35].
ومن هنا تعلم أن التعبير بسيادة القرآن أو الشريعة إذا أريد به الخضوع لحكمها والرجوع إليها، تعبير سديد، وإن لم تكن الشريعة كائناً حياً يتحرك! لكنها تأمر وتنهى ولها أجناد وخدام! وعلى المكلفين الخضوع وتلك هي السيادة وهي في حقيقتها سيادة لله منزِّل تلك الشريعة وخالق الخليقة.
ونظير هذا نص الوضعيين على مبدأ سيادة القانون (Rule of law) وهو عندهم أصل دستوري، لم يعترض يوماً قانوني أو كما يقال: فقيه دستوري على هذا التعبير! وإن كان في حقيقته سيادة لواضع القانون، فمن شاء أن يكون عبداً لله فليكن، ومن شاء أن يكون عبداً لغيره فليفعل!
وقد تجلى مبدأ سيادة الشريعة بهذا المفهوم في العصور الأولى للإسلام حيث كان يخضع لها الأمير والمأمور بل الخليفة بل النبي صلى الله عليه وسلم: أوليس هو القائل دونك فاقتص!
وكذلك عرف الغربيون سيادة (القانون) في حقبات من العصور الوسطى، ولعل أول من أخضع نفسه ملك إنجلترا يوحنا عام 1215م يوم أخضع نفسه وغيره لما سمي بالميثاق العظيم (Magna Carta).

 

ونفس هذا الأصل كان معروفاً في العصور القديمة والنزاع فيه عند اليونان وغيرهم يعرفه المطالع.
والناس تقول سادت أفكار وسادت عادات وسادت معتقدات ولا يعنون بذلك أنها تمثلت أشخاصاً وأخذت أسواطاً فتحكمت في رقاب الناس! بل يجعلون مجرد اعتناقها ولو لم تكن نظام حكم سيادة لها عليهم. والخلاصة أن التزام الشريعة والإلزام بها أو كما يقال: (تطبيق) الشريعة هو سيادتها، فتأمل بعد المقولة: (سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة)! بل يقال: سيادة الشريعة لا سيادة لعبيد على عبيد! لا قبل تطبيق الشريعة ولا بعدها!

 

(3)    قصد ظهور الدين وإعلاؤه ألصق بالإلزام أم الالتزام:
من الأهمية بمكان لا يخفى لنجاة المرء بنفسه التزامه بالشريعة قدر الإمكان، بيد أن مما يخفى على بعضهم أن إقامة الشرع بين الناس، وإعلاء أحكام الإسلام، لا تقل أهمية عن ذلك.
ومن تأمل الشريعة وجدها تقضي بجواز إبقاء الكافر على كفره هو وشأنه، لكن بشرط أن يخضع لحكم الإسلام، فالتزامه في نفسه بينه وبين ربه هو وشأنه فيه، لكنه ملزم في ما يظهر بأحكام الشريعة، وقد نص الإمام ابن تيمية على أن تطهير الأرض من أصل الكفر ليس بواجب، قال: "وجواز إقرار أهل الكتابين على دينهم بالذمة ملتزمين جريان حكم الله ورسوله عليهم، لا ينافي إظهار الدين وعلو الكلمة"، ولهذا جاز هذا من غير اضطرار بل على المسلمين أن يقبلوا الجزية متى عرضت عليهم، بخلاف الصلح والهدنة فمقيدة بمصلحة الإسلام، فالعمل على إعلاء كلمة الله وظهور الدين متحتم، بخلاف هداية قلوب الخلق فهذه ليست إلينا، و"يوضح ذلك أنا نقر الكفار بالذمة على أعظم الذنوب، ولا نقر واحداً منهم ولامن غيرهم على زنا ولاسرقة ولاكبير من المعاصي الموجبة للحدود، وقد عاقب الله قوم لوط من العقوبة بما لم يعاقبه بشراً في زمنهم لأجل الفاحشة، والأرض مملوءة من المشركين وهم في عافية! ولهذا يعاقب الفاسق الملي من الهجر والإعراض والجلد وغير ذلك بما لا يعاقب به الكافر الذمي مع أن ذلك أحسن حالاً عند الله وعندنا من الكافر"[الصارم].
المقصود بيان أن ظهور الدين وعلو أحكام الشريعة هدف عظيم، لا تقل الدعوة إليه عن دعوة العباد كل في خاصة نفسه للالتزام أحكام الشريعة.

