18 ربيع الأول 1438

السؤال

رأت في مغني اللبيب لابن هشام عند قوله تعالى: (كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) أنه لا يتجه إعراب (كيف) حالا من الفاعل، وصوَّب إعرابها مفعولا مطلقا، مع أن المعربين القدماء والمفسرين كابن جرير أعربوها حالا؟
ثم وجدت الدسوقي شارح المغني يقول: "قوله: (من الفاعل) أي: وهو (ربك)؛ لأنه يقتضي أن الفاعل ـ وهو الرب ـ متصف بالكيفيات والأحوال؛ لأن المعنى: فعلَ ربُّك حال كونه على أيِّ حالة وكيفية، واتصافُه بها محال"ا>هـ. من الحاشية (1/217). فهل لهذا الترجيح مدخل كلاميٌّ من جهة الاعتقاد؟ وهل من ضوابط يعرف بها التأويل؟

أجاب عنها:
عبد الرحمن البراك

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
فمن صيغ الاستفهام (كيف)، ويستفهم بها عن الحال والهيئة؛ إذن فهي من الأسماء التي لها الصدارة، وأما إعرابها فبحسب التركيب الذي وقعت فيه، وهي مبنية كسائر صيغ الاستفهام، فإعرابها على المحل، وعلى هذا فإنها تقع في محل رفع خبرا لمبتدأ، نحو: كيف زيدٌ؟ أو نصبٍ خبرا لكان، نحو: (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ)، أو حالا والعامل مذكور، نحو: كيف حضر زيد؟ أو حالا والعامل محذوف، نحو: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ)، أو مفعولا مطلقا، نحو: كيف صنعتَ بخصمك؟ ومِن هذا ـ والله أعلم ـ قوله تعالى: (كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ)، وقوله: (كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ)، وكثير من المعربين يعربون (كيف) حالا، وابنُ هشام يختار أن تكون مفعولا مطلقا، وهو أظهر؛ لأنه هو ما يقتضيه التركيب، وتقدير الكلام: فعَل بهم أمرا عظيما، وليس المانع من جعلها حالا من الفاعل في هذا الموضع أنه سبحانه لا تقوم به الأحوال؛ فإن الأحوال صفات، وهو تعالى تقوم به الصفات، خلافا للمعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم، وبهذا يُعلم غلط ابن عرفة الدسوقي في حاشيته على المغني حين جعل المانع من كون (كيف) حالا أنه يقتضي أن الله تقوم به الكيفيات والأحوال، وذلك ممتنع عنده، وابن هشام لم يعلل لاختياره بذلك، بل ما اختاره هو ما يقتضيه تركيب الجملة، كما تقدم، ومن شواهد جعل الوصف المضاف إلى الله حالا قوله تعالى: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا)، وقوله سبحانه: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ)، فـ (حافظا) و(قائما) حال من الله، وما سأل عنه السائل من ضابط التأويل المذموم نقول: نعم، التأويل المذموم هو صرف الكلام عن ظاهره إلى خلاف ظاهره بغير دليل يوجب ذلك، وكلُّ تأويلات أهل البدع من التحريف الذي يسمونها تأويلا ليُقبَل، والله أعلم.
قال ذلك: عبد الرحمن بن ناصر البراك لثمان عشرة خلون من ربيع الأول 1438ه.