تقليص "الدين" من المناهج والدور الأبوي المفقود تجاهه
5 محرم 1438
أمير سعيد

نكاد كل فترة وجيزة يدهمنا خبر سيء عن تقليص المناهج الدينية التي تلقن لأولادنا في المدارس !

 

  فمن المغرب إلى الأردن إلى مصر.. الخ، يغدو القائمون على وضع تلك المناهج عازمين على تجريد التعليم مما يساهم في تكوين شخصية إسلامية سوية .

  

 

ويعمدون إلى الاقتصار على ما هو مشترك ما بين الإسلام و"المسيحية" و"اليهودية" والبوذية والهندوكية، وما إلى ذلك من مظاهر "إنسانية" عامة تدعو إلى القيم العامة التي لا تميز مسلماً عن غيره، كبعض الذوقيات والآداب العامة مما تعج به لوحات الإرشاد في الطرقات وغيرها، من عدم إلقاء النفايات خارج صناديقها، وما إلى ذلك!

 

والحق أن هذا التقليص ليس حكراً على تلك الدول، وهو متفاوت بدرجات في معظم البلاد الإسلامية بقدر الهيمنة العلمانية عليها، وبقدر مستوى الإرادة الغربية في إبعاد شعوبها عن الإسلام ذاته، وهذا، ربما معلوم لكثيرين، ويشهد أولياء الأمور عليه بمرارة.

 

  

بيد أن هذه المرارة لابد أن تُفعّل عملياً بإجراءات، وخطط، وبرامج، فالمسلم لا ينبغي أن يكون إمعة، يسيره الآخرون كيفما أرادوا، لاسيما إن كان هذا يتعلق بفلذات أكباده، المسؤول مباشرة قبل كل هيئة عن تربيتهم وتوجيههم.

 

والمؤسف جداً أننا نلمس على الفور تراجعاً في مستوى ثقافة وممارسة الأبناء دينياً كلما حادت مدارسهم عن جادة التعليم القويم، كما لو كان أولياء الأمور هؤلاء قد نفضوا أيديهم من تربية أبنائهم، وتواكلوا مفرطين في أهم ما يستثمرون في حياتهم،

 

أولادهم، متجاهلين أن الإسلام بديناميته قد تمكن من التكيف مع كافة الظروف والمحن، وتجاوز الكثير من العراقيل على مر العصور، متغاضين أيضاً عن واجبهم حيال تربية أبنائهم وتنشئتهم على النحو الذي يرضي الله عز وجل.

 

وهذا ما نلمسه هو في أبجديته عائد إلى تصور منقوص عند الآباء والأمهات عن مهمة التربية، والدور المنوط بهم فيها.. وعائد من قبل هذا إلى ضعف في التدين الحقيقي لدى الآباء والأمهات لا يجعل من هذه المهمة أهمية عظمى في حياتهم، وهذان بحاجة لعلاجين متوازيين.

 

بالنظر إلى التصور المنقوص، نجد بداية أن فكرة الدور المحوري للأسرة، للأب، للأم في التربية ليس راسخاً لدى كثيرين حقيقة، بما يدفعهم لمحاولة إزاحة هذه المهمة عن كاهلهم، فالتربية بالقدوة وبالتعليم وبالأحداث وبالعادة وبالقصة وبالتأديب.. الخ، ليست في أذهانهم بداية، وبالتالي؛ فإن معظم دورهم التربوي إن قاموا به ينحسر في التأديب والقدوة، وكثير يحاولون تحويل هذه المهمة لآخرين.

 

وهذا الأخير جيد إن نفذ بطريقة صحيحة، لكن الملاحظ أن معظم هؤلاء يلجؤون إلى "محفظي قرآن" لتعويض الجانب المبتور من مناهجنا التعليمية، وذاك كان ينبغي له أن يتكامل مع وسائل وأنشطة تربوية أخرى، لا أن يقتصر على مجرد حفظ القرآن وحسن تلاوته.