 

(4)    أنظمة الحكم المبنية على العقود أنواع كثيرة وليست القسمة ثنائية:
لإقامة سلطان الدين، وبسط نفوذ الشريعة، لابد من دولة فيها ولاة أمر مطاعون، لا يحكمون بأهاوائهم ولا بما يطلبه الجمهور، بل بما يقرره حملة الشريعة العدول الذين أمر الله بالرد إليهم في مواطن من كتابه، ومن أكمل أوجه ذلك أن يكون عن رضا الناس وذلك خير لهم، وهذا لا نزاع فيه.
وقد أمر الله تعالى بطاعة ولاة الأمر، وأمر بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم، بعد أن عرف العرفاء، وأرسل الأمراء.

 

وحاجة المجتمعات لوجود دولة ترعى مصالحهم وتدفع الفساد عنهم ضرورية، ولهذا نظمت المجتمعات البدائية وغيرها أنفسها في الغابر والحاضر في صور مختلفة، وعرف التاريخ أشكالاً للحكومات منها قسمان يكثر الحديث عنهما وكأنه لا وجود لغيرهما وأعني بهما: الحكومات الاستبدادية، والحكومات الشعبية أو الديمقراطية، والقسمة الثنائية هذه ليست حاصرة من جهة، ومن جهة أخرى كلتاهما متعلقة بنظرية عقد اجتماعي مختلفة عن الأخرى.

 

ويوغل في الخطأ من يظن أن نظريات العقد الاجتماعي، إنما جاءت بتأسيس الحكومات الشعبية أو الديمقراطية! فالعقد الاجتماعي ضرورة، لم يأت بنظريات تخدمه أو تؤسس له غروتيوس ولا بوفندورف ولا هوبز ولا جون لوك ولا من بعدهم فقط، بل قد وجدت عقود شتى منذ العصور القديمة قامت عليها أنظمة مختلفة، وقد كان هوبز أحد رواد نظريات العقد الاجتماعي في العصر الحديث، لكنه جاء بنظرية تمهد للاستبداد وعن طريق العقد!
وأياً ما كان فالأنظمة الحاكمة التي عرفتها الشعوب وأعطت عليها عقود الولاء  كثيرة كثيرة!

 

(5)    ليس ثمة نظام فماذا نختار وإلى ماذا ندعو؟
في حالة عدم وجود نظام، أو وجود نظام تَوافَق الناس على تغييره، فالخيرات المطروحة كأنظمة للحكم كثيرة، وحسبك أن أرسطو -ولد 384 ق.م!- الذي يعد من أقدم من قسم السلطات إلى تشريعية، وتنفيذية، وقضائية ونادى بفصلها كما في كتابه السياسة (The Politics) هذا الرجل ميّز بين ستة أنواع من الحكومات: الملكية، والاستبدادية، والارستقراطية، والاوليجاركية، والديمقراطية، والديماغوجية.
وليست بالضرورة أن تكون هذه الأنظمة حتى الملكية منها استبدادية، إلا باصطلاح يصح معه أن نسمي الديمقراطية استبدادية! الأكثرية، ولا ينسجم هذا مع مفهوم الاستبداد اللغوي ولا الاصطلاحي.
وبالمناسبة لم يكن أرسطو يرى أن الديمقراطية هي بالضرورة الحكومة الفاضلة، بل الحكومة الفاضلة هي المناسبة بحسب الظروف!
وعوداً للمقصود فإن خيارات الحكومات كثيرة، وأشكالها متنوعة سواء أكانت سلطوية، لا سلطوية، أرستقراطية، ديمقراطية، ملكية، ثيقراطية، تيموقراطية..إلخ وأخيراً إسلامية!

 

وينبغي أن نعلم جيداً أن ديناً علم الناس الخراءة! لا يمكن أن يغفل نظام الحكم، كما قال سلمان رضي الله عنه،  لما قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة؟! فقال: أجل! لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم [صحيح مسلم].
فالشأن كما قال الله -ومن أصدق من الله قيلا- (وكل شيء فصلناه تفصيلاً) [الإسراء: 12]، (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) [النحل: 89]، (ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) [يوسف: 111]، (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً) [الإسراء: 9]، قال صاحب الأضواء بعد أن استرسل في تفسير هذه الآية: "ولما كان تتبع جميع ما تدل عليه هذه الآية الكريمة من هدي القرآن للتي هي أقوم يقتضي تتبع جميع القرآن وجميع السنة؛ لأن العمل بالسنة من هدي القرآن للتي هي أقوم، لقوله تعالى: (وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا) [الحشر: 7]، وكان تتبع جميع ذلك غير ممكن في هذا الكتاب المبارك، اقتصرنا على هذه الجمل التي ذكرنا من هدي القرآن للتي هي أقوم تنبيهاً بها على غيرها والعلم عند الله تعالى"، وليتأمل من شاء ما كتبه صاحب الظلال على قوله تعالى: (يهدي للتي هي أقوم).

 

(6)    ما هو نظام السيادة الأمثل للحكم في نظرنا كمسلمين؟
والسؤال الكبير الذي يقع بسببه لبس، في وضع اللانظام، أو النظام غير الصالح، نحن كمسلمين ندين الله تعالى بأنا عبيده وأن علينا توحيده وأن تحكيم شرعه واجب على الفرد وعلى الأمة، فما هي الطريقة الأمثل التي يجب أن ندعو إليها أو نختارها إن كانت ثمة خيارات معروضة؟
هل الأمثل أن نختار سيادة الأكثرية، أو الطبقة الأرستقراطية، أو الديماغوجية، أو سيادة ديكتاتور مستبد، .. إلى آخر أشكال الحكم؟
أم نختار سيادة الشريعة -الآمرة الناهية- عن طريق إرجاع الأمر إلى أهله من العلماء الذين أمر الله بالرد إليهم ومن يشيرون به من الوجهاء أصحاب الخبرات الذين هم أهل للحل والعقد؟ ولا تقل لي كيف ستحدد هؤلاء، فإن علم العامة ومعرفتهم بعلمائهم الذين يفوضون لهم أمر إدارة العملية أعظم بل لا يقارن بعلمهم ولا معرفتهم بمن يفوضون إليهم إدارة العملية الانتخابية وينظمون صناديق الاقتراع ويفرزون الأصوات!

 

إن كنا نؤمن بإِنِ الحكم إلا لله، الذي أمر ألا نعبد إلاّ إياه، فلا أسياد بشريون يتسلطون على من يساوونهم، بل الكل عبيد لله ولا خيار، علينا أن نرفض سيادة بشر على بشر بحيث يعطى حق التشريع له فالطاعة في ذلك هي العبادة، ألم يقل الله: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان) [يس: 60]، وهل كانت عبادته غير طاعته؟ ألم يقل الله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) [التوبة: 31]، وهل كان ذلك إلاّ بطاعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال؟
ينبغي أن نعلنها بملء الفم نحن نرفض عبودية البشر لأهواء البشر سواء أكانوا طغاة مستبدين أو أكثرية أو طبقة مثقفة واعية! كما نرفض تسلط الفرد بغير حجة، فكذلك تسلط الأكثرية بغير حجة، ويظهر وجه هذا الرفض إذا وضعت نصب عينيك سيادة تقتضي ملك التصرف في السلطة التشريعية، والقضائية، والتنفيذية.

 

ولاحظ أن الحديث هنا لا عن واقع، بل صور مفروضة كأن يكون:
لا نظام، والخيار لكم أيها المسلمون:
-    إما أن تختاروا الرضوخ لسيادة الأكثرية التي لها أن تحكمكم بما شاءت، وتنصاعوا لها كيف كانت، عن طريق لجنة تحضيرية لانتخابات برلمانية حرة ونزيهة يشارك فيها رؤساء عشائركم مع بعض خدمكم وطائفة من أهل الرأي والثقافة فيكم وحفنة من فجاركم أو فساقكم أو من تصطلحون عليهم.
-    وإما إن تختاروا الرضوخ لما تقرر في نظام الحكم الإسلامي من العمل على تولية الأمثل في إقامة الشرع، عن طريق جملة من علمائكم الراسخين وأهل الرأي المرضيين تحصل بهم الكفاية.
فهل يسع من يؤمن بالله واليوم الآخر ويوقن بأن الشريعة ملزمة له في نفسه ومجتمعه أن يختار الأول؟ وهل يقول إسلامي عاقل بأن الخيار الأول خير من الثاني؟

 

(7)    السلفيون ورأيهم في خيار الديمقراطية إن كان أخف ضرراً:
لنقل دعكم من الافتراضات وعيشوا واقعكم..المسألة ليست قضية دعوة لأمثل، بل تعامل أمثل مع واقع ماثل!
ولنفترض أنكم في دولة من الدول العربية أصبحتم وإذا بالإعلانات في كل مكان: أمامكم أيها الشعب خياران:
- إما حاكم مستبد يسود عليكم ليفرض طغيانه، يدخل معه إسلاميون لمحاولة إصلاحه، بالنصيحة تارة، وبالدعاء أخرى، وبالأمر والنهي ثالثة.
- وإما نظام تسود فيه الأكثرية يدخله الإسلاميون ويحاولون من خلاله تسويد الشريعة، فإن أخفقوا عاودوا الكرة بما يمكنهم منه ذلك النظام.
أقول لو كان هذا هو الواقع فمن الممكن أن تُرجِّح الموازنة الاختيار الثاني.
لكن يبقى اللجوء إليه اضطراراً شيء، واعتقاد أنّه الأمثل الذي جاء به الإسلام، شيء آخر.

 

وأغلبية السلفيين تعي هذا جيداً فيقولون بجواز المشاركة في العملية الديمقراطية إن كانت المشاركة فيها ستخفف من وفساد الواقع وهذا قديم عندهم وليس بالرأي الجديد! وقد صدرت فتاوى أكابر أئمتهم بأحكام واضحة مقررة في هذا الشأن، وإذا أردت أن تحاكم المنهاج السلفي فحاكمه إلى أصوله من الكتاب والسنة، أو حاكمه إلى آراء كبار أئمته الذين يقلدهم عامتهم، ودعاة الديمقراطية من الإسلاميين يتفقون معنا على القدر القاضي بمشروعية المشاركة أو وجوبها في حال الضرورة، والخلاف فيما عدا ذلك، والبحث هنا في حال الضرورة، فلا داعي لنقاش أصول المسألة الشرعية، ما دمنا متفقين، وأما فتاوى أئمة السلفيين المعاصرين التي تثبت أن هذا منهاجهم السائد أو على الأقل منهاج مرضي لا يخرج عن كونه اجتهادياً مقرراً عند أكثرهم فحسبك منها:
- فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله كما في مجلة لواء الإسلام العدد (3) ذو القعدة 1409، وكذلك مجلة الإصلاح العدد 241-17 بتاريخ 23/6/1993م.

 

- فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، كانت فتواه على موقعه:
http://www.ibnothaimeen.com/all/sound/article_16230.shtml
- ومن المعاصرين فتوى الشيخ عبدالرحمن البراك حفظه الله، التي نشرت في موقع المسلم وغيره.
ولا أزعم أنه لا يوجد من خالف هذه الفتاوى من العلماء السلفيين، لكن الحديث عن جمهورهم، ومن أنصف علم أن من يعتمدون أقوال هؤلاء هم الأكثر، والبقية يقدرون اجتهاداتهم وإن خالفوهم.
ومن التلبيس في هذا الباب ما يصنعه بعضهم من محاكمة جمهور السلفيين إلى آراء بعضهم وإن كانوا لا يقولون بها ولا يقلدونهم فيها! ومن التلبيس كذلك محاكمتهم إذا دخلوا اضطراراً لما يقررونه في دخولها اختياراً مع توفر البديل الشرعي.

 

(8)    الفرق بين السلفيين والتنويريين.
دعني أولاً أفرض أن الناس استيقظوا من نومهم فوجدوا الإعلانات تنص على ما يأتي:
على الناس اختيار أحد نظامي الحكم الآتيين ولهم مطلق الحرية في ذلك:
- إما أن أحكمهم بسياساتي القمعية الطاغوتية وأفرض عليهم سيادتي ولا بأس بإشراك بعض الجمهور في الحكم من أعدائي دعاة الحرية والديمقراطية لتتنفسوا قليلاً!
- وإما أن أحكمهم بسياساتي القمعية الطاغوتية وأفرض عليهم سيادتي ولا بأس بإشراك من توفرت فيه مؤهلات التزلف والتطبيل والأولى الطبل الأعلى!
والناس بين ثلاثة خيارات، إما أن يختاروا الأول، أو الثاني، أو يمتنعوا عن المشاركة.
لا أنفي أنه كان بين السلفيين خلاف في وقائع مقاربة للمسألة المفروضة! فبعضهم من رأى المشاركة في التصويت تخفيفاً، وبعضهم رأى أنه لا جدوى والأولى صرف الجهود في ما هو أنفع.

 

أما معظم الإسلاميين من غيرهم فكانت قضيتهم محسومة بالمشاركة.
ولست في معرض الموازنة، ولكني أشكر للإسلاميين مشاركتهم بناء على قصدهم النبيل، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه:
ماذا لو عنَّت لهم فرصة لتحويل نظام الحكم الاستبدادي الطاغوتي، إلى نظام ديمقراطي حر ونزيه؟
أتراهم يقولون: المسلمون عند شروطهم وإن كانت باطلة محرمة، والسيد الرئيس وثق فينا، وقد أقسمنا في البرلمان، ولذا سوف نمضي في ركب المستبد حتى آخر ساعة من حياتنا؟

 

الجواب معروف!
وإذا كان كذلك فحق لي أن أعجب من رجلٍ يطالب سلفياً بالورع البارد! في حالة نظام ديمقراطي رضي بحكم الطاغوت ثم لمَّا عنَّت للسلفي فرصة إقامة خلافة راشدة على منهاج النبوة! صاح فيه مستنيرون! بلسان الحال اتق الله المسلمون على شروطهم، ولا يحل لك أن تقول ورَّيت في اليمين الدستوري أو استثنيت فهذا غش!
هل هذا فقه؟!
الديمقراطي في المثال المذكور رضي بمشاركة المستبد من باب أكل المضطر للميتة مع أنه لم يكن ليسمح له إلاّ ببواقي العظام والقرون والأظلاف! وكان يحاول هذا أن يسد بمرقها جوعة الأمة! ومع ذلك شكرناه وربما أيده قطاع عريض من السلفيين!
ثم يأتيك ليطالب السلفي الذي دخل في النظام الديمقراطي اضطراراً بأن يستمر في إطعام الأمة قطرات ذلك المرق! وهم يرون الحلال الطيب متاحاً!
فما لكم كيف تحكمون!

 

السلفيون واضحون لا يلتون في إعلان عقيدتهم ومبادئهم، نعم هم يرون أن التعامل مع النظام الديمقراطي قد يكون واجباً لا جائزاً فقط اضطراراً، لكنهم لن يترددوا أبداً إن أتيحت لهم فرصة إقامة حكم إسلامي في تطبيقه، وإلزام أنفسهم والناس بشرع الله ربهم، ليندرجوا بذلك في جملة من قال الله فيهم: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) [الحج: 41]، فبم تشنعون!
وعيرني الواشون أني أحبها = وتلك شكاة زائل عنك عارها!
باختصار السلفيون يراعون أن الله خلقهم لعبادته وأنه ألزمهم إقامة شرعه في أنفسهم وفي مجتماعتهم، وأنه لا خيرة لهم في ذلك، يراعون أمر ربهم الذين هم عباده لا أمر الأكثرية التي لها عبيدها!

 

(9)    عجبت لقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل! وجهنم بالعز أخبث منزل!
أخيراً: في المرحلة الراهنة سيادة الأمة قد تكون حلاً وقد لا تكون، أما الإسلام فهو الحل لزاماً وشريعة الإسلام قد جاءت بنظام له آلياته كتب في تفصيلة كثيرون، وأخطأ من تصور الحكومة الإسلامية نظرية مجردة! وثق أخي الكريم بأن النظام الإسلامي المبني على العدل والإحسان، القائم بشريعة الرحمن مصلح لأحوال البشرية وكل الخير فيه، قد يفرض على أمة كما حصل في فتوح المسلمين إبان العهد الأول فينعم الناس ويعرفون فضله فيدخلون في دين الله أفواجاً، والإسلاميون يتفقون على رد فرية أن الإسلام انتشر بالسيف، وأن السيف لم يكن وسيلة لتغيير الاعتقادات ولن يكون، وإنما غايته في الإسلام بسط سلطان الشريعة، ولهذا يقبل المسلمون الجزية ممن رضي بالدخول في حكمهم ويبقونهم على أديانهم، لكن الواقع يقول بأن أهل البلدان التي فتحها المسلمون بالسيف أصبحوا مسلمين إما عن بكرة أبيهم وإما جمهورهم وسوادهم الأعظم، لما رأوا من محاسن حكم الإسلام وعدله، وهذا رغم القصور الذي كان يعتري التطبيق في عهود الدولة الأموية والدولة العباسية.

 

فلتكن دعوتك إليه، وجهدك في إقامته، ولو فتح المجال لحكم ديمقراطي فاسع من خلاله لتحقيق حكم الإسلام وأنت مشكور، لكن إن تراخيت في إقامته أو بعضه وقد عَنَّت لك فرصة بدعوى مراعاة أمر الأكثرية فلا تعجب إن قلنا: تعس عبد الأكثرية تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش!

 

وختاماً:
توقع بعض المفكرين الغربيين منذ عقود أن تكون العهود المقبلة عهود انتصارات للديمقراطية في حرب الحضارات وتمكنها من المنطقة العربية وممن أشار إلى ذلك صمويل هنتنقتون في كتابه الشهير.
وتوقع بعض حملة الشريعة من أهل الفكر والنظر كالشيخ سفر في كتابه الشهير أن تكون العهود المقبلة عهود عز وتمكين للإسلام والمسلمين، تقترب بهم من إقامة حكم الإسلام.

 

 

ولا أراهن على تاريخ غير أن ما أعتقده أن الديمقراطية وإن كثر دعاتها في هذا العهد مغلوبة لن تقوم لها قائم في بلاد المسلمين بحيث تستحق أن تذكر كحقبة تاريخية معتبرة مرت بالأمة، ولعل مما يستشهد به في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" فالنتيجة محسومة، فمن شاء أن يحمل راية ليغلب وعد الغرب وعد محمد صلى الله عليه وسلم فليفعل! ولن يضر إلاّ نفسه وليوقن بأن العاقبة للتقوى.

6 + 1 =
إبراهيم الأزرق
د. أحمد فخري
أسماء عبدالرازق