 

إن بعضنا يسرف حقيقة في تغليب هذا الجانب في التربية على غيره، بما ينعكس أحياناً على طريقة تربية أبنائنا التي قد لا تحبذ في هذا العصر بكل مغرياته وتشعباته أن تلزم بحفظ سور كثيرة من كتاب الله، وتحفز أو تعاقب على الإحسان أو التقصير في حفظها، وسرعان ما تُنسّى ما حفظته حينما تغادر تلك المرحلة العمرية التي يسهل على الآباء والأمهات فيها إلزام أولادهم بما يتعين عليهم حفظه.. أيضاً، كثير من هؤلاء الأولاد لا يوازنون، أو بالأحرى لا يوازَن لهم ما بين ما يُتطلب حفظه، وما ينبغي تعلمه بشكل مشوق، وجذاب، ومؤثر في رصيدهم المعرفي والإيماني.. مثلاً، كثير مما ينفذون هذا النمط من التربية التلقينية لا يأبهون كثيراً بالتفسير والتدبر، والخروج بمعانٍ إيمانية وتأصيلية لدى الأولاد؛ فيسبق الحفظ الوعيَ كثيراً بشكل يخالف نهج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الذين كانوا لا يغادرون آيات لغيرها إلا حالما يتشربوا معانيها وينهلوا من معين أفكارها وأحكامها وآدابها ودروسها.

 

هذا ينبغي العناية به كثيراً في البيوت، وإيلائه اهتماماً كبيراً في مسابقات وفعاليات منزلية يقوم بها الآباء والأمهات سواء للأولاد، أو للأولاد وأقرانهم من الجيران والأصدقاء ونحوهم.

 

كذا، ثمة مناهل أخرى تأصيلية يحسن الالتفات إليها في جانب التعليم والاستيعاب، تتعلق بمعاني الإيمان وحقائقه، وعلاقة الأبناء بالكون وفهم الأصول الكلية لدينهم، من الأحاديث الجامعة (كالأربعين النووية أو أبرز أحاديثها الشاملة)، أو معاني الأسماء والصفات والتعرف إلى الله، ومعاني الأذكار ومغازيها فيما يلقن للأولاد في حياتهم اليومية.. بالطبع، قصص الأنبياء عليهم السلام، والصحابة، والصحابيات رضوان الله تعالى عليهم، وقصص أبطال الإسلام ونحوها في منظومة متكاملة لا يتضخم فيها جانب على آخر، وينحسر فيها الجانب الإلزامي إلى الحد المقدور والمطاق بحيث لا يتخلف عند الأبناء ما ينفرهم عنه على النحو الذي نلمسه أحياناً من بعض أبناء المتدينين..

 

من المفترض إذن أن يتحول البيت إلى منظومة تربوية تتكامل فيها الوسائل، وتتأصل فيها الكليات، وتزرع فيها الإيمانيات، وهذا آكد بطبيعة الحال حينما نلمس رغبة جموحاً لدى بعض الوزارات في علمنة الأبناء وتغييبهم عن دينهم وإبعادهم عن أسسه وفضائله؛ فلقد منحنا الإسلام مرونة واسعة في التعاطي مع ظروف كهذه ما يقل منها تغييباً مثلما نجده في بعض البلدان المسلمة مما تقدم، أو ما يكثر في غيرها كمناطق المسلمين ضمن الاتحاد السوفييتي البائد أو لدى موريسكيي الأندلس ونحو هذا بما يبلغ حداً يكاد يماثل الحد الذي لفتنا إليه كتاب ربنا عز وجل في توجيه بديع لبني إسرائيل حين تخوفوا من سطوة فرعون أن ينأوا بعبادتهم بعيداً عن بطشه؛ فقال الله عز وجل: { وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين } [يونس: 87]، أي أقيموا صلاتكم فيها واتخذوها مساجد إن خفتم من فرعون على الأشهر من أقوال المفسرين.. (أو حتى ما قيل أنها تكون "متقابلة" أي تتقارب بعضها مع بعض). في هذا المدى من أقصاه إلى أدناه يوجد الإسلام مساحة للحفاظ على الدين، وفي تربية الأولاد ما يلفت بوضوح إلى دور البيت في الحفاظ على علاقة الأبناء بدينهم وأصوله وقواعده مهما كان المجال فسيحاً بالحرية أو كان متراجعاً بحد الأقصى مروراً بحالات متفاوتة من تغييب التوعية الدينية عمداً أو سهواً سواء أكان في التعليم أو الإعلام أو ما سواهما. 

 

القصد، أن ثمة علاقة تكاملية ما بين التعليم والبيت في هذا الصدد؛ فإذا قصر التعليم في بعض بلاد المسلمين تعين على أهل البيوت أن ينتبهوا أكثر، ويولوا مهمة التعليم الديني أهمية أكبر، ومساحة أوسع، بحيث لا يصبح الأبناء فريسة لكل موجة فكرية وكل عاصفة غير أخلاقية.

 



2 + 0 =
د. خالد رُوشه
أميمة الجابر
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